بورقيفليقة

حجم الخط
2

ما يحصل هذه الأيام على مستوى هرم السلطة السياسية في الجزائر، من تخبط واضح في اتخاذ القرار، يشبه الى حد كبير ما كان يحصل في تونس، قبل تدخل بن علي وحسم الأمور لصالحه في نوفمبر 1987. تشابه جعلني أنحت هذا العنوان المركب من أسمي الرئيسين التونسي الحبيب بورقيبة والجزائري عبد العزيز بوتفليقة، كعنوان للورقة.
وضع مشابه بين النظامين، سببه الرئيسي في الحالتين، أن رئيس الجمهورية سيطر مع الوقت على صلاحيات دستورية وفعلية على أرض الواقع واسعة جدا، حولته كشخص إلى أول مؤسسة سياسية، في صنع واتخاذ القرار، على حساب كل المؤسسات الأخرى المنتخبة والمعينة، بما فيها البرلمان والحكومة وباقي مؤسسات صنع القرار الأخرى، المنصوص عليها دستوريا.
في الحالتين، تقدم العمر بالرئيس ومرض كأي انسان، بعد ان عمر لعقود على رأس أهم مؤسسة سياسية، رئاسة الجمهورية. داخل نظام سياسي، حارب بشراسة إمكانية ظهور مراكز قرار أخرى مستقلة أو منافسة، كما كانت الحال، مع الحزب الدستوري في تونس، أو الجيش في الجزائر، وفضّل كثقافة سياسية، الفرد على المؤسسة، ليس على مستوى النخب فقط، بل المجتمع كذلك. فراغ مؤسساتي استغلته في الحالتين «قوى سياسية « غير منتخبة، يغلب عليها الطابع العائلي والجهوي، ميزتها الوحيدة، قربها العائلي من الرئيس، استحوذت الكلام باسمه واتخاذ القرار في مكانه. فظهرت سعيدة ساسي في قرطاج، ابنة اخت المجاهد الأكبر، كما ظهر السعيد بوتفليقة في المرادية في الجزائر، لنكون أمام النتائج نفسها تقريبا، اضطراب في أداء النظام السياسي، وزيادة حدة النزواتية والشخصنة في قراراته. كما ظهر الأسبوع الماضي في الجزائر. فقد وبخ الرئيس وعاتب وأعطى تعليمات لوزرائه ولرئيس وزرائه، في السياسة والاقتصاد، عن طريق تعليمة، لم يطلع عليها حتى الآن أي مواطن جزائري أو مسؤول سياسي، باستثناء رئيس تحرير قناة تلفزيونية خاصة واحدة، تكفلت بالترويج والإشهار لها. تعليمة قاطعها التلفزيون الحكومي وكل الوسائط الإعلامية الرسمية الأخرى حتى الآن، رغم أهميتها السياسية، في هذا الصيف الملوث طبيعيا وسياسيا.
تخبط في اتخاذ القرار وصراع قصر، كما كان في تونس، وكما هو حاصل في الجزائر، يحمل كل يوم سقوطا لوجوه سياسية وصعودا لأخرى، لا يمكن فهمه وتفسيره إلا بالعودة الى أصل المشكل. خلافة الرئيس التي تقترب آجالها وهو في وضع صحي حرج، يمكن ان يحمل الكثير من المفاجآت. تجربة تونس تخبرنا أن رجل الأمن، بن علي، هو الذي حسم الصراع لصالحه، بعد أن ساعدته سعيدة والشلل المتصارعة على السلطة، في التمهيد له وهو يقترب من قصر قرطاج، بدون قصد ربما. فقد نجح صراع القصر في تونس، في الإطاحة بالكثير من الوجوه التي كان يمكن ان تكون خليفة لبورقيبة، من داخل الحزب وبيروقراطية الدولة، من الجيل الأول والثاني الذي عاش وعبّر عن التجربة البورقيبية وهي في حالة صعود. بالطبع تم هذا بعد ان أبعدت المؤسسات الدستورية التي كان يمكن ان يحسم الصراع على السلطة والخلافة داخلها. فوجد بورقيبة المريض والكبير في السن نفسه وحيدا، وجها لوجه مع بن علي وجهازه الأمني القوي، فلم يكن من الصعب عليه ان يرسله إلى إقامة للدولة، أنهي أيامه الأخيرة فيها وحيدا.
يشبه الوضع في الجزائر هذه الأيام الحالة التونسية في الكثير من الملامح العامة وحتى في بعض التفاصيل. فهل ستكون النتائج متشابهة؟ فالرئيس بوتفليقة تمكن من الوصول مع الوقت الى سيطرة شبه كلية على صناعة واتخاذ القرار، وهو في وضع صحي حرج. الأهم من ذلك ربما، أنه قام بعملية شخصنة للسلطة في الجزائر، لم تعرفها من قبل، لا في فترة حكم الشاذلي ولا في عهد بومدين، الذي لم يعرف الجزائريين على سبيل المثال، اسمه الحقيقي (محمد بوخروبة)، إلا بعد وفاته، فقد استهلك الرئيس بوتفليقة منذ وصوله الى السلطة مئات الوزراء والعشرات من رؤساء الحكومات والعديد من زعماء الأحزاب ورؤساء البرلمان المقربين منه، خرج الكثير منهم من مواقعهم التي احتلوها، بدون مؤهلات فعلية، إذا استثنينا الرضا المؤقت عنهم من قبل الرئيس، من الباب الضيق. كما كان الحال في تونس، في أيام بورقيبة الأخيرة، فقد كانوا ضحايا صراع على السلطة والخلافة، بدون ان يكونوا طرفا في هذا الصراع بالضرورة.
خلافة بوتفليقة كما كانت خلافة بورقيبة اذن، هي المفتاح الأساسي لفهم هذا الاضطراب الذي استفحل في المدة الأخيرة، داخل أهم مؤسسات اتخاذ القرار في الجزائر، كما بينه الهجوم الذي تعرض له الوزير الأول عبد المجيد تبون، الذي يكون قد ارتكب معصية أقرب للشرك بالله. عندما التقى بشكل «غير رسمي» رئيس الحكومة الفرنسي، في ظروف غير واضحة حتى الآن. مع كل المبالغات التي تمنح للدور الفرنسي، في رسم معالم وجه الخليفة المقبل لبوتفليقة. دور فرنسي يبقى حاضرا، رغم ذلك، يمكن أن يحاول ابتزاز الجميع، في هذه المرحلة الحساسة التي توحي أن باب الخلافة فتح فعلا. في ظرف سياسي واقتصادي غير مواتٍ للأطراف الجزائرية التي تقصد باريس، المهتمة بمسألة الخلافة، على غرار عواصم أخرى. باريس التي تحولت إلى قبلة للمسؤولين الجزائريين في السنوات الأخيرة، يسكنون ويموتون فيها، يتفاوضون فيها حول صفقاتهم من كل نوع ويلتقون فيها بعشيقاتهم. خلافة يتم حسمها، خارج المؤسسات الدستورية، على كثرتها شكليا، بين مجموعات وشلل صغيرة العدد، بدون قواعد لعبة معروفة. بين أبناء ثقافة سياسية ما زالت تنظر للحيلة كقيمة مركزية في التعامل السياسي، ما يزيد من قدرة الأطراف الدولية المهتمة بمسألة الخلافة في الجزائر، على لعب أدوار لم تكن تحلم بها أصلا. رغم هذه الحيلة السياسية، فإنه سيكون من الصعب تمرير مشاريع الخلافة التي تنتظر النظام السياسي، بعد بوتفليقة، خاصة إذا استمر الإصرار على سيناريو التوريث، في غياب توافق سياسي، لا تؤيده الثقافة السياسية السائدة شعبيا. مشاريع التوريث التي يمكن ان تكون عامل قطيعة داخل النظام السياسي الجزائري الذي تعود على دخول مرحلة الاضطراب، بعد كل عقدين تقريبا، من الاستقرار النسبي.
كاتب جزائري

بورقيفليقة

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية