عرض جديد للاندماج الوطني أم للانفصال؟

حجم الخط
4

صورة نمطية عن المزابي، ترسخت بين الجزائريين، لمدة طويلة. فهو ذلك التاجر المسالم، الباحث عن استقلاله الاقتصادي، مهما كان النمط الاقتصادي السائد وطنيا، الجاد في عمله، المتقشف، المحافظ على أصالته ولغته الأمازيغية، بكل ما تحيل اليه من لباس وخصوصيات اجتماعية أخرى، كان ينظر لها كمصدر ثراء وتنوع للمشهد الاجتماعي والثقافي الجزائري، لحين بروز مظاهر العنف في منطقة غرداية في العقد الأخير.
صورة للمزابي ليست بعيدة عن صورة أخيه الجربي، ابن المذهب الإباضي في تونس، وحتى السوسي في المغرب الذي يشترك معه في الثقافة الأمازيغية نفسها والنجاح الاقتصادي أيضا، ورغم اختلاف المذهب الذي يشترك فيه في المقابل مع النفوسي الأمازيغي الليبي، ابن الجبل، الذي ما زال، مقارنة بإخوانه الأمازيغ الاخرين في الشمال الافريقي، يصارع في جو عنيف وغير مستقر سياسيا، من اجل ترسيم ودسترة لغته وثقافته الأمازيغية وخصوصياته المذهبية في ليبيا الجديدة.
صورة نمطية من أهم ملامحها النأي بالنفس عن الانخراط في الشأن السياسي الرسمي العام، فالمزابي لا ينخرط في الحزب السياسي إلا استثناء، هو الذي يفضل التعبير في الانتخابات، عن طريق القوائم المستقلة كقاعدة عامة، منذ الإعلان عن التعددية في الجزائر، كتعبير عن تلك المسافة التي وضعها بينه وبين مؤسسات الدولة الوطنية، التي يقل انخراطه فيها، ما يجعله يحس بالغبن في أوقات الأزمة، كما حصل في غرداية المدة الأخيرة، بما عرفته الاحداث من عنف، اخذ في بعض جوانبه، طابع الصراع العرقي. هذه الصورة النمطية التقليدية، التي لا يعكسها بكل تأكيد الناشط السياسي والحقوقي، كمال الدين فخار، ابن غرداية، الذي نتكلم عنه هذا الأسبوع، بعد خروجه من السجن. فقد انخرط هذا الشاب في جبهة القوى الاشتراكية التي قاد فيدراليتها في غرداية، قبل ان يلفظه هذا الحزب المعارض، المعروف بدفاعه عن المطلب الأمازيغي في منطقة القبائل في شمال البلاد. كما لفظته بعد ذلك الرابطة الوطنية لحقوق الانسان، التي عبر من خلالها عن اهتمامه بالشأن العام، وهو يدافع عن مطالب أبناء منطقته الثقافية والسياسية، كجزء من مواطنته، كما صرح بذلك بعد خروجه من السجن هذه الأيام، الذي مكث فيه سنتين كاملتين، تعرض خلالهما لكثير من «المضايقات والضغوط»، تكلم عن تفاصيلها محاميه، دفعته للقيام بإضراب عن الطعام، كاد ان يودي به إلى الهلاك، بعد ان دافع عن قناعاته السياسية، كما قال.
تحولات عميقة عاشتها الجزائر، كما عاشها المجتمع المزابي بكل ما يميزه من خصوصيات مذهبية، اجتماعية وثقافية. يمكن ان تفسر ظهور هذا الجيل من الناشطين السياسيين والحقوقيين، الذين يمثلهم الطبيب كمال الدين فخار. جيل دخل في صراع على شرعية التمثيل للمنطقة ومطالبها، مع النمط التقليدي السائد منذ قرون، الذي يمثله شيوخ العزابة. جيل، اعتمد على رؤية جديدة لنفسه ولعلاقته بالآخر السياسي، الممثل في الدولة الوطنية ومؤسساتها. جيل طوع أدوات التمثيل السياسي العصري كالحزب والجمعية والوسائط الاجتماعية، وهو يدافع عن حقه في مواطنة كاملة، غير منقوصة لاعتبارات ثقافية أو مذهبية، جيل يريد ان يكون إباضيا وامازيغيا وجزائريا في الوقت نفسه. جيل لم يعد يقبل بالسكوت، كما فعلت أجيال كبيرة في السن، عما يعتبره