من خولة بنت الأزور والخنساء إلى إيميلي دكنسن وكريستينا روزيتي: أصالة التراث والموهبة الفردية

يروى عن أبي نواس (756 ـ 814م) الشاعر العباسي المشهور أنه قال: «ما نطقتُ بالشعر حتى حفظتُ لستين من شاعرات العرب، فما بالك بالشعراء!». وقيل إن أبا تمام كان يحفظ ألفاً وأربعمئة من أراجيز العرب، وقيل أكثر من ذلك. ولا ندري كم من شعر سابقيه، مثل الشنفرى، كان امرؤ القيس يحفظ، ولا أحسبُ شعراء المعلقات كانوا من أهل القراءة وأصحاب الكتب، بل كانت الذاكرة هي الحافظة، وهي التي توحي لأصحاب المواهب أن «ينطقوا» بالشعر. وماذا نقول عن المعري، الشاعر الضرير، وعن حافظته التي أبدعت «رسالة الغفران» وصاغت «لزوم ما لا يلزم»؟ أليس هو القائل: كأن مُنَجِّم الأقوام فيهم/لديه الصُّحْفُ يقرأها بلمسِ؟ مما دفعت الحماسة بعض طيبي النوايا إلى القول إن أبا العلاء تنبأ بأسلوب «بريل» في قراءة العميان باللمس؟
وفي زمان أقرب إلى عصرنا، يقول ت. س. إليوت (1888 ـ 1965) في مقال شهير له بعنوان «التراث والموهبة الفردية» ما خلاصته إن الشاعر لا يستوي شاعراً حتى «يحفظ» في نخاع العظم منه أفضل أمثلة الشعر منذ هوميروس حتى معاصريه من الشعراء، وبلغاتٍ شتى. والحفظ في «نخاع العظم» هو الحفظ في الذاكرة، منذ الجاهلية حتى عصرنا الحاضر، من شعر الشعراء الرجال أو من شعر النساء!
والحفظ من شعر الشعراء الرجال ميسور لكثرة المجموعات الشعرية المطبوعة في شكل الكتب، وحديثاً على الشبكة العنكبوتية، الإنترنت، التي أحسبها أفضل اختراع بلغة البشر، وحتماً أكثر فائدة للبشر على وجه الأرض، من الوصول إلى القمر والمريخ، لاكتشاف الماء فيهما من أجل زراعة البطاطا، تلك الغِلّة التي أطعمت جياع إيرلندا في زمان مضى، وهي زراعة لا تحتاج إلى كثير من الماء، أو العناية… الفضائية.
ولكن، ماذا عن شعر النساء، وبين نساء الأرض شاعرات وشواعر، فيهن أو لدى أغلبهن فيضٌ من الموهبة الشعرية عميم، لكن الرجال، أو الغالب فيهم، مقصرون في إظهار تلك المواهب الشعرية ونشرها في «الكتب المُجَلّدة المُخَلَّدة» كما يريد أصحاب الموشحات الأندلسية، في زمان مضى، وبلاد كان العرب فيها يعطون للمرأة ما للمرأة، وما لله لله!
لا ندري إن كان لدى خولة بنت الأزوَر ديوان شعر، أو لدى ليلى الأخيَلية، زوجة معاوية، حيناً من الدهر، ديوان شعر أول قصائده: لبَيتٌ تخفق الأرواح فيه/أحبّ إليّ من قصرٍ مُنيفِ، ولو كان قصر معاوية بن ابي سفيان. وماذا عن الخنساء ومراثي أخيها «صخر» وقولها: يذكِّرني طلوعُ الشمس صخراً/وأذكره لكلّ غروب شمس! بعض من تلك الروائع حفِظتها ذاكرة محبي الشعر، وشجعت بعضهم في جمعها في عصور لاحقة.
وجمع القصائد، أو مجموعة شعرية أفضل من «ديوان شعر» لأن كلمة «ديوان» غير عربية، والدليل قولهم: «الشعر ديوان العرب» لأن العرب لم يعرفوا الديوان، بل عرفه غيرهم. وقد شاع خطأ «أنطولوجيا» بمعنى مجموعة شعرية، والكلمة لاتينية وأصلها الإغريقي «أنثولوجيا» أي «مجموعة أزهار» أو باقة من أزهار الشعر. وتحريف اللفظة بنطقها بحرف الطاء يجعل الكلمة تفيد «علم الوجود» وهي غير «أنثولوجيا». فلماذا لا نستعمل الكلمة العربية الجميلة «مجموعة شعرية» و»مجاميع شعرية»؟
لا عِلم لي بوجود «مجموعات» من شعر النساء بالعربية سوى مجموعات شاعرة فلسطين الأولى: فدوى طوقان (1917 ـ 2003) ونازك الملائكة، شاعرة العراق الأولى (1923 ـ 2007) ود. عاتكة وهبي الخزرجي (1924 ـ 1997) وهذه هي الأسماء البارزة، ولا شك بوجود غيرها. ولكن في الإنكليزية وفي غيرها من اللغات الأوروبية، يوجد الكثير من المجموعات من شعر النساء. أمامي، مثلاً كتاب بالإنكليزية صدر حديثا بتاريخ 2008 من شيكاغو، بعنوان «100 قصيدة حديثة أساس من شعر النساء» عبر 150 سنة مضت، تضم 48 من أسماء الشاعرات الأمريكيات في الغالب. والملاحظة الأولى حول هذه القصائد أنها شديدة البعد عن مفهوم الشعر عند العرب، وهو «الكلام الموزون المقفى الذي يفيد معنى». ليس في هذه القصائد بالإنكليزية إلا القليل من الكلام الموزون المقفى. فلم تكن القافية من ضرورات الشعر باللغات الأوروبية حتى أدخلتها امثلة الموشح والزجل التي قلّدها الشعراء التروبادور من الجنوب الفرنسي في القرن الثاني عشر، ثم تطور استعمالها. وفي عام 1855 نشر الشاعر الأمريكي والت وتمان (1819 ـ 1892) مجموعة من الشعر المنثور بعنوان «أوراق العشب» سماها «الشعر الحر» وهي تأليف جميل يوحي بالكثير، لكنه يخلو من الوزن والقافية. فشاع هذا النوع من التأليف في أمريكا ثم انتقل إلى أوروبا، وفرنسا بخاصة، ووصل إلى بلادنا العربية في أواسط القرن الماضي، وقد أساء استعماله في الغالب عدد من أصحاب المواهب الضعيفة.
هذا مثال من شاعرة أمريكية معروفة إميلي دكنسون (1830 ـ 1886):
«كثير من الجنون هو المعنى الأسمى/أمام عين متبصِّرة ـ /كثير من المعنى ـ هو الجنون بعينه ـ /إنها الأغلبية/في هذا، وفي كل شيء، تسود/إرتفِع ـ فأنت عاقل ـ /اعترِض ـ فأنت خطير حتماً ـ /مربوطاً بسلسلة ـ /.
على ما في هذه الترجمة من دقة بالغة، فهي تفتقر إلى إيقاع الألفاظ في لغة النص. ولكن، كيف تبدو هذه للقارئ العربي الذي يسيغ الشعر من المتنبي إلى السيّاب؟ وهذه «غنائية» من النمط الإيطالي، الذي طوَّره شكسبير، للشاعرة الإنكليزية -الإيطالية الأصل كريستينا روزيتّي، شقيقة دانته غابرييل روزيتّي الشاعر الرسام «الما قبل رافائيلي»، التي ولدت في لندن عام 1830 وتوفيت بالسرطان عام 1894.
تذكّر
تذكّرني بعد رحيلي بعيداً،
راحلة بعيداً إلى الأرض الصامتة،
يوم لن تقدر بعد على الإمساكِ بيدي،
ولا اقدر أن استدير نصف استدارة لأغادر، ثم استدير لأبقى.
تذكّرني يوم لن تقدرَ يوماً بعد يوم
أن تخبرني عن مستقبلنا الذي رسمتَه:
تذكّرني وحَسبْ، فأنت تدري
أن الوقت قد فات على النصح والرجاء.
ولكن، إذا كان لا بُد ّأن تنساني لبُرهة
ثم تتذكّرني بعد ذلك، لا تحزن:
فلو بين العتمة والفساد تخلّفَ
بعض سبيل للأفكار التي كانت يوماً لديّ،
فمن الأفضل كثيراً أن تنسى وتبتسِم
من أن تتذكّر ويُصيبك الأسى.
وهذا مثال من إيدث سيتويل (1887 ـ 1964) التي كان السيّاب معجباً بشعرها وقد استوحى قصيدته الشهيرة «انشودة المطر» من لازمة في قصيدتها «ما زال يهطل المطر» عن «الغارات عام 1940. ليلاً وفجراً» والقصيدة عن قصف الطائرات الألمانية مدينة لندن في الحرب العالمية الثانية. ليس من موضوع القصيدة ما أفاد السياب دون الجِرس الحزين وأصداء «ما زال يهطل المطر» من القنابل الألمانية. وجوّ القصيدة مسيحي جنائزي، اخذ السياب منه الجِرس وطوره بموهبته العجيبة:
ما زال يهطل المطر ـ
مظلماً مثل عالم الانسان، أسودَ مثل ضياعنا ـ
أعمى مثل ألف وتسعمئة وأربعين مسماراً
على الصليب.
وإذ استعار السيّاب نغمة الحزن في قصيدة سيتويل حوَّلها إلى نغمة حزن عراقي في شكوى «غريب على الخليج»، وإلى مزيج من حزن الوداع مع عينين خضراوين مثل نخيل العراق: أتعلمين أيّ حزنٍ يبعث المطر؟ ويقلب الحزن الشخصي إلى حزن «وطني»: مطر، مطر، مطر، وفي العراق جوع/وينثر الغلالَ فيه موسمُ الحصاد/لتَشبَعَ الغربانُ والجراد… ويهطل المطر».
وتبقى الموهبة الفردية فوق كل اعتبار.

من خولة بنت الأزور والخنساء إلى إيميلي دكنسن وكريستينا روزيتي: أصالة التراث والموهبة الفردية

عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية