«القطب» عند المتصوفة، هو «الولي الصالح»، وهو مفرد «أقطاب». ويميز المتصوفة بين أن «يزعق لك قطب» وأن «يزعق عليك قطب»، فالأولى تعني الدعاء لك، والثانية هي للدعاء عليك، كما دعت سيدة الوراق على عبد الفتاح السيسي: «تطلع من ضيق وتدخل في ضيق.. و66 أبريق ما يبلولك ريق!» .
وكأنهم يا مؤمن «زعق عليهم قطب»، فقد صارت الفضيحة ملازمة لكل تصرف من تصرفات الانقلاب العسكري في مصر وأذرعه، حتى صاروا عنواناً للفضيحة التي يتغني بها الركبان، ولا غرو فقد بدا واضحاً أنه رُفع عنهم الستر الإلهي، ومن كان هذا حاله فضحه الله ولو في عقر داره!
في تقرير لقناة «الجزيرة»، جاء صوت عيسى طيبي كهدير قطار غادر حالاً «المحطة»، وهو لا يأتي في قوته للتنبيه، فلا شيء بطبيعة الحال يقف أمامه، ولكنها زمجرة القوة والاحتشاد، فمن يضاهي القطار في قوته؟! عندما يبدو صوت أحمد موسى بجواره، كأنه صوت «توك توك» يتحرك بدون رخصة، أما صوت لميس الحديدي فهو صوت ماعز شاردة، وقد استشعرت وحشة، والشمس في طريقها للانسحاب!
صوت عيسي طيبي، هو من ذات سلالة صوت فوزي بشرى، و«القطب»، محمد الكبير الكتبي، وكان عيسى ينقل وقائع فضيحة القوم في ألمانيا؛ وتتمثل في قيام رجل أعمال مصري، بتكليف أشخاص لاستئجار بعض اللاجئين الفقراء لمظاهرة ضد قطر، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، وإذا بالفضيحة على اللسان، وإذا بالعالم كله يقف على معنى «الدولة الصغيرة»، فقد هبط الانقلاب العسكري بقيمة مصر، بمثل هذه التصرفات الصغيرة، وإذا بقطر التي تعاير بمساحتها الصغيرة وقلة سكانها، لا تنحدر أبداً إلى ممارسات القوم، وعلى الأصعدة كافة، ليس عجزاً وإنما ترفعاً!
رجل الكنيسة
كان تقرير عيسى طيبي، يدور حول تحقيق استقصائي، لقناة ألمانية، نشرته على موقعها الالكتروني، قام بتعرية تصرف منسوب لمنتمين لدولة العسكر في مصر، وذكر التحقيق أن رجل أعمال مصري كلف أشخاصاً بمهمة شراء ذمم فقراء من اللاجئين السوريين، للتظاهر ضد قطر، ووصمها بالإرهاب، فانتهى الأمر إلى الهتاف باسمها، لأن من نظموا المظاهرة، لم يعطوا المتظاهرين كامل حقوقهم المالية المتفق عليها!
عندما نظرت في فيديو المظاهرة، لم أجد بين الحاضرين «رجل أعمال»، ورجال الأعمال المصريون معروفون لنا، لأنهم نجوم وفي شهرة الفنانة «أنوشكا»! فقد تعرفت على اثنين أحدهما رجل الكنيسة الأرثوذكسية نجيب جبرائيل، والثاني رجل الأجهزة الأمنية أحمد الفضالي، وإن كان الأول ليس بعيداً عن هذه الأجهزة وترتيباتها، ولا تناقض بين هذه وتلك، فالكنيسة – كما الأجهزة الأمنية – هي جزء من مكونات الانقلاب العسكري، والبابا تواضروس في هذه المنظومة هو رئيس الحزب المسيحي في مقابل حزب «النور» السلفي!
لا أعرف إن كان التحقيق الاستقصائي، قد ذكر اسم رجل الأعمال هذا، وترفع عيسى طيبي عن ذكر الأسماء، أم أن التجاهل تم من قبل التلفزيون الألماني، فالشاهد أنه لا ذكر لأسماء من تم تكليفهم بمهمة «مقاولي الأنفار المتظاهرين»، وإن كانت مثل هذه التصرفات ليست بعيدة عن رجال أعمال المرحلة الجديدة، وقد تخصصوا في عملية شحن المؤازرين للسيسي، في جولاته الخارجية، والذين يتحولون إلى صيد ثمين، لمن أخذوا على عاتقهم مهمة الاعتداء عليهم، والتعامل معهم كمرسال يحمل رسائل الاهانة للسيسي. وقد طالعنا كيف أن رجل الأعمال صلاح دياب، صاحب جريدة «المصري اليوم»، ومالك محلات «لابوار للحلويات»، هو طرف أصيل في عملية رشوة صحافي «الجزيرة» السابق، للقيام برفع دعوى قضائية يتهم فيها القناة بالتغرير به!
وعلى ذكر هذه الواقعة، فلم يكد يمر أسبوع على انعقاد المؤتمر الصحافي الذي نقلته بكل اهتمام قناة «سكاي نيوز عربية»، لهذا الصحافي ومصور سابق، لفضح «الجزيرة»، كما قالت مذيعة «سكاي نيوز» وهي تطل على المشاهدين بأنفها، حتى نشرت إحدى الصحف الأمريكية واقعة نقل أموال من حساب السفير الإماراتي في واشنطن إلى حساب الصحافي هذا، ولم يكد يمر أسبوع آخر حتى كان النشر عن رسائل متبادلة بين المصور السابق في «الجزيرة»، وضابط بأمن الدولة، مما يؤكد أن المصور كان في مهمة أمنية! مفضوحون «أينما ثقفوا»، فقد «زعق عليهم قطب»، أي دعا عليهم بصوت زاعق!
لا نعرف، إن كان رجل الأعمال الذي قام بتمويل المظاهرة ضد قطر، لديه امتدادات في أبي ظبي، أم أنه فعل هذا «حسبة» للنظام الحاكم في مصر وفقط، فنحن نعلم، والجميع يعلم بما في ذلك الجنين في بطن أمه، أن مصر فيها قنوات تلفزيونية مملوكة لدولة الإمارات العربية المتحدة، وما رجال الأعمال الذين يملكونها على الورق، إلا ستاراً للمالك الأصلي، الذي قرر أن يستثمر أموال الشعب الإماراتي في الانقلاب، ويبدو أنه لن يمكن من هذه المهمة، بعد تصدي الأهالي لعملية إجلائهم من جزيرة الوراق، لصالح شخص بعينه كان على أهبة الاستعداد منذ أربع سنوات لامتلاك الجزيرة، فقام بتكليف شركة هندسية بتصميم مشروع تطوير الوراق، وتتستر الشركة الآن ومقرها في الإمارات على اسم هذا العميل!
موظف صغير
ومهما يكن أمر رجل الأعمال هذا، فإن اللافت هنا أن من تم تكليفهما بمهمة تنظيم المظاهرة، بشراء ذمم الفقراء، حسب التلفزيون الألماني، ليسا من سكان ألمانيا، لكنهما سافرا خصيصاً لهذه المهمة، وإذا كان «جبرائيل» معروفا بعلاقته بالكنيسة، وهو محام، فإن الثاني مجرد موظف إداري صغير في البرلمان المصري، وقد منحته السلطة في عهد مبارك ترخيص بحزب سياسي، دون سابق علاقة له بالعمل السياسي، وكانت الرخصة الحزبية هي قرار أمني في المقام الأول والأخير، ولهذا تم منحت تراخيص الأحزاب السياسية لأناس من خارج السياسة، وفق مخطط أمني لتشويه تجربة التعددية السياسية، وقد ساعد في المهمة رئيس سابق لمجلس الدولة بصفته رئيس محكمة الأحزاب، وقد وعدوه برفع سن الإحالة للمعاش بتعديل قانون السلطة القضائية، ولما وجد أنه تعرض لعملية نصب، ورداً على ذلك، فقد وافق على الترخيص للحزب الناصري، نكاية في أهل الحكم، وفي آخر جلسة له. ويجري استدعاؤه الآن تلفزيونيا للدفاع عن كل خروج للانقلاب العسكري على القانون، مع أن بينه والقبر «مسافة السكة»!
لقد كان القرار الأمني في العشرين سنة الأخيرة من عهد مبارك، هو تشويه كل شيء، وإفساد كل المعاني الكبيرة، فتم منح صاحبنا رئاسة جمعية الشبان المصريين، التي تأسست في سنة 1927، ورأس مجلس إدارتها قمم في الدعوة مثل وزير الأوقاف الأسبق محمد حسن الباقوري، ورئيس جامعة الأزهر سابقاً أحمد عمر هاشم!
وللتدليل على انحيازات الفتى فأحمد الفضالي الذي من المفترض أنه يترأس حزب معارض ضبطته الكاميرا متلبساً بالتورط في موقعة الجمل، عندما قرر نظام مبارك إخلاء ميدان التحرير من الثوار إبان ثورة يناير بالقوة، وقد واجهه بذلك يسري فودة في برنامجه الذي كان يقدمه على إحدى القنوات التلفزيونية المصرية، وقبل أن يغادر إلى قناة «دي دبليو العربية»، وهي قناة ولدت ميتة لأسباب غير معروفة، يبدو لأنها لم تجد من تنافسه فكل القنوات العربية التي تنطلق من بلاد الفرنجة في حالة يرثى لها، فقد رقدت «الحرة» على رجاء القيامة، أما «بي بي سي»، و«فرانس 24» فتنافس في مجال الصورة التلفزيونية، «والحرة» شبيهة بالنعجة دولي التي شاخت سريعاً، وماتت بعد شيخوخة مبكرة!
النائحة المستأجرة
ما علينا، فاللافت في عملية «شراء الذمم» حسب القناة الألمانية، أن القوم ويعبرون عن أربع دول هى دول الحصار، لم يجدوا في ألمانيا من يمكن أن ينحازوا إلى فكرتهم، فكان اللجوء – أولاً- إلى إرسال الشخصين سالفي الذكر، ليتوليا عملية تنظيم المظاهرة بمقابل مئة يورو لكل متظاهر، وكان اللجوء – ثانيا – إلى النائحة المستأجرة، لعدم وجود النائحة الثكلى!
ويلاحظ هنا أن الكنيسة التي تخصصت في مهمة الشحن والتفريغ؛ شحن المسيحيين من الولايات الأمريكية، وتفريغهم حيث يقيم السيسي في زياراته السنوية لواشنطن، لم يجد رجلها «جبرائيل»، من بين المسيحيين المصريين في مدينة «هامبورغ» وضواحيها، حيث انعقدت قمة العشرين، من يتظاهر ضد قطر، فكان اللجوء إلى «شراء ذمم» فقراء من اللاجئين، ولأنهم لم يحصلوا على ما اتفقوا عليه، فكان الهتاف لصالح قطر!
اللافت، أن وكالة أنباء الشرق الأوسط (الوكالة المصرية الرسمية) بثت خبراً مفاده أن مظاهرة وصفتها بـ «الضخمة»، ضد «إرهاب قطر» في قمة العشرين غداً وبعد غد، وذلك يوم الخميس 6 يونيو/حزيران، وجاء في الخبر أن الآلاف من الألمان والجاليات العربية والأجنبية سينظمون هذه المظاهرة، كما جاء في الخبر أيضاً أن وفداً من الدبلوماسية الشعبية المصرية سيشارك فيه. «وقد أعلنت عدة منظمات حقوقية ألمانية وجاليات مختلفة عزمها المشاركة في هذه المظاهرة من أجل دعم مقاطعة وحصار النظام الإرهابي في قطر».
فإذا بالآلاف من الجاليات المختلفة وبمشاركة الدبلوماسية الشعبية المصرية، وآلاف الألمان يتحولون بقدرة قادر إلى عشرات ممن تم تأجيرهم، وإذا بالمظاهرات العارمة التي تقرر أن تكون على يومين تنفض في دقائق، وهي تهتف لصالح قطر وليس ضد النظام الإرهابي في قطر! كأن قطباً هتف بالدعاء عليهم!
صحافي من مصر
سليم عزوز