بيروت ـ «القدس العربي»: في رحلة إلى «الباشورة» أقدم المقابر في تاريخ بيروت والتي نشأت سنة 1878 كان الهدف الإنصات إلى قراءة فنية ومهنية مختصة في الخطوط والنقوش على شواهد القبور، وحولها، وتحديد مدى جودتها وأناقتها. المختص شبه الوحيد والعارف بفنون وأشكال الخط العربي في لبنان هو علي عاصي. درس على يده كثيرون ولم يصبحوا سلاطين في المهنة. في تلك الرحلة أحيط عاصي بجمع من الشغوفين بالوقوف على قراءته للخطوط التي رافقت وترافق المنتقلين إلى دنيا الحق. بعض هؤلاء كانوا من طلابه، فهو يدرّس فنون وتقنيات الخط العربي في عدد من الجامعات العريقة منها الجامعة اللبنانية والجامعة الأمريكية، إلى طلاب مستقلين.
يقرأ عاصي في اهتمام الأحياء بنقش أو كتابة الأسماء والآيات القرآنية على قبور من سبقهم إلى العالم الآخر، بأنه نوع من إعلان. هي عادة وجدت قبل المسيحية والإسلام، حيث لكل قبر شاهد يحفظ أثر صاحبه. ويوضح أنها قبور كانت مندثرة وتمّ اكتشافها قبل 1500 سنة. حملت تلك الشواهد نقوشاً انبثق الخط العربي منها لاحقاً.
ويتابع عاصي قارئاً في الخطوط التي تمّ اكتشافها قبل 1000 و1500 سنة، ويصفها بأنها كانت مبهمة. ويضيف: كانت حروف غير مقروءة. راحت من تداول إلى آخر. بعضهم وجد هذا الخط ثقيلاً وقالوا بأنه لا يُقرأ، فعملوا على تطويره. ولهذا تشابهت خطوط مع أخرى. ولا شك أن البعض رفض التداول بخطوط معينة، فكان هناك اضطرار لابتكار خطوط غيرها والهدف هو التحسين والتجميل.
قبل الولوج في جولة القراءة لما حملته شواهد القبور من أشكال الكتابة والخطوط المعتمدة عادة في شواهد القبور قال عاصي: الشاهد إعلان عن المتوفي. وبقدر ما يحمل الشاهد خطاً جميلاً يكون المتوفي جميلا. ولا شك بوجود طبقية في صناعة الضريح، وهذا ما يظهر في الزخرفة ونوعية الخط، طبعاً إلى جانب نوعية الحجر المعتمد. اعتاد المسلمون في الكتابة على القبور اختيار آية الكرسي وسورة الفاتحة. وكذلك للطوائف المسيحية كتاباتها والتي يتم اختيارها من الإنجيل. قال: تُكتب الشواهد بشكل عام بالخط الرقعي، الفارسي أو الثلث. أما الحفر فيستلزم جهداً كبيراً كي ينفر الخط، خاصة عندما يكون الحجر المعتمد من نوع «كرارة».
الخط العربي
واجهة للحضارة المشرقية
وفي خطابه المحتفل والفخور بالخط العربي يقول علي عاصي: الخط العربي أعظم واجهة للحضارة المشرقية. لكل أمة ومدينة خطُها. والاحتفال بالخط العربي ناتج عن كونه يمثل نوعا من المعرفة المتطورة بالشعوب الأخرى. على سبيل المثال حمل الفينيقيون خطهم وسافروا به، وتعلموا خطوطاً من العالم. في حين لم يحتفل الآشوريون بخطهم لكونه غليظاً فانقرض. وكذلك حال خط الحثيين.
تبدأ الجولة من المدخل الرئيسي لجبانة الباشورة التي تجمع في ثراها 17ألف ضريح، ولم تعد تتسع للمزيد إلا نادراً. والدفن فيها يعتمد فتح القبور لمن هم من العائلة نفسها. مع الخطوات الأولى باتجاه الشرق ظهر جلياً لمستطلعي الخطوط ضريح رئيس الوزراء اللبناني شفيق الوزان. الخط المعتمد على ضريحه هو الديواني. وقد استغرب عاصي أن لا يكون متقناً، وأن يظهر غير جميل. ولم ينس التذكير بأن «خير القبور الدوارس» عندما وجد نقوشاً مترفة على بعض القبور كمثل الورود النافرة، وكذلك خط وحفر متقن الزخرفة. تابع رحلة البحث عن الخط الجميل ولم يكن ليجده بسهولة. واعترف بود: هناك خط حسن لكنه ليس وليد ريشة خطاط. وبمزيد من التمحيص والبحث استحق شاهد كُتب قبل 60 سنة تقدير جميل. وحين عُرف السبب بطل العجب: قبل ستة عقود من الزمن كانت الخطوط للمحترفين وليس للهواة كما هو سائد حالياً. ولمزيد من الانشراح في أسارير علي عاصي بلغت الرحلة المتهادية تحت الشمس الحارقة ضريحاً يعود لـ125 سنة، فوصفه بالجميل خطاً وحفراً. وخلُص للقول: الخط جميل والمتوفي جميل.
جملة من الخطوط الرقعية والنسخية والفارسية تشوهت. كانت في زمن مضى جميلة، ولج إلى القبور موتى جدد، فأضيف للشواهد كتابات من فعل هواة حسب عاصي، لم تكن لتقارب جودة القديم وحرفيته بشيء، بل أساءت إليه بشكل واضح وبيِّن للعيان. نسأله لماذا يقصد الأحياء هواة طالبين منهم الحفر والكتابة على قبور أحبائهم الراحلين؟ يقول: لأن الهواة يتقاضون أقل من نصف ما يتقاضاه المحترف. هو جهل من ذوي الشأن ومن الحفّار معاً.
نسأله: هل من مدارس للخط في لبنان أو بلاد الشام عامة؟ يقول عاصي: ليس عندنا مدارس للخط. وفد إلينا الخط عبر اساتذة من بلاد الأتراك، ودرسه عرب على أيديهم. ونحن في لبنان كنا نقصد الشام «دمشق» للاستنجاد بالخطاطين فيها. وبعد ثورة 1925 التي قادها أتاتورك هاجر قسم من خطاطي تركيا إلى سوريا، وقسم آخر إلى العراق، لكن أحدهم لم يأت إلى لبنان. ومن خطاطي لبنان المعروفين كامل ومختار البابا، واسطفان، وآل نشابة، وبرهان وصلاح الدين كبّارة.
عندما يستوقفه خط جميل على قبر كان علي عاصي يقول أن هذا المتوفي يستحق أن نقرأ له الفاتحة. ويتابع: هو خط فارسي جميل، إنما الحفار غير مجيد، ولو كان مجيداً لأتى الخط أكثر أبهة وجمالاً. لكن قبراً مزنراً بالكتابات الجميلة استوقفه بحنان ليثني على الخط الموقع من زميل محترف ذكره عاصي بفخر «البابا» وهي عائلة لبنانية معروفة في صيدا.
بعد التوقف أمام جملة من الشواهد ميزها الخط الفارسي سواء من درجة حسن، جيد أو جميل، يصف عاصي هذا الخط أنه الأجمل بين الخطوط العربية فلماذا؟ لأنه شفاف، مرتب، له مستويات عالية ومنخفضة. يُستعمل لكتابة الشعر والعناوين الهادئة. لكل مدينة مغرقة في التاريخ خطها. للبصرة والكوفة خطهما. للمدينة المنورة ومكة خطهما. وكل خط كان يغادر المدينة إلى أخرى، فإن تمّ استقباله من قبل أهلها بحب يبقى ويعيش. وإن وجدوا في حلوله عليهم ثقلاً يُلغى. كل قوم، وكل أمة في التاريخ لها خطها. لم يعش الخط الحثّي لأنه غليظ لا يُقرأ، فانقرض. كذلك الأمر بالنسبة للخط السوداني، فيما بقي البابلي. كنا في مواجهة عشرات الخطوط، فإن تشابه بعضها، أحدها سيخلي الساحة لآخر كي يعيش. انقرضت الغالبية العظمى من الخطوط وبقي منها ثمانية فقط وهي: الكوفي، والثلث، والنسخ، والفارسي، والرقعي، والديواني، والريحاني والإيجازة. هي أنواع الخطوط المستعملة حالياً في كتابة الشواهد ومن خلالها يتفنن الخطاط.
النسخ مقروء بسهولة
ماذا عن بيروت؟ يقول عاصي: استقبلت المدينة خطاطين، ونشأت فيها مجموعة منهم رحل معظمهم. ثقافة بيروت في الخط نتجت عن ما حولها. على سبيل المثال لم يُكتشف في بيروت نقش تاريخي. أحد المساجد ليس بعيداً عن مكان تواجدنا هذا، ولن أذكر اسمه كانت فيه لوحة حجرية تقول انه المسجد الفلاني المغرق في القدم. رفعت اللوحة واستعيض عنها بأخرى بلاستيكية. ولا يعلق عاصي إن كان في ذلك سطو عارفين بأهمية اللوحة أم سطو نفوذ؟
ويتابع: من يرغب بتدليع الراحل/ة يعتمد على الشاهد الخط الفارسي، الديواني أو الثلث. لكن الخط المقروء بسهولة هو النسخ. فهو لا يقبل التأليف. بل يوضع كلمة قرب أخرى، وحرفا قرب آخر. وهو خط معتمد في الكتب والمجلات والكتب التربوية.
بين حوار وآخر يعود عاصي إلى هدف الجولة ليقرأ على مجموعة شواهد خطوطاً يصفها بالرديئة جداً، وكذلك آلية وضع البلاطة على الضريح ليست على ما يرام. يعود ليلتقي بخط آخر يصفه بـ»جميل جداً». ويرى في اللون الأسود الصناعي تشويهاً لشاهد اعتمد الحرف النافر المتقن. ووصفه بأنه يعود لمتوفي ميسور الحال. انتقال إلى قبر آخر جديد وحديث ومتقن الخطوط. ومعه تتبدل لغة عاصي وتعبير وجهه، فينشرح للإتقان. وبرر افتقاد شواهد الباشورة للخط الكوفي نظراً لكونه مكلفا حفراً ورسماً، «وما من عائلة تتكبد تكاليفه».
نسأله: هل هذا الفن في طريقه إلى لانقراض أم سيعيش؟ يقول: الحرف العربي وجد ليعيش. وهو من أجمل حروف الدنيا. يمتاز بالليونة والمطاوعة والحركة. هو خط حي لا يموت. إنما قاتل الله من يعملون لإماتته.
هل هو الكمبيوتر؟ يجيب: هو خطاط لكنه يحتاج للإحساس. ولا ننكر أن الكمبيوتر هو انجاز عظيم ومهم في التاريخ. لكنه يحتاج للإحساس. أما العدو الأول للخطوط العربية هو الخطاط غير المجيد. وهؤلاء تدعمهم ظروف الحياة. فقر الناس وجهلهم يقودهم إلى الخطاط غير المجيد. لا يمكن قتل الخطاط غير المجيد. هو كما الخضار «البايتي» له زبائنه.
سرد لنا عاصي تجربته في تعليم أقارب له وقال: حصد هؤلاء من الخط العربي الكثير من المال. فالخط العربي «مزراب» من ذهب. من يتقنه فهو يتمتع بيد تنتج ذهباً. من علمتهم أوحوا لي عبر آخرين بأنهم أشد بأساً واحترافاً مني كمعلم لهم. زارني أحدهم فطلبت منه أن يكتب جملة. وقع في خطأ فأشرت له. فنطق بالقول: لم تعلمنا هذا. قلت له شكراً هذا ما كنت أنتظره حتى هذه اللحظة.
وفي سياق الحوار يدخل عرضاً إلى سيرته الذاتية كخطاط. لم يعد يذكر عدد الأجيال التي مرّت ونهلت من معرفته. يقول: لي أربع فتيات، لكن أي منهن لم ترغب بالخط، وهنّ يتمتعن بالخط الحسن فقط. للأسف المسؤولية تقع على عاتق ظروف المدرسة السيئة. مدارسنا تبيد مواهب الطلاب. نحن جيل سهر الليالي ليصل. كنت أتمرن يومياً لساعتين أو ثلاث على الخط. ليس لي أستاذ، اكتسبت الكتابة من الآخرين لهذا تأخرت في الظهور. من يتعلم السباحة من الكتاب ينزل البحر فيغرق. المطلوب هو التدريب.
لمن يعود الفضل في أن يكون علي عاصي بهذه الشهرة في الخط؟ لرجل أمي لا يجيد القراءة ولا الكتابة هو أبي. كما كافة العاملين كان والدي يتقاضى أجره الأسبوعي يوم السبت. طلب منه رب العمل التوقيع على تسلمه أجره فردّ بأنه يجهل. قال له أبصم؟ واستعاض عن الاسم بالبصمة. جاء إلى المنزل وطلب مني تعليمه كتابة اسمه. قمت بالمهمة وأنا منكمش مهابة لأبي. في اليوم التالي شعرت بأني معلم. في اليوم الثالث قال لي: حسّن خطك. شعرت بأني مراقب. وتباعاً رحت اجتهد في تحسين خطي بدءاً من عمر التسع سنوات تاريخ واقعة اسم أبي. وبدأت بدراسة الخط الرقعي الجميل جداً، وهو خط درويش شعبي جميعنا نستعمله. هي مهنة تستدعي الكثير من الصبر والأعصاب الهادئة، لهذا لم يمتهنها أي من أبناء من مرّ عليها وترك أثراً. النساء في لبنان وسوريا لم يمتهن الخط. هناك عدد منهن في مصر إنما غير بارزات. بينما في إيران خطاطات مزخرفات. وهذه الزخرفة تكون ضمن أجواء حيوانية، أو نباتية. أحد لم يقف دون احتراف المرأة للخط، لكنها لم تقبل عليه.