بيروت ـ «القدس العربي»: لا وصف لسعادة الممثل والكاتب والمخرج كامل الباشا بنيله جائزة أفضل ممثل عن دور ياسر في فيلم «قضية رقم 23» لزياد الدويري. لعب أول بطولة سينمائية بعد أن أمضى جلّ حياته الفنية في المسرح وكانت النتيجة غير المتوقعة من مهرجان البندقية السينمائي في دورته الـ74.
كامل الباشا الذي لم يعرف حياة اللاجئ الفلسطيني في لبنان وما يتعرض له من سلوك وممارسات عنصرية يماثل مشاعره كمبعد عن قريته في ضواحي القدس، بمشاعر مواطنيه في لبنان. يدعم المقاطعة الاقتصادية للصهاينة، ولا يوافق على المقاطعة الثقافية بصيغة الثمانينيات.
عشية مغادرته لبنان كان مع الباشا حوار بدأ ببطاقة تعريف شخصية وفنية فقال:
ولدت في القدس سنة 1962. تفرغت للمسرح سنة 1987. درست المسرح في بغداد من سنة 1979 إلى سنة 1983. بعدها أمضيت سنوات في السجن. بدأت المسرح كممثل، ولاحقاً اضطرتني الظروف لأكون كاتباً ومن ثم مخرجاً. لحينه أنجزت 18 نصاً للأطفال والبالغين. أخرجت 28 مسرحية ومثلت في 31. لي أعمال محدودة مع التلفزيون الفلسطيني، والقليل من المشاهد في عدد من الأفلام الفلسطينية، وصولاً إلى «قضية رقم 23».
■ تحية لك على الإنتاج الغزير رغم وجود العدو الغاصب. هل في هذا النشاط الفني الدؤوب تأكيد ذات لمواجهة سياسة الإلغاء الصهيونية للفلسطيني؟
■ في جانب كبير، ما قلته صحيح. السؤال مطروح عن دوري كفنان في المقاومة الفلسطينية. في بداية حياتي رغبت بالكفاح المسلح كنضال في سبيل وطني المحتل. فشلت، فعدت لحبي الأول المسرح والتمثيل بشكل خاص. بدأت مع فرقة الحكواتي سنة 1987 ومع أعضائها كانت الحياة مسرحا، ولا مهنة أخرى. أول أعمالي مع الحكواتي كانت مسرحية «الاستثناء والقاعدة» لبريخت. راقبني المخرجون وراح الجميع يتلقفني. ولم أعد أهدأ. كنا حينها في مرحلة الانتفاضة المشحونة حيث معنى العطاء كان مختلفاً عنه حالياً. لم تكن الحسابات موجودة. الجميع مجند للعطاء، وكل ينجز حسب قدراته. كانت مرحلة غنية أضفت إليها كتابة النقد المسرحي لما أشاهده من عروض نشرت في المطبوعات الفلسطينية.
■ أهل المسرح في وطننا العربي يعملون في مهن موازية لأنه «لا يطعم» فكيف حاله في فلسطين الرازحة تحت احتلال رهيب؟
■ أحسد نفسي في أحيان لأن المسرح يؤمن كفايتي المادية. حال ليس سائداً بشكل مماثل مع زملاء لي. التمثيل وحده غير كافٍ، لهذا أدرِّس المسرح في الجامعات المتواجدة في الضفة الغربية، وفي عدد من المدارس والمعاهد. وكانت لي مشاريع عمل مع مؤسسات ثقافية كما القطان والسكاكيني لتدريب المعلمين. وما زلت أعمل في التدريب في أكثر من مكان. وأضيف لكل هذا الكتابة والإخراج والإنتاج بمعنى الشراكة الجماعية. لقد أمدني الله بطاقة كبيرة.
■ لماذا سجنت وكم طال الزمن؟
■ امتد لسنتين بعد عودتي من بغداد. فقد حاولت تشكيل تنظيم جديد. كنت وما زلت على قناعة أن كافة تنظيماتنا بقدر ما سعت لإفادتنا أضرت بنا. وكشاب متحمس سعيت لتأسيس تنظيم جديد، وما زلت غير معجب بأي تنظيم. فقط تعجبني السينما الفلسطينية وكذلك العربية التي تنجز برقي وجمال. معجب بالمسرح العربي الذي يتطور جداً، وبمنظريه كذلك. لست معجباً بالمهرجانات المسرحية التي تقول ان المسرح ليس ترفاً، بينما تتعامل معه بهذا المفهوم. ولا يعجبني النظام السياسي في كل الوطن العربي.
■ كفنان كيف تقرأ في موقع القضية الفلسطينية لدى الأنظمة التي لا تعجبك؟
■ للقضية الفلسطينية الله وحده. يجب أن تعود للناس، فهم أهلها الأصليون من عمال في مختلف المجالات ومعلمون وغيرهم. أن تعود للناس الذين يتابعون الحياة دون سيارات فخمة ومكيفات ومرافقين. في الربيع العربي أمسك الناس ببدايات إدارة حياتهم. لكنّ الربيع وئد. هي مرحلة في رأيي وستعود الناس لتمسك بقضاياها وتنال ما تريده وسينجح الربيع.
■ هل توقعت جائزة مهرجان البندقية؟
■ لم أتوقعها مطلقاً. توقعت جائزة للفيلم نظراً لجودته على كافة المستويات. عندما هاتفني زياد الدويري إلى فلسطين مباركاً بالجائزة، كنت واقفاً ولم أستطع سوى الجلوس لأقول له أني لا أتحمل مزاحاً من هذا العيار. وعندما صدّقت الخبر طلبت سيارة أجرة لتقلني من حيفا إلى القدس لأحضّر نفسي للسفر بعد ان فتحت السفارة خصيصاً لأجل تأشيرة الدخول. حتى لدى إعلان النتائج خلال الحفل الختامي لم أصدق نفسي لأقوم من مقعدي لولا تنبيه من زياد الدويري. ما حصل كما الخيال.
■ لماذا عدم الثقة بالذات؟
■ أنا رجل مسرح ولم أفكر يوماً في السينما. تلقيت هذا النص الجميل للمخرج العالمي زياد دويري، فسلمت نفسي له.
■ هل أنت حصيلة لمخرج أم لديك ما هو كامن؟
■ لا شك أني مثّلت، إنما للمخرج عينه في السينما، وليس الحال كما في المسرح حيث التغيير متاح. في العديد من المطارح كان زياد ينبهني «كامل لسنا في المسرح».
■ كيف اختارك زياد الدويري لدور «ياسر»؟
■ صمم زياد على ممثل من القدس لهذا الدور وأجرى عدة اختبارات لممثلين. عرفني من خلال مخرجين أصدقاء له وطلبني للاختبار وهذا ما تم عبر سكايب. وبمجرد تمثيل الصفحتين اللتين أرسلهما لي قرر أن أكون «ياسر» مشدداً على أن أكون نفسي. وهكذا بدأت البحث في حياة اللاجئين في مخيمات لبنان من خلال الأفلام، وزرتها عندما جئت إلى بيروت لتصوير الفيلم. الصعوبة الأساسية التي واجهتها خلال التصوير تمثلت في الحس المسرحي المقيم في داخلي.
■ قلت أنك تعيش كما الفلسطيني في لبنان على المستوى الإنساني. هل من توضيح؟
■ أنتمي لقرية المالحة في ضواحي القدس والتي احتلها الصهاينة وحولوها إلى مستوطنة. أنا لاجئ في القدس ولا أستطيع زيارة قريتي. الإحساس بالبعد عن موطني الأول أعيشه كما يعيشه والدي وجدي. هذه نقطة مشتركة مع الفلسطيني في لبنان. وفي موطني أعاني من سياسة تمييز عنصري، ويعاني منها اللاجئ في لبنان بشكل أو بآخر نظراً للممنوعات التي تحاصره، وتحت شعار العودة ومنع التوطين. وفي الكيان نحن ممنوعون من أبسط الحقوق بحجة أننا لا نخدم في الجيش. في المرارة ثمة تشابه، وهو يسبب الألم الأكبر في لبنان لأنه من ذوي القربى. ما يميزني عن اللاجئ في لبنان أني على أرضي ولي حق في محاربة عدوي.
■ نال «ياسر» البراءة في نهاية فيلم «القضية رقم 23» لكنه بقي الفلسطيني المخرب لدول العالم وغير الوفي لمن استضافه وتحسر لأن شارون لم يبد المخيمات جميعها. أين السؤال عن شارون ولماذا وجد في فلسطين؟
■ ما ذكرته قالته محامية الدفاع عن «ياسر». وقدمت شخصية «ياسر» وسيرته مع الآخرين صورة مناقضة لما تردد من أوصاف بحق الفلسطيني. تعامل «ياسر» مع الأحداث التي رافقت الهجوم عليه نقيضاً لما يطلق بحقه وحق شعبه. كمشاهد وكفنان أستطيع عزل نفسي عن «ياسر»، وعندها أراه إنساناً نبيلاً، حساساً للغاية، بعيدا عن السياسة، أمينا في عمله ونشيطا. حتى أنه يدافع عن خصوصية خصمه في المحكمة. في رأيي هذا يوازي كل ما قيل بحق الفلسطينيين.
■ وبقي العملاء أبطالا ومؤثرين في الأجيال؟
■ صحيح. وهؤلاء بنوا الوعي السياسي لـ»طوني» وربّوا في داخله كل هذا الحقد. لكننا لا ننكر أن سمير جعجع يتحدث اليوم بخطاب مختلف عن التسعينيات. صحيح لا نعرف نواياه لكننا لا نحاسبه عليها.
■ ما رأيك في التطبيع مع الكيان المحتل لفلسطين؟ وماذا تقول في تصوير المخرج زياد الدويري فيلم «الصدمة» هناك على مدى أشهر؟
■ من ناضل من أجل فلسطين أكثر من أبو عمار؟ وماذا فعل أبو عمار؟ وهو من وقع اتفاق أوسلو. والسبب أنه كان أمام خيارين إما الصعود إلى القمر أو إنجاز أوسلو. فيلم «الصدمة» عن نص ياسمينا خضرا، يروي مفاعيل عملية استشهادية في وسط تل أبيب. تتناول الرواية على وجه الدقة ضياع هوية الفلسطيني المقيم في الأراضي المحتلة سنة 1948. هي حكاية الطبيب الفلسطيني الذي يعتقد نفسه إسرائيليا ويكتشف أن منفذ العملية الاستشهادية هي زوجته. فإذا به يذهب باحثاً عن تاريخه. فهل يخدم هذا الفيلم القضية الفلسطينية أم لا؟
■ ليس لي الحكم على فيلم لم أشاهده. إنما أسألك رأيك في مبدأ التعامل مع مغتصبي فلسطين؟
■ كنت بصدد البحث في تحويل رواية ياسمينا خضرا إلى نص مسرحي عندما علمت أن زياد الدويري أنجزها كفيلم. أفهم رأي المناهضين لزيارة فلسطين المحتلة. نعم فأي دخول إليها تحت الاحتلال هو تطبيع. أصحاب هذا الرأي أحرار، إنما ليس لهم سرقة حقي كفنان في إنجاز فيلم «الصدمة» أن أصور في تل أبيب. وأن يعمل معي ممثلون إسرائيليون، ويقدمون النص الذي كتبته.
■ هل للثقافة أن تنفصل عن السياسة وأين؟ وهل الثقافة فعل بريء وخاصة السينما؟ وهل إسرائيل حمل وديع يرحب بالمخرج زياد الدويري ليصور ما يدينها كمحتل؟
■ إسرائيل ليست بريئة بل هي ذكية. قاطعنا كل ما يتواجد فيه إسرائيل من مهرجانات وتركنا لهم الساحة على مدار 50 سنة. فماذا أنجزنا؟
■ تناهض المقاطعة؟
■ بل أناهض المقاطعة غير الواعية. هناك فرق بين الثقافة وبين الـ»بيزنس» والسياسة. وفرق بين من يعمل لخدمة فلسطين، وبين من يجلس في منزله ويعمل للإضرار بفلسطين.
■ في متابعة حركة المقاطعة الثقافية والتجارية نلحظ ثمارها لصالح فلسطين والصهاينة يصرخون من ضررها؟
■ المقاطعة المدروسة والمنظمة والواعية تؤتي ثماراً كما مقاطعة «بي بي أس». أما المقاطعة غير الواعية فهي التي تعيش في خطاب الثمانينيات.
■ كممثل مسرحي ماذا تقول عن جمهور المسرح في فلسطين المحتلة؟
■ هو جيد قياساً للدول العربية ونظراً لكوننا تحت الاحتلال. مسرحنا يعمل رغم الظروف القاهرة جداً، والناس تقصده في كافة الأوقات. مسرحنا موسمي أكثر منه دوري.
زهرة مرعي