حقوقا مهضومة وعداوة من محيط اجتماعي قريب. جيل يحس بعداوة وضغط المحيط ويرد عليها بقوة أكبر من الجيل الأكبر سنا، الذي كان اكثر» انسجاما» مع محيطه، قبل التحولات المتنوعة التي عرفتها الجزائر والمنطقة، وكان على رأسها النمو الديموغرافي ونزعة البدو المحيطين بغرداية، في الاستقرار والاستيطان داخل المدن، كما هو حال كل بدو الجزائر في السنوات الأخيرة، جراء التحولات المناخية والاجتماعية، ما زاد في الصراع الكبير على العقار الشحيح أصلا في هذه المنطقة الصحراوية، التي عمّر جزءا منها بني ميزاب، بشكل متفرد يعكس خصوصياتهم المذهبية والاجتماعية، وهم يبنون القرى السبع التي عمرت الوادي، منذ لجوئهم إلى هذه المنطقة الصحراوية، بعد القضاء على الدولة الرستمية التي أسسوها في شمال الجزائر، كأول دولة اباضية في تاريخ الشمال الإفريقي (776/909 م).
هذا الصراع بين بني ميزاب الإباضيين، الأمازيغ، الحضر، الناجحين اقتصاديا ومحيطهم البدوي الفقير، لا يتوقف كما يمكن تصوره على الصراع المادي، كذلك التهافت على العقار، النادر أصلا، فهو صراع يمتد كذلك إلى الذاكرة والتاريخ والنظرة الى الآخر والعلاقة مع الدولة الوطنية وغيرها من الابعاد المسكوت عنها، التي لا تبرز الى السطح إلا في أوقات الأزمة. صراع يزيده حدة عدم الاختلاط الذي يميز المجموعتين على المستوى الديموغرافي والسكن. فلا زواج مختلط حتى الآن، إلا استثناء نادرا جدا، ما يعيق جديا إمكانية بناء نسيج اجتماعي متجانس حتى على المدى الطويل، كما حصل في منطقة القبائل، المتميزين بمستوى اندماج كبير جدا، داخل النسيج الوطني.ما يعني انه لا بد من البحث عن نمط آخر من الاندماج الوطني، عندما يتعلق الأمر ببني ميزاب، عكس ما هو حاصل في منطقة الشمال. فالحل الأمثل قد يكون في عملية ادماج تحافظ بها المجموعة الاباضية على خصوصياتها المذهبية والاجتماعية والثقافية. فهل هذا ممكن في تصور النخب السياسية اليعقوبية التي تحكم الجزائر؟
طلب اندماج قد يعبر عنه الجيل الجديد الذي يمثله كمال الدين فخار، أكثر من الجيل المزابي التقليدي، فقد علمنا الدرس القبائلي ان الذي يطالب أكثر هو الذي يندمج أكثر. فالمطالبة الاجتماعية حتى لو كانت عن طريق حركات احتجاجية، هي… عرض للاندماج أكثر من كونها طلبا للانفصال، كما تريد أن توحي بذلك القراءة المعادية للمطلب المزابي.
بني ميزاب الذين قدموا عروض اندماج ذكية وعملية عبر تاريخهم الطويل، على أكثر من صعيد، من بينها المسألة اللغوية. فالمزابي حلّ الإشكال اللغوي في الجزائر تاريخيا، من دون ان ينتبه الجزائريون الى ذلك، فهو يتحدث الأمازيغية بشكل عادي بين افراد عائلته وفي محيطه المباشر، ويتعلم العربية ويتعامل بها ولا يعاديها ولا يتحرج في استعمال الفرنسية كتاجر في مدن الشمال. تعامل وحلّ للإشكال اللغوي انجزه المزابي اعتمادا على نظام تعليم مذهبي طوره، بموازاة المدرسة العمومية منذ عقود.
الخلاصة، ان الجيل المزابي الجديد، قد يكون حاملا لعرض اندماج داخل الجسم الاجتماعي الوطني، من شروط إنجازه، إصلاح الدولة الوطنية ودمقرطتها، فلا نخطئ في قراءته، كما اخطأنا في قراءة عروض الجيل الأول للحركة الامازيغية في الشمال.
كاتب جزائري

عرض جديد للاندماج الوطني أم للانفصال؟

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية