«الساكورا»وشرقنا المختلف

حجم الخط
1

أتذكر دوما وبوضوح عبارات الدهشة التي ظهرت على وجه أستاذة يابانية الجنسية يوما عندما كنا نتحدث عن مصر، وورد في الحديث تعبير أن القاهرة يطلق عليها جوهرة الشرق.
كان رد فعل الأستاذة بالإضافة إلى عبارات الدهشة المرسومة على وجهها تعبير عن تساؤل وعدم فهم حدود المقولة وإن كان المقصود بها الشرق الأوسط أو المنطقة العربية؟ أم الشرق في عمومه؟ لأن اليابان وببساطة شرق أيضا، ولا ترغب في أن تشملها تلك العبارة المطلقة، لما تعنيه من استبعاد المدن اليابانية أو تحويلها إلى جزء من هذا الشرق، الذي تعد القاهرة جوهرته، بدون مشاركة في اتخاذ القرار.
كان رد الأستاذة، وبعيدا عن أي تفسيرات أخرى خارج حدود المعنى المباشر، مرتبطا بتلك اللحظات الكاشفة، والصور التي تظهر وكأنها – رغم كل الوضوح الذي يحيط بها- حدث مفاجئ يخرجنا من قاع البئر للسماء الواسعة.
في السياق نفسه يمكن ان نعيد النظر في الكثير من المقولات والأشياء التي نتعامل معها بوصفها ثابتا لا يتغير بشكل يؤيد فكرة الثبات، ويفترض أن العالم لا يتغير، ولا يعيش بغيرنا، تماماً كما يكرر الإعلام علينا لعقود مقولات أحاديث توجيهات السيد الرئيس، وأهمية الاتفاق في وجهات النظر واهتمام الشخصيات العالمية بأن تفعل كما يرى قادتنا، بوصف ما لدينا زعامات تتجاوز في قدرتها على الحكم حدود دولها، أو كأن الدول الأخرى تفتقد لمثل تلك الرشادة التي ندفع ثمنها لعقود تراجعا في الدور والمكانة ومستوى المعيشة، مهما تحدث الرؤساء لدينا عن أنفسهم بوصفهم الفلاسفة أصحاب المعرفة الوحيدة الحقيقة والوطنية.
نردد أحاديث أهمية الثبات ونتصور أن عالمنا مركز الأحداث، ولكن الواقع يتجاوزنا بمراحل، ويؤكد أن التغيير هو أصل الأشياء. تغير وثبات يتجاوز الأفكار العامة إلى عالم الحكم والسياسة، ولأن التغير لدينا غير مرحب به ويثير المخاوف من المجهول الذي لا نعرفه، كما تؤكد الأمثال الشعبية، يتحول الحاكم إلى ثابت آخر من ثوابت الحياة، وكأنه جزء من قدر الميلاد والموت.
تعيدني الساكورا – أزهار الكرز- دوما إلى فكرة التغيير والثبات، وكيف تعبر بقوة عن جزء من واقع اليابان حتى في عالم السياسة، الذي بوصف عادة بأنه مثل الباب الدوار، حيث ما ان يدخل السياسي حتى يخرج. خروج قد يتبعه عودة أو غياب تام، وعودة قد تكون لمنصب أعلى أو أقل في هيكل السلطة -من رئيس وزراء إلى وزير أو العكس، وقد يتكرر الحال، ولكن يظل أن التغير جزء من الوضع العام، جزء من حالة الانتظار والترقب، إدراك أن الحياة يتبعها موت والموت ضرورة لحياة أخرى، مثل صفحات الكتاب التي تفتح مع بعضها أحيانا، وما أن نقلبها حتى نرى غيرها. مثل القصة التي نعيشها وما أن تنتهى ونبدأ غيرها حتى نتعايش معها بعمق قد لا ننسى القصة الأولى ولكن نضيف إليها أحداث القصص الجديدة، مثل شجرة ساكورا منتظرة من عام إلى عام، وصور يتم التقاطها من لحظة إلى لحظة، من مشاعر إلى أخرى عابرة للذكريات ومحملة بها.
تأتى الساكورا لتدشن بداية فصل الربيع، فترة البدايات، حيث بداية العام الدراسي ومرحلة عمل جديدة وفترة تنقلات من أماكن إلى أخرى بسبب العمل أو الدراسة، المهم أن التغير جزء أساسي من الحالة، والانتظار جزء من الواقع، فالساكورا بهذا المعنى أكثر من زهرة وأجمل من لقطة وأعمق من لحظة. لقطة معبرة يرى فيها البعض إرسال الأبناء إلى المدارس من قبل الأم، مثل طيران أوراق الساكورا من شجرتها، تعبير عميق عن أن الورقة لا تموت في لحظة الانفصال عن الشجرة ولكنها تنتقل من حالة جمال إلى حالة أخرى، ومن دور جمالي وهي في قمة الشجرة لدور جمالي آخر وهي تغادرها في رحلة قد تدوم إلى أيام أخرى قبل أن تذبل وتدخل مرحلة الموت والوداع مثل كل الأشياء في الحياة.
يبدأ موسم الساكورا وتتحول إلى جزء أساسي من الأخبار، فهناك تتبع مستمر لخط ازدهار الساكورا عبر اليابان، وأول زهرة تتفتح لتدشن بداية الظهور في محافظة من المحافظات، وأفضل توقيت للمشاهدة حيث تتجمع الأسر والأصدقاء من اليابان وخارجها من أجل الاستمتاع بحدث مشاهدة الساكورا -الهانامي- وهو حدث آخر يتم الاستعداد له والوصول إلى الحدائق المستهدفة في أوقات متأخرة من اليوم الذي يسبق اليوم المستهدف، أو في الصباح المبكر للحصول على موقع مميز للمشاركين، وما يصاحب ذلك من موسيقى أو طعام وشراب وغيرها من مظاهر الاستمتاع بمشاهدة الساكورا، التي تحولت إلى جزء من الثقافة المرتبطة بالساكورا ذاتها ولحظة لكسر جمود الجدران والاقتراب من الآخر، سواء أكان الآخر في الأسرة أو العمل أو السكن المشترك، أو كما عبر عنه كوباياشي إيسا الشاعر والقسيس البوذي الياباني بقوله إنه «في ظل شجرة الساكورا لا يوجد ما يسمى غرباء» فهي لحظة عابرة عبر الجمال لحواجز قد تكون قائمة في مسار الحياة العادية. تتعدد الصور وتظل اللحظة محملة بأعداد كبيرة من كبار السن وصغار السن، من الرجال والنساء في لحظة اعتراف بجمال يتجاوز الشكل إلى عمق القيمة والروح التي تمثلها الساكورا.
ولكن كل هذا الحضور الطاغي للساكورا في موسم الازدهار، بكل ما يحيط به من عناصر تجارية وتسويقية تحولها إلى جزء من آلة تسويق المنتجات المختلفة من الطعام والشراب إلى الملابس والاكسسوارات، لا تستمر لفترة طويلة. في فترة قصيرة تبدأ في التساقط، الطيران مثل الفراشات التي تتجه للنور وتموت عند اللقاء، أو الطيور الصغيرة المحلقة في لحظة الوداع، وكأنها في طقس انتحار جماعي لتمجيد الجمال. تنتقل أوراق الزهور من الشجر إلى كل ما يحيط بها من أزهار أخرى أو حشائش، كما تنتقل إلى الطرق المحيطة وفقا لتواجد الأشجار لدرجة قد تحولها إلى ما يشبه الغطاء الوردي الذي يعد لعامة الشعب على الطرق ولا يتوقف حضوره على مرور شخصيات مهمة أو معروفة، ولكنه يكون أكثر جمالا وأكثر قدرة على التأثير في النفوس.
قد تساعد تغيرات الأجواء وما يرتبط بها من برودة وسقوط الأمطار إلى تساقط أوراق الساكورا في وقت أقصر. أن يدشن المطر للحظة انتهاء جمال الساكورا هو أمر قد يكون مخالفا لتصور ارتباط المطر بالحياة، ولكنه جزء من المشاهدات التي تؤكد على التغير وليس الثبات، في تفسير الأشياء لأن العنصر الواحد في الطبيعة له تأثيرات مختلفة لا تعرف الثبات، وعلى أهمية قبول هذا التغير والترحيب به والتعايش معه بوصفه جزءا من الحياة نفسها.
تعبر الساكورا عن الجمال في البداية والنهاية، في لحظة الازدهار ولحظة التحليق، عن الميلاد والموت، والحياة وغيابها. تعبر الساكورا عن جمال الحياة من جانب، ولكنها تعبر أيضا عما يمكن أن تكون عليه الحياة من هشاشة، من حضور وغياب قد يكون سريعا وملازما للحضور نفسه.
تموت الساكورا لتعود، يغيب الجمال لكن الغياب لا يدوم، وبين الغياب والحضور انتظار وأمل، انتظار يبدو واضحا ليس في شكل الأشجار والزهور، ولكن في شكل البشر التي تتجمع حول الأشجار كل عام من أجل التقاط الصور. لا يتم التعامل مع الشجرة أو الزهرة وورقتها على أنها ثابت، هي متغيرة من لحظة إلى أخرى، ومن يوم إلى آخر، ومن عام إلى آخر، وهي في النهاية تعبير عن التمسك بالحياة، بالأمل في المقبل، في التعامل مع لحظة الغياب بوصفها ميلادا جديدا حتى إن كان مؤجلا لعام، مع لحظة الوداع بوصفها لقاء مقبلا مع صديق قد يغادر، ولكنه يعود وبالقدر نفسه يكون الجميع في انتظاره بشوق ولهفة، لأنه في غيابه حاضر بالتأكد من حضوره المتجدد من عام إلى آخر.
قد لا تكون الساكورا للبعض بهذا القدر من الجمال الذي يعبر عن قيمتها لليابان، وعمق المعنى الذي تحمله، وقد ينظر البعض إلى الجزء الخارجي من المشهد، وهو أن الوجود القصير مثل الفراق السريع بعد انتظار طويل محمل بصور ومشاعر سلبية ومحزنة، ولكن تلك الرؤية لا تنطلق من رؤية الياباني الذي ينظر للمستقبل ويخطط لسنوات مقبلة ولا ينظر للحظة الغياب بقدر ما ينظر للحظة اللقاء المنتظر، لأن التغيير جزء من الأشياء. التغيير فى المواسم، في درجات الحرارة خلال اليوم، في صور الطبيعة المرتبطة بكل فترة، وما يرتبط بها من أشجار وأزهار وصور جمال في الطبيعة. ولأن التغيير طبيعي في كل الأشياء فهو طبيعي في عالم السياسة، حتى إن كانت دائرة الأحزاب المسيطرة أو الأسر الحاضرة في المشهد معروفة ومحددة، فهناك تغيير ما، والثقة في المناصب وهم يصعب قبوله ما دامت أوراق الساكورا تغادر الشجرة الأم وترحل، ومادامت قطرات المطر تسرّع عملية الغياب، ومادام العام الجديد يحضر معه ربيعا آخر وساكورا أخرى وجمالا بين الالتقاء والوداع. لا انظر إلى الساكورا بوصفها مجرد زهرة، ولكنها معنى فلسفي لثقافة، وتعبير عن جزء مهم نفتقده في التعامل مع الحياة أحيانا سواء ببعدها الانساني- الجمالي أو ببعدها السياسي، حيث التغيير أصل الأشياء وجزء أساسي من تفعيل المحاسبة وتجفيف منابع غياب البديل وتأسيس السلطوية لأن الجمال يمكن أن يتواجد مع التغيير، والقبح يمكن أن يتعايش على الثبات ومعه. ربما نحتاج لبعض من ثقافة التغيير أو قبول التغيير بوصفه جزءا من اللحظة بكل ما فيها من صور جمال قد لا نراها ونحن نتابع القبح الذي يحيط بنا في شرقنا الذي نراه محور العالم ونتجاوز عن التغييرات الجذرية التي تحيط بنا وبالعالم نفسه، والتي تعبر عنها زهرة أو قطرة ندى أو لحظة أمل في ربيع متجدد. حدث بعيد عن الربيع ولا يتوافق مع الأحداث التي نراها في شرقنا بكل ما فيه من قمع وظلم وموت وحروب، ولكنه ربيع آخر غير مادي، ولا يرتبط بتوقيت محدد بقدر ما يرتبط بإشراق وحضور للانسان وقيمته والوطن ومعناه.
كاتبة مصرية

«الساكورا»وشرقنا المختلف

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية