الحدود لن تبقى مغلقة للأبد

حجم الخط
12

عندما توفي الزعيم الوطني، حسين آيت أحمد، منذ أقل من سنتين، طلب في وصيته أن تمر جنازته على حي «بلكور» الشعبي الذي سمي بعد الاستقلال، باسم رفيقه، محمد بلوزداد، ابن الحي. لعل الرجل كان يريد أن يودع مسؤوله الأول على رأس «المنظمة الخاصة» التي باشرت التحضير للعمل المسلح، سنوات قبل اندلاع ثورة التحرير في 1954. فقد عرف عن هذا الحي الشعبي في وسط العاصمة الذي ولد وعاش ودفن فيه محمد بلوزداد، بمساهمة أبنائه المتميزة في حرب التحرير والحركة الوطنية، باختصار بلوزداد حي يعبر عن الجزائر العميقة، بكل قوتها وعنفوانها وطابعها الشعبي.
فريق بلوزداد لكرة القدم، هو الذي دربه حارس مرمى الفريق المغربي ومدربه السابق، زكي بادو، الذي حقق إنجازا رياضيا متميزا في أقل من سنة في الجزائر. فقد سمح للفريق بالحصول على كأس الجمهورية والبقاء ضمن فرق النخبة. هو الفريق الذي كان ولا يزال يعاني من مشاكل عدة مالية وتنظيمية، رغم ماضيه المتميز كرويا. استقبل بادو زكي استقبالا شعبيا رائعا عند مجيئه الى الجزائر لتدريب الفريق. وغادر بالحفاوة نفسها وأكثر، بعد نجاحه كمدرب للفريق، ليس كتقني فقط، بل كعلاقات إنسانية وقبول شعبي. نوعية استقبال تعكس بقوة العلاقات التي تربط الشعبين المغربي والجزائري، رغم كل المنغصات السياسية، لم تفلح الى حد الآن في افساد العلاقة النوعية بين الشعبين. فقد مرت العلاقات بين الشعبين بفترات صعبة، كما حصل عند اندلاع حرب الرمال في أول سنة لاستقلال الجزائر. استقلال ساعد على تحقيقه الشعب المغربي بقوة. لتعرف العلاقات بين الشعبين محنة أخرى في منتصف السبعينيات، جراء أزمة الصحراء، بكل تداعياتها التي وصلت الى مس العلاقات بين الشعبين، بعد إجراءات طرد المهاجرين المغاربة المقيمين في الجزائر منذ أجيال.
إجراء تعسفي أقدم عليه النظام الجزائري في تلك الفترة، ضد مواطنين مغاربة وجزائريين من أصول مغربية، تم ترحيلهم في ظروف غير إنسانية، كما تفعل ذلك عادة الأنظمة السياسية العربية، وهي تنتقم من المواطن البسيط وتقحمه في صراعات سياسية، لا تراعي أواصر العلاقات الإنسانية القوية بين الشعوب. كما هو حاصل هذه الأيام من دول الحصار التي وصلت الى حد الفصل بين الناقة القطرية وبعيرها السعودي.
من جهته النظام المغربي لم يقصر، ضمن هذا السياق، فتحرش بالجزائريين المقيمين والمالكين في المغرب، منذ أجيال، وحول السائح الجزائري الى مطلوب أمني في دقائق، بعد اندلاع ازمة صيف 1994، التي اتهم فيها المخابرات الجزائرية بتفجير مراكش وفرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، وأساء معاملتهم، ما أدى الى غلق الحدود البرية، منذ تلك الفترة، رغم رفع التأشيرة لاحقا بين البلدين.
فإذا كان العامل الزراعي المغربي الفقير، هو الذي دفع ثمن هذه السياسيات الرسمية في الطرف الجزائري، فإن المالك الزراعي والتاجر الجزائري الغني في الغالب هو الذي دفع الثمن في المغرب. اختلاف بين الضحيتين يعود الى خصائص الهجرة. فقد هاجر الغني والمتعلم، من أبناء الغرب تحديدا كأبناء تلمسان وندرومة ومعسكر الى المغرب، اثناء الفترة الاستعمارية، وصل بعضهم الى احتلال مواقع مرموقة داخل القصر الملكي. في حين هاجر فقراء الناظور والريف الى الجزائر للعمل في القطاع الزراعي، قبل وبعد استقلال الجزائر، كيد عاملة، كان لها دور مهم في تطور الإنتاج الزراعي في المنطقة الغربية من الجزائر، لغاية سبعينيات القرن الماضي.
هجرة جزائرية نوعية حاول الاستعمار الفرنسي استعمالها «كوسيط» بينه وبين الشعب المغربي، كما كان حال الهنود في جنوب وشرق افريقيا. لكنه فشل نتيجة التداخل الديموغرافي الذي حصل بين الجزائريين والمغاربية المتميزين بمستوى تجانس كبير، ديني ولغوي وثقافي، أفشل المشروع الاستعماري، رغم الامتيازات التي حاولت الإدارة الفرنسية التلويح بها للجزائريين من افراد هذه النخبة، الذين اكتشفوا انهم «مواطنون فرنسيون»، بعد هجرتهم من بلدهم. فالجزائري لم يكن يسمح له القانون الاستعماري بالحصول على المواطنة الفرنسية وهو في الجزائر. كان عليه ان يهاجر لكي يتحول الى مواطن فرنسي وهو ما اكتشفه في المغرب وديار الهجرة الأخرى.
مدرب شباب بلوزداد بادو زكي أجاب الصحافيين الجزائريين وهم يسألونه عن الوشوشة التي جرت بينه وبين الوزير الأول الجزائري، وهو يسلمه كأس الجمهورية، قلت له انا لست رجل سياسة ولا اعرف إلا كرة القدم، لكن أطلب منك ان تعمل كرجل سياسي، على فتح الحدود المغربية الجزائرية المغلقة، منذ ربع قرن.
المطلوب من البلدين ليس فتح الحدود فقط كما تمنى بادو زكي، فهي لن تبقى مغلقة للأبد، وستفتح في يوم ما، أكيد أتمناه قريبا. المطلوب هو التحلي بالكثير من الخيال والذكاء، من قبل النخب الحاكمة في البلدين، لحل الاشكالات السياسية العالقة، بما فيها قضية الصحراء، التي يجب ان لا يتحول مواطنوها الى ضحايا جدد لهذا الصراع بين بلدان المنطقة، كما عودتنا الأنظمة السياسية العربية، في سياق تاريخي، يمر عبر بناء مغرب كبير تأخر كثيرا، وأعاق مسيرة الشعوب التي كانت أقرب لبعضها بعضا خلال فترة الاستعمار، مقارنة بفترة الاستقلال، فقد فرقت الدولة الوطنية ونخبها السياسية، المنغلقة على نفسها، الشعوب المغاربية بعد الاستقلال. في وقت كان فيه المواطن المغاربي يستطيع السفر عبر القطار، من تونس الى الدار البيضاء، عبر الجزائر، عندما كانت تحكمه الرأسمالية الكولونيالية. يدرس فيها المغربي في جامعة الجزائر ويناضل الطالب التونسي في جمعية مغاربية، رئيسها من الجزائر وامينها العام من المغرب.
الاعتذار للمواطنين من البلدين عن الاضرار التي لحقت بهم تاريخيا، جراء هذه الصراعات السياسية التي أقحموا فيها، قد يكون أحد الملفات العالقة التي يجب فتحها، كبداية في الطريق الصحيح، لبناء الفضاء المغاربي ونحن على أبواب ذكرى غلق الحدود بين المغرب والجزائر في صيف 1994.
كاتب جزائري

الحدود لن تبقى مغلقة للأبد

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية