حديث «نور العين» في مواجهة معاناة الواقع

حجم الخط
0

في لقطة عبقرية في فيلم «طيور الظلام»- 1995 يكتب المحامي فتحي نوفل  الممثل (عادل أمام) كلمة واحدة للوزير رشدي (جميل راتب) للرد على الانتقادات التي يواجهها في اجتماع مجلس الوزراء، كانت الكلمة التي ألقيت من أجل تغيير دفة الهجوم، وإكساب الوزير بعض النقاط، كما أثارت مخاوف الأعضاء من سكرتير الوزير هي كلمة «الديمقراطية».
في الواقع تتغير الورقة التي يتم القذف بها على المشهد السياسي، حسب اللحظة من الإرهاب و»أهل الشر»، للزيادة السكانية وأخلاق الشعب. أما المشروعات الفاشلة فتتغير أهدافها في مرحلة الاستعداد لانتخابات رئاسية جديدة، من تحقيق إنجازات اقتصادية وتوفير فرص عمل غير مسبوقة إلى «ترس» في هدف دعم «الممانعة»، أو الروح المعنوية، التي تمثل بدورها «ترسا» في إنجاز غياب آخر هو تثبيت الدولة. وما دامت الدولة لم تسقط، أو تصل لوضع شبيه بدول الجوار التي تظهر في أحاديث الرئيس عبد الفتاح السيسي بشكل مباشر أو ضمني، فإن الإنجازات تحققت والمشاريع نجحت، حتى إن كانت المعاناة هي اللغة الحاضرة في حياة المواطن.
واقع يعيد للواجهة مقولة السيسي الشهيرة «أنتو مش عارفين إنكو نور عينينا والا إيه»، التي قالها في احتفالات أكتوبر عام 2013 عندما كان وزيرا للدفاع، وما بين نور العين وواقع الضغوط والمعاناة، تبدو الفجوة كبيرة والإنجازات الحقيقية قد لا تنتصر للسلطة، التي يؤكد لنا بعض المقربين منها على ضرورة اطمئنان الشعب، لأن السيسي مهموم منذ أشهر بمن يحكم وما يمكن أن يحدث بعد سنوات، لدرجة أنه يفكر جديا في الترشح للرئاسة.
صورة أخرى قريبة من أغنية مرحلة الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك الشهيرة «اخترناه»، التي ظلت تردد لسنوات أن الحكم «تكليف مش تشريف» وأنه  «حمل تقيل وهموم جيل جاية وأجيال جاية وراه». وهكذا يتجدد الإعداد لخطاب رئيس الضرورة واختيار القدر، ولكن على عكس مبارك لا يمكن أن تعبر اخترناه عن حكم السيسي بشكل كامل، خاصة وهي تتحدث عن إعادة طابا في مواجهة الحديث عن التنازل عن تيران وصنافير.
يتأسس جزء كبير من شرعية السيسي وخطاب الإنجازات على فكرة المقارنة أو إنجاز الغياب، كما سبق وسميته. ولكن تلك المقارنات التي يصر النظام ومن حوله على إبرازها ذات طبيعة خاصة، وإن كان جزء منها متكرر في مصر خلال عقود ما قبل ثورة 25 يناير، حيث المقارنات بالأسوأ دوما. وهنا يثور السؤال، ما هو الحال إن تم التركيز على مقارنات مع واقع آخر ومكانة أخرى للمواطن؟ وكيف يمكن أن يصمد حديث الإنجازات هنا؟
وللتوضيح نتوقف أمام هذا الخبر الذي أنقله بتصرف: «في 25 يوليو 2017 أعلنت المدينة عن تقديم اقتراح يتعلق بزيادة رفع سعر تذكرة أتوبيس اليوم الواحد – المخصصة للاستخدام خلال اليوم لخدمات الأتوبيس العامة والخاصة- على أن تتم دراسة الاقتراح وإقراره في أغسطس من العام نفسه والبدء في تطبيقه بداية من مارس 2018». الخبر وكما يمكن تصوره لم يحدث خارج الكرة الأرضية ولم يحدث في مصر أيضا، حيث يمكن أن تفاجأ بارتفاع سعر تذكرة الأتوبيس من دون معرفة مسبقة، كما حدث بالفعل صباح يوم الجمعة 4 أغسطس 2017 في القاهرة، بعد إنكار رسمي متكرر للفكرة.
الخبر المشار إليه من اليابان وتحديدا مدينة كيوتو التاريخية والسياحية الشهيرة، أما المقترح المقدم فيتعلق برفع سعر التذكرة من 500 إلى 600 ين ياباني بمعدل زيادة يصل إلى 20%. بهدف زيادة عدد الأتوبيسات العاملة في المدينة استجابة لزيادة عدد السياح وتجنب الضغط على الأتوبيسات وازدحامها.
بالمقابل زادت أسعار تذاكر الأتوبيسات في القاهرة بمقدار 50 قرشا أو نصف جنيه من أصل سعرها وهو جنيه و2 جنيه، بما يعنى أن نسبة الزيادة تتراوح بين25% و50%. أما المبرر ووفقا لتصريحات رئيس هيئة النقل العام في القاهرة اللواء رزق علي، الذي نشر يوم تطبيق الزيادة، فهو تحسين الخدمة وأداء خدمة منتظمة ومسيرة «بأقل تكلفة دعما للبعد الاجتماعي لجمهور الركاب، وذلك بعد التحريك المتكرر لأسعار الوقود». وبهذا على المواطن أن يقتنع أن كل تلك الزيادات – وكما يقال له منذ عقود- تتجه حقا إلى تقديم خدمة أفضل، وهو ما لم يحدث ولم نتحول إلى خدمات أفضل إلا لفترات، بمقابل مالي سرعان ما يتآكل أثره وتتراجع الخدمة المميزة لمستوى أقل من سابقها، ليتجدد الحديث عن تحسين الخدمة بوصفها مبررا لزيادات أخرى، كما حدث في تقديم الأتوبيسات المكيفة للمرة الأولى، قبل أن تتحول إلى أتوبيسات أقل من عادية، لأنها لم تعد مكيفة واستمرت أكثر ارتفاعا في السعر، وأكثر ازدحاما بحكم عدم مناسبة حجمها لعدد الركاب المتزايد على الخطوط التي تخدمها.
في الوقت نفسه فإن الطريقة التي أعلن بها الخبر قبل احتمال تنفيذه بأشهر في حالة كيوتو مقابل مفاجأة الجماهير في القاهرة بواقع ارتفاع الأسعار يوضح رؤية السلطة للمواطن ولأساليب الحكم واتخاذ القرار وإعلانه وتنفيذه.
وكما حدث مع أسعار تذاكر مترو الأنفاق التي تكرر التأكيد على عدم وجود نية لرفعها قبل أن ترفع، فإن رئيس هيئة النقل العام في القاهرة، أكد في مارس 2017 على عدم وجود نية في زيادة الأسعار «أو حتى دراسة لزيادتها في الفترة الحالية». ولكن تم اتخاذ القرار وتطبيقه – بما يتضمنه من تغيير التذاكر المستخدمة بالطبع- صباح يوم إجازة – الجمعة- كما يحدث في العادة بوصفها مفأجاة السلطة للمواطن في إجازته، أو في بداية أسبوع عمله.
وفي الوقت نفسه من المثير للاهتمام كيف يتم تكرار الخبر بوصف ما حدث مجرد «تحريك»، بداية من الحديث عن تحريك أسعار الوقود بشكل متتال، كما قال رئيس الهيئة، وتحريك التذاكر مقابل الحديث عن «الخسائر» التي تواجه الهيئة. لا يتحدث أحد بشكل واضح عن أن هذا التحريك هو زيادة في الأسعار، وأن الحديث عن هذه الزيادات المتتالية يشبه الحديث عن أثر رمي الحجر في البحيرة، حيث دوائر الزيادات المترتبة على كل زيادة في سلعة أو خدمة تصب في دوائر زيادة إنفاق المواطن، وأن الحديث عن خسائر الهيئات لا يشير إلى الأسباب الحقيقية لتلك الخسائر، أو محاسبة الإدارة، ولا يتعامل مع حجم معاناة المواطن الذي يقف في مواجهة كل تلك الزيادات.
كما أن الزيادة التي تتم في أسعار السلع والخدمات ليست بسيطة، والكثير منها يصل إلى 20- 25% دون أن تتوازن معه زيادة في الدخل. أما ما يثير المزيد من التعجب هو وضع كل تلك الزيادات بوصفها في خدمة المواطن والبعد الاجتماعي، سواء تعلق الأمر برفع الدعم أو زيادة أسعار السلع والخدمات بما فيها الأدوية ووسائل النقل وغيرها.
توضح تلك الحالة البسيطة ضمن الصورة الكبيرة للمحروسة ومواطنيها حجم المعاناة التي تغيب عن خطاب «نور العين» وتعيش في الواقع بصفتها جزءا أساسيا من واقع المواطن في المحروسة.
يعيدني الحدث وما يدور حوله من جدل ودهشة لدى المواطنين، خاصة بعد إنكار المسؤولين وجود نية لرفع أسعار التذاكر، إلى ما تردد من غضب سائقي المترو من تصريحات وزير النقل في مارس 2017 التي أشار فيها إلى ارتفاع مرتبات السائقين إلى 11 ألف جنيه، بوصفها جزءا من اسباب الحاجة لرفع أسعار التذاكر، وهي التصريحات التي أدت إلى هجوم بعض المواطنين على السائقين واستنكار المرتبات الضخمة التي يفترض حصولهم عليها، في وقت أنكر السائقين حقيقة ما قيل، وطالبوا بالاعتذار أو زيادة رواتبهم حقا.
صرخة تغيب وسط صرخات لا يتوقف أحد أمام معناها الأعمق، رغم أنها تقوم بكشف أساليب السلطة وكيفية تعليب مبررات السحب من جيب الشعب في كل أزمة، وتراكم الوعود والتصريحات دون محاسبة، وتبرئة الحكم من الكوارث والخسائر وغيرها من السلبيات، مادام الشعب يدفع والحديث دوما عن جنيهات قليلة، بدون محاسبة الصورة الكبيرة لمعاناة البشر في المحروسة والمسؤول عنها وعن تخصيص مواردها في مشاريع تقدس قص الشريط، وترى اسم المسؤول ضرورة وجودية دون مراعاة احتياجات الوطن والمواطن بالضرورة.
يقول محمد الماغوط «نحن جيل رضع الإرهاب السياسي ولم يفطم على أي حليب آخر، لذلك تراني مسكونا بالذعر، وأي شيء يخيفني، حتى لو كان مجرد فاتورة كهرباء». وبهذا الخوف يعيش المواطن ويراد له أن يكون ضحية «فوبيا إسقاط الدولة» وأن يخاف من غياب البديل. بهذا الخوف ترتب السلطة صورة إنجازها الأكبر لانتخابات رئاسية مقبلة، واستمرار «احنا معاه لما شاء الله» على طريقة اخترناه، وبهذا الشكل يحيط سوار الخوف بالتنازل عن الجزر وما بعدها. سوار أثبتت يناير أنه هش رغم متانته الظاهرة، ولكن ما بعدها أثبت أن تحقيق الإصلاحات الأعمق هو التحدي الأكبر.
كاتبة مصرية

حديث «نور العين» في مواجهة معاناة الواقع

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية