في كل خريف وبداية أكتوبر تحديدا، ينطلق الإعلام الجزائري في الحديث عن ذكرى الخامس من أكتوبر 1988 وكيف أن الجزائر على صفيح ساخن وعلى فوهة بركان.
توقعات لم تتحقق ولا مرة واحدة، منذ ثمانية وعشرين سنة خلت. فالتاريخ علمنا أنه يحب أن لا يكرر نفسه بهذه الطريقة شبه الآلية، كما تحاول أن توهمنا به هذه الكتابات الموسمية، رغم التشابه بين خلفية ديكور الأحداث التي فجّرت أكتوبر 1988 وما هو حاضر من ديكور هذه الأيام. فقد كانت وراء أكتوبر 88 كخلفية، أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة، سببها الرئيسي، كان التدهور الكبير في أسعار البترول، التي لاحت منذ 1986. أزمة اثرت بشكل واضح على الأداء الاقتصادي والمالي للبلاد. فزادت نسب البطالة وتدهورت حياة الجزائريين في المدن التي اكتظوا فيها. هذه الفضاءات التي طفت فيها على السطح أزمة السكن والنقل وندرة المواد الغذائية، كنتيجة منطقية للخيارات الاقتصادية التي قام بها النظام السياسي بعد الاستقلال.
الخلفية التي كانت وراء أحداث أكتوبر 1988 لم تكن اقتصادية واجتماعية فقط، رغم أهمية هذه العوامل. فقد كانت هناك أزمة سياسية حادة مست النظام السياسي وراء ستار المشهد المؤسساتي المتآكل، كان لها التأثير الكبير في اندلاع الأحداث.
فقد كان هناك صراع كبير، بين عدة مراكز قرار سياسي، لم تتوافق على إصلاح النظام من الداخل. فقد تبين لرئاسة الجمهورية وبعض مراكز القرار التابعة لها كالمؤسسة الأمنية، أن «مشاريعها الإصلاحية « فشلت بعد أن جربتها لمدة قصيرة خلال سنتي 1986/1987. فقد جربت الانفتاح الإعلامي، كما حصل مع أسبوعية «الجزائر الأحداث»، كما جربت السماح لجمعيات حقوقية بالعمل بطريقة قانونية، الشيء نفسه الذي حاولت القيام به مع جمعيات لأبناء الشهداء.
كما هو واضح استثمرت هذه السياسة في مشاريع، تملك قدرا كبيرا من الشرعية، كحقوق الإنسان وحرية الإعلام والتاريخ الوطني، من خلال جمعية أبناء الشهداء التي لا يمكن أن تتهم بعداوتها لحزب جبهة التحرير، أو العمل كيد لصالح قوى أجنبية، معادية للجزائر. بسرعة تأكد هذا التيار «الإصلاحي» أن إمكانيات إصلاح النظام السياسي من الداخل، اعتمادا على هذه الفئات الوسطى بالذات التي تملك قابليه للتجنيد، صعب المنال، بل مستحيل لعدة أسباب منها، ضعف حضورها الاجتماعي وانقساميتها الثقافية. فقد تبين أن النظام السياسي كان في حاجة إلى رجة أكبر، من خارجه، لكي يتغير. لم تكن هناك خيارات كثيرة أمام هذا التيار الإصلاحي الذي أراد أن يبعد منافسيه من مراكز السلطة أو يضعفهم على الأقل، بعد أن اتهمهم بالوقوف في مواجهة الإصلاحات التي دعا إليها الرئيس (الشاذلي).
الحل كان حاضرا في الشارع على شكل حركة اجتماعية شعبية، من دون قيادة، أو هكذا على الأقل بدت، يمكن استعمالها بسهولة، للضغط على النظام السياسي من خارجه. لعبة سياسية هي مزيج بين الأمني والسياسي، كان يكفي فيها استعمال الحراك اليومي الذي كانت تعيشه الأحياء الشعبية في المدينة الجزائرية. حراك يتم النظر إليه من أعالي قصر المرادية كحركة دهماء أو «غاشي»، همها الوحيد قضاياها الاقتصادية والاجتماعية التي كانت توصف بالمشروعة، بشرط أن تبقى بعيدا عن السياسة والتسييس.
ما لم يقع في الحسبان وقع فعلا، فقد تسيست الحركة بسرعة (في أيام)، بعد أن ركبها تيار إسلامي سلفي جذري، كان حاضرا بقوة، في أحياء المدن وحواريها، بعيدا عن عيون المؤسسة الأمنية والسياسية، التي لم تولِ أهمية كبيرة له. قصر نظر، بل عمى سياسي، لا يمكن تفسيره الا بالنظرة الاحتقارية التي كانت تنظر بها هذه النخب، المسماة عصرية، إلى النخب الشعبية، ذات التوجه الإسلامي الجذري، التي استطاعت بسرعة أن تركب هذا الحراك الاجتماعي. حراك تسامحت معه في بداية ظهوره، مؤسسات الدولة، بنية استعماله لاحقا كرافعة للتغيير، من خارج مؤسسات الدولة، حتى بعد أن منحته بسرعة هذه الجماعات الدينية السلفية، خطابا سلفيا لم يكن حاضرا في الأصل لدى هذا الحراك الشعبي «الخام». انقلب بسرعة، السحر على الساحر وما كان مطلوبا كرجة من خارج النظام، تحول إلى زلزال عنيف حطم البناء المؤسساتي للنظام السياسي، الذي لم يعد قادرا على إعادة الأمور إلى مجراها، إلا بإقحام الجيش وقتل المئات من الجزائريين، بعد أن «عجزت» المؤسسة الأمنية عن التحكم في مجريات الاحداث، لتدخل الجزائر دوامة عنف لم تخرج منها عمليا لغاية اليوم.
ديكور أكتوبر 1988 يشبه إذن إلى حد كبير، ديكور أكتوبر 2017. فالأزمة الاقتصادية والمالية حاضرة بقوة ولنفس السبب تحديدا (تدهور أسعار البترول والغاز). الوضع الاجتماعي للجزائريين في تدهور، ويمكن أن يسوء بسرعة في حدود ما تبقى من شهور من هذه السنة. في حين ازمة النظام هي هي، فالصراع بين الأجنحة، على أشده وإمكانيات إصلاح النظام من داخل المؤسسات الرسمية شبه منعدمة. شارع فارغ سياسيا، فلا حضور للحزب ولا للجمعية، بعد أكثر من ربع قرن من التعددية التي جاء بها أكتوبر 88. الجديد بالمقارنة مع أكتوبر 88 أن هناك خوف كبير من التغيير ركب الجزائريين افرادا ومؤسسات، بعد تجربة الفشل في اصلاح نظامهم في السابق، بعد أحداث أكتوبر88 تحديدا، التي وعدوا فيها بنظام تعددي واقتصاد حر وحل لأزمتهم الاقتصادية، عن طريق دستور جديد، لم تمنح له فرص التطبيق على أرض الواقع، لغاية تعديله.
خوف يجعل الكل، معارضة وسلطة، أفرادا ومؤسسات، ينأى بنفسه عن المبادرة بالتغيير، أو حتى المشاركة فيه. الجديد كذلك هذه المرة، هو صعوبة إقحام الجيش في التصدي لأي حراك شعبي، يمكن أن يحصل، بعد أن تم توريطه في السابق.
فالجزائر تشبه هذه الأيام طبق طعام استوى على نار، لكن لا أحد من أبناء العائلة الجائعين، يريد أن يبادر بوضعه على الطاولة والانطلاق في الأكل. فالكل جائع لكن الكل خائف من فتح القدر، الذي بدأ يحترق من طول وضعه على النار.
كاتب جزائري
ناصر جابي