عيدية السيسي وزيارة أخرى لروح العيد المفتقدة

حجم الخط
2

يردد البعض كثيراً الجزء الشهير من قصيدة أبو الطيب المتنبي، الذي يحمل عنوانها أيضا، وهو: «عيد بأية حال عدت يا عيد»، بوصفه نوعا من التحسر أو التعبير المختصر المعبر عن التناقض بين ما يفترض أن تحمله اللحظة أو
المناسبة محل الحديث، من سعادة وما يشهده الواقع من حزن. العبارة، اسم القصيدة، التي تحولت في الخطاب المصري إلى ما يشبه الأمثال أو المقولات المفتاحية، التي تعبر بعمق عن مشاعر الشخص المختلفة عما يفترض أن يكون عليه من سعادة وابتهاج، تحضر بقوة وسط أجواء يفترض أنها رسميا أعياد، وفعليا أبعد ما تكون عن العيد أو أسباب الاحتفال، إن تعاملنا معها بالمعنى القومي أو الوطني للحظة.
يظل الاحتفال الفردي محتملا، وربما يكون مطلوبا بوصفه جزءا من صناعة الأمل، سواء كان لدى الفرد أسباب كبرى أو صغرى للاحتفال، أو أسباب لعدم الحزن إن انفصل عن الإطار العام للأحداث، واعتبر مثل المملوك جابر في رائعة «مغامرة رأس المملوك جابر» للكاتب سعد الله ونوس، انه غير معني بما يحدث، رغم أنه ظل يحمل رسالة موته علي رأسه طوال رحلته، فكان عدم اهتمامه سبب هلاكه، تماما كما يحاول البعض التعليق على بعض الأحداث، مثل التنازل عن الجزر بوصفها هامشا على حياتهم العادية لا يتعلق بهم ولا يؤثر عليهم.
رؤية يعمقها خطاب السلطة والإعلام، وهي تكثيف الاهتمام بكوارث أخرى، أو حتى قضايا يفترض أن تكون هامشية، وتحول الشاشات والصحف لمجال لعبدة الشيطان والإبراج، ناهيك عن المعاناة الحاضرة، والتهديد بمعاناة أخرى مقبلة دوما، سواء بخفض الدعم أو زيادة الأسعار أو غيرها من ضغوط الحياة. في مصر يبدو الوضع مربكا ومركبا، ومن الصعب أن تنفي أهمية التعليقات الساخرة لما تعبر عنه من عمق ورؤية احيانا، وإدراك لصعوبات الواقع وتحدياته، وما يعد إنجازا في وسط تلك التحديات أحيانا أخرى، إلى جانب ما تكشف عنه من إدراك المواطن للواقع وللسلطة في الكثير من الأحيان.
وكما اعتبر بعض المصريين أن أكبر إنجاز تحقق في نهاية عام 2016 وبداية عام 2017 هو القدرة على الصمود والبقاء على قيد الحياة، فإن الاحتفال بالعيد يظل ممكنا للبعض في إطار المقارنة، وإن كان النظام يرى أن إنجازه الأكبر – بالإضافة إلى تخليص مصر من حكم الإخوان، وللمفارقة مخاطر التنازل عن أراضى مصرية – هو أن مصر لم تتحول لواقع بعض دول الجوار، فمن شأن بعض المواطنين إيجاد مسببات للاحتفال لأسباب مشابهة لفكرة غياب الأسوأ، مثل عدم الاختفاء قسريا، أو النجاة من براثن التعذيب، أو السير داخل الحائط لتجنب التحول إلى رقم في قائمة المستهدفين، أو القدرة على التعايش، رغم الأزمة الاقتصادية وتوابعها، أو القدرة علي الحياة والنجاة من الموت قهرا. بدوره يحتاج النجاة من الموت قهرا، إلى الكثير من الجهود في واقع يتحدث فيه النظام الحاكم بسعادة عن تنازله عن جزر مصرية، وكأنه حقق نصرا عسكريا ما، أو استرد أراضي محتلة، مقدما مثالا للتاريخ والعلاقات الدولية عن دور السلطوية ومن يدعمها ويروج لها بعبارات براقة بشكل جمعي، يشارك فيها الرئيس ومن حوله من جماعات مصالح وإعلام، في إعادة رسم حدود الدولة وسيادتها، بشكل ينتقص منها ولا يضيف إليها.
وكيف تقدم الدولة صاحبة الأرض والسيطرة، ما يثبت عدم ملكيتها لها وملكية غيرها، وكيف تحارب السلطة الحاكمة، والمفروض أن تحمي وتصون حدود الدولة واستقلالها وسيادتها – وفقا للدستور والمتصور من أدوار للسلطة السياسية – من يؤكد ملكية الدولة للأرض، لدرجة أن بعض إعلام الدولة المستفيدة من هذا التنازل – السعودية- تتناقل المصادر المصرية لتأكيد سعودية الجزر، وتؤكد على قرار النظام المصري التنازل عن الجزر، بوصف الوجود المصري عليها كان سيطرة عابرة، وربما لا يستبعد إن ساءت الأحوال، أن نشهد الحديث عن احتلال مصري لأرض دفعت فيها دماء وأثمان مصرية، ولم يطالب بها أحد، عندما كانت معركة الدفاع مطلوبة، وفتحت عندما صارت اللحظة مفتاحية لتشكيل المنطقة عبر العلاقة مع إسرائيل، ومن خلفها الحليف الأمريكي قائد الصفقة التي تعد في الخفاء على طريقة المال والأعمال، التي يعرفها الرئيس دونالد ترامب ونخسر فيها دوما. تلك اللحظة المخجله والمشينة في تاريخ مصر، التي تستحق الدراسة في سياق تاريخي منصف، لا نعرفه حاليا بالطبع، تتوج بتصديق الرئيس عبد الفتاح السيسي على ما يعرف باتفاقية ترسيم الحدود مع السعودية، والمعروفة باتفاقية التنازل عن جزيرتي تيران وصنافير ليلة عيد الفطر، قبل أن يوجه التهنئة بالعيد عبر صفحته على الفيسبوك للشعب المصرى «العظيم» الذي لم يهتم أحد به في حسابات التنازل عن الجزر، مشيرا فيها لأهمية التضحيات التي بذلت من أجل الوطن، وهو يوجه «تحية خاصة إلى أسر شهداء مصر الأبرار، الذين قدموا أغلى التضحيات من أجل أن تظل كلمة الوطن هي العليا».
ولكن يبدو أن تضحيات المصريين في ومن أجل تيران وصنافير خارج المقرر الرئاسي، وأن التهنئة التي تم تناقلتها تنقصها الإشارة إلى شهداء الجيش والشرطة، الذين ضحوا في مواجهة الإرهاب بعد 30 يونيو، أو بعد أحداث يناير باعتبار أن مصر، وفقا للسيسي، مجرد دولة حديثة أو «شبه دولة».
أما اختيار ليلة العيد ومع تناقضها مع أغنيه أم كلثوم الشهيرة، التي تمثل جزءا من الوجدان المصري في ما يتعلق باللحظة، التي تقول فيها من كلمات الشاعر الرائع أحمد رامي: «يا ليلة العيد آنستينا وجددت الأمل فينا»، فربما ترتبط بذكريات سلبية لعيد بطعم مرير، وليلة تدشن أشياء كثيرة عن الوطن والحكم، وتهميش كل الأشياء مقابل الحاكم بكل ما تحمله من مخاطر للمقبل. اختار الرئيس أن تكون هدية العيد «العيدية» غير مسبوقة، كونها لا تقدم للشعب المصري، ولكن تضيف كيلومترات وامتيازات جيواستراتيجية للنظام السعودي، الذي يشهد بدوره تعديلات وتغييرات، من شأن خطوة مثل تلك أن تضيف له وتعزز من قيمة سياساته، بما فيها الأموال التي دفعت لنظام السيسي والرهان علي التحالف معه. كما تمثل بوابة للعلاقات مع إسرائيل وإعادة رسم التحالفات في المنطقة، وفقا لإعادة رسم القوى الإقليمية. في الوقت نفسه يؤكد التوقيت على استمرار النظام في اتباع أسس كتاب الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك في الحكم، حيث الكوارث وزيادات الأسعار تتم في ليل، مع إجازة أو مساء يوم الخميس، حتى يكون التغيير واقعا، وعلى الجميع التعامل معه بداية الأسبوع، كما حدث مع قرار تعويم الجنيه ورفع الأسعار، وهو ما يؤكد إدراك خطأ ما يحدث، ومحاولة تقليل ردود الفعل أو عدم إتاحة الفرصة لهذا «الشعب العظيم» في التعبير عن مواقفه الحقيقية، من سياسات وقرارات النظام.
وكما يتصور أن يحدث مع أخبار رفع العلم السعودي على الجزر، أو بالأصح إزالة العلم المصري، إن كان ما زال قائما، لدى نظام حريص على سرعة التنازل عن الجزر وغلق الملف. كل هذا على الرغم من استمرار معارضة الاتفاقية في القضاء المصري. بالمقابل يسخر صديق من بعض التغطيات الإعلامية التي تتحدث في عناوين عريضة عن انحياز الرئيس للفقراء على هامش زيادة المخصصات التموينية بمقدار يقترب من 30 جنيهاً مصريا، وهو ما اعتبره إضافة لخلق الزعيم وتصوير أموال الشعب، وكأنها منحة من الحاكم، ولكن بإضافة هذا للتنازل عن الجزر تبدو المفارقة ضخمة، بين التنازل عن جزر وسيادة ومكانة استراتيجية مادية ومعنوية، هي ارض الوطن والشعب، والاحتفاء بمقدار 30 جنيها للمواطن! اي سخرية يمكن أن تعبر عن الألم بما يستحقه، السؤال يظل مطروحا وعابرا للحظة. اعتبرت قي حديث سابق عن العيد أن زمزمية الأمل التي تحدث عنها شاعر العامية الجميل صلاح جاهين مهمة من أجل الاستمرار، وأن الروح المصرية مازالت قائمة في العمق رغم التشوهات. ورغم أن العيد لا يحمل ملامح العيد للوطن ولنا جميعا، بوصفنا أفراد هذا الوطن، الذي ترتبط حياتنا به بشكل حقيقي، يرتب وجود مصلحة حقيقية في سلامته وأمنه ووحدة أراضيه وسيادته، إلا أن رفض الأسود واليأس ضرورة لا تقبل التنازل، ولا نملك رفاهية الخضوع لها في معركه تأكل من الوطن بصور متعددة، مرة بالتنازل عن جزيرتي تيران وصنافير، ومرة بتمليك أراضي سيناء بقرارات من الرئيس والسلطة التنفيذية، ومرة ببيع الجنسية باسم زيادة إيرادات الدولة، ويضاف لها مخاطر ما يحدث
خلف الأبواب المغلقة، وفي اللقاءات السرية والشرق الأوسط ما بعد الجديد، الذي تتم فيه صناعة عدو جديد، بعد أن كان صديقا من أجل تحويل عدو كان إلى صديق، بمخاوف ليس لها حدود، ونظام يصر على إدارة الدولة بأسلوب خلص الكلام، والأوامر العسكرية. يظل الأمل قائما في أن الأسود لا يدوم والظلم لا يستمر، منتصرا بالمطلق، وروح العيد المفتقدة في اللحظة من شأنها أن تزورنا يوما وأن تزدهر جذور الروح المصرية وتشرق فجرا.
كاتبة مصرية

 عيدية السيسي وزيارة أخرى لروح العيد المفتقدة

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية