لنفترض أننا في بلد عربي ناشئ، يحظى بثروات طبيعية وبشرية، وتولي حكومته جزءاً من ميزانية الوطن للثقافة والفنون لاقتناعها بضرورة ذلك للنهوض بالشعب. ولنقل إن هذا البلد يتوق إلى استحداث حركة تحترف فنون الأداء في العاصمة وفي سائر المدن بغية إدامة التراث الموسيقي العربي وتطويره والانفتاح على التراث الموسيقي العالمي وعلى فنونه المعاصرة للّحاق بالركب، فما هي الخطى التي يتعين علينا اتخاذها لتحقيق أهداف سامية كهذه؟
يقول كونفوشيوس: «إذا كانت خطتك لسنة، فاغرس الأرز. وإن كانت خطتك لعشر سنين، فازرع الأشجار. أما إذا كانت خطتك لمئة سنة، فاسهر على تعليم الأطفال».
وثمة مقولة لأبّي لَيدَرَر (2002-1918) التي ورثت اسم آن لاندَرز في كتابة أعمدة النصائح في الصحف الأمريكية عن مبتكرته: «إذا كنت تستغلي ثمن التعليم، فما عليك إلا أن تجرب الجهل». وهل يختلف اثنان على أن العالم العربي يئن من تبعات الجهل التي فتكت به وما تزال؟
إذاً فالخطوة الأولى تأسيس مدرسة تعنى بفنون الأداء. ولكن مَن سيختبر مواهب الأطفال ويعلّمهم أسس الموسيقى؟ لنسلّم أن ثمة موسيقيين عربا في البلد مؤهلين لتدريس موسيقاهم. ولكن ماذا عن الموسيقى العالمية؟ لا بد من استقدام أساتذة أجانب لزرع الشتلات الأُولى. ومن الأهمية بمكان هنا ألا يتم إطلاق العنان لرغبات الملتحقين في اختيار آلاتهم، فينتهي الأمر بنا وقد تخرج في المدرسة، مثلاً، مئات من عازفي البيانو وعدد يسير من عازفي الآلات الأخرى، لا يمكن تشكيل فرقة منهم من أي نوع كان! على العكس، يجب أن يتم توزيع التلاميذ على آلات الاوركسترا كي تنتج عند الحصاد فرقة أوركسترا متكاملة على الشاكلة التالية وبهذه الأعداد في الأقل: ستة عشر عازفي كمان أول، وأربعة عشر عازفي كمان ثان، واثنا عشر عازفي فيولا، وعشرة عازفي جلو، وثمانية عازفي كونتراباص، ثم أربعة عازفين لكل من الفلوت والأوبو والكلارنيت والباسّون، ثم ثمانية عازفي هورن، وثمانية عازفي ترامبيت، وستة عازفي ترومبون وعازفا توبا، وأربعة عازفي هارب (أو القيثارة) وعازفا تيمباني وستة عازفي آلات إيقاع متنوعة، بمن فيهم عازفا بيانو قادرين على الانتقال للعزف على آلتي التشيليستا والهاربسيكورد. وثمة حاجة بين الآونة والأخرى لعازفي أورغ، لا الكهربائي، بل أورغ الأنابيب المطلوب، مثلاً، في السمفونية الثالثة، الملقّبة بسمفونية الأورغ، للمؤلف سان سانس (1921-1835).
وتعزف هذه الفرقة الأعمال الرومانسية المتأخرة والانطباعية وموسيقى القرن العشرين والموسيقى المعاصرة بينما يصار إلى تقسيم هذه القوى إلى نصفين متساويين بواقع ستة وخمسين عازفاً لكل نصف، تعزف واحدة أعمالا رومانسية مبكرة وكلاسية وموسيقى الباروك، بينما تكون الثانية بمثابة الفرقة الاحتياط أو الفرقة الجوالة إلى سائر مدن الوطن وإلى الخارج أو الفرقة التي ترافق أعمال الأوبرا وسائر الأعمال المسرحية التي لا تتطلب الأوركسترا بنصفيها.
والخطوة الثانية هي أن يتم تشكيل فرقة أوركسترا من هؤلاء الأساتذة، تقدم برامج موسيقية عالمية بانتظام وتعطي تلاميذ هؤلاء الأساتذة أمثلة تحتذى في العزف الجماعي، إذ إن الخطة تقضي أن يتبع كل تلميذ أستاذه على آلته مستقبلاً. وتعود هذه الحفلات بالمتعة والفائدة على المجتمع ككل في هذه الأثناء.
والخطوة الثالثة تشكيل جوقة غناء من تلاميذ هذه المدرسة حالما تكون أصول الموسيقى، من قراءة وكتابة وإملاء موسيقي وغناء، قد ترسخت في أذهانهم، وتوسيع هذه الجوقة لتشمل كل فوج جديد من التلاميذ، ثم إنشاء جوقة ثانية إلى جانبها حين يزيد العدد عن الستين، مثلاً، بواقع خمسة عشر مغنياً لكل من السوبرانو والآلتو والتينور والباسّو. ويتم استقطاب المغنين ذوي الأصوات المناسبة من هذه الجوقة للأوبرا وصقل موهبتهم استعداداً للغناء المنفرد في الأوبرات والأغاني الفنية والأوراتوريو وما إلى ذلك.
لكن فنون الأداء لا تقتصر على الموسيقى، فثمة التمثيل بما فيه الإيماء ورقص الباليه الكلاسي وغيره، لذا تتمثل الخطوة الرابعة بتوسيع المدرسة لتشمل أقساماً تعنى بهذه الفنون بخاصة دون أن ينقطع تلاميذها عن تعلم أصول الموسيقى، فالإيقاع نبض فنون الأداء المشترك، والنغم دمها.
ولنقل إن كل هؤلاء التلاميذ درسوا وتمرّنوا وأتقنوا آلاتهم، أو صقلوا غناءهم، على مدى سنّي تعليمهم الابتدائي والثانوي، ثم اختصوا في عزف آلاتهم على المستوى الجامعي، سواء في أكاديمية يتم إنشاؤها لهذا الغرض في العاصمة أو في الخارج، ثم عادوا إلى أرض الوطن، واستلموا من أساتذتهم مواقعهم في مدرسة فنون الأداء في العاصمة وفرقة أوركسترا العاصمة بعد ست عشرة سنة أو أكثر بقليل، وفي متناول أياديهم بفضل تشكيلتهم المذكورة أعلاه جل الذخيرة الموسيقية من الأعمال السمفونية والأوبرات، أي بمثابة خطوة خامسة. بينما تتمثل الخطوة السادسة بإرسال هؤلاء الأساتذة الأجانب، أو استقدام أمثالهم، إلى سائر المدن تباعاً لتأسيس مدارس موسيقى فيها على غرار مدرسة فنون الأداء في العاصمة. فماذا يمكننا أن نتوقع من دار الأوبرا التي يفترض أن تكون قد شُيدت في هذه الأثناء؟
تتطلب دور الأوبرا على المستوى العالمي أعداداً كبيرة من المختصين في مجالات شتى. فإلى جانب فرقة الأوركسترا التي تعزف في بئر المسرح، إن جاز التعبير، (الكائن بين الجمهور وحافة المسرح، وهو أوطأ من مستوى نظر الجمهور صوب المسرح)، وجوقة الغناء التي قد تغني من خلف الكواليس أو على خشبة المسرح، ثمة حاجة لفرقة من راقصي الباليه، إذ لطالما كانت دور الأوبرا، وما تزال، مقراً لمؤسسات الباليه كذلك، من مدارس وصالات تدريب وفرق. وأبرز مثال على ذلك دار أوبرا باريس التي استوردت فن الباليه من إيطاليا، حيث كان قد نشأ في عصر التنوير في القرن الخامس عشر، وطورته وأرست له قواعده قبل أن تستورده منها بدورها روسيا في أواسط القرن الثامن عشر على مسرح مارينسكي في سان بطرسبورغ ولاحقاً على مسرح البولشوي في موسكو، ثم باقي دول أوروبا فدول أمريكا الشمالية وسائر دول العالم.
وتتناوب دور الأوبرا في العالم في تقديم الأوبرات والباليهات وغيرها من الأعمال الفنية على مدار الموسم (من الشهر التاسع حتى السادس من العام التالي عادة) خدمة للجمهور ورغبة في إعطائه خيارات متعددة لتذوق أعمال فنية شتى، ما يسمح أيضاً للعاملين في كل من الصنفين أن يتناوبوا في أخذ قسط من الراحة قبل الاستعداد للأداء من جديد. فالهدف أن يكون ثمة أداء، إما أوبرا أو باليه، كل أمسية، لا أن تغلق دار الأوبرا، أو مركز فنون الأداء، وهي التسمية الأحدث والتي تبنّتها مدن عدة، أبوابها حين يضطر العاملون في هذا الصنف أو ذاك إلى التعطيل درءاً للانهيار البدني!
كما جرت عادة دار أوبرا باريس بخاصة على امتداد القرن التاسع عشر على تكليف المؤلفين بإدراج فاصل باليه، حتى وإن لم يمتّ لأحداث الأوبرا بصلة، قبيل نهاية الفصل الأول أو الثالث أو كلتيهما (من أصل خمسة فصول) للأوبرا، كما في أوبرات «كِيَّوم تَل» لروسّيني أو «تانهَويزَر» (نسخة باريس) لفاكنر أو «دون كارلوس» لفيردي. وهناك أعمال رائعة للغاية من لون الملهاة – الباليه مثل «السيد البرجوازي» لموليير بالاشتراك مع المؤلف لُوللي و»أميرة نافارّه» لفولتير بالاشتراك مع المؤلف رامو، ثم هناك أعمال الباليه الكلاسيّ الصرف، مثل «جيزيل» لآدولف آدم و»كوبَليا» و»سِلفِيا» لدَلِيب و»بحيرة التمّ» و»الحسناء النائمة» و»كسّارة البندق» لجايكوفسكي. وهناك أيضاً مسرحيات غير مغناة ولكن تتخللها فواصل موسيقية للأوركسترا وجوقة الغناء والمغنين المنفردين، إحدى أروعها «بَير كُنت» لإبسِن بالاشتراك مع المؤلف جرِيج.
وثمة حاجة إلى المختصين في الإدارة والإنتاج والإخراج وقيادة الأوركسترا وجوقة الغناء والإضاءة والمكياج وتصميم الأزياء وخياطتها والتصميم المسرحي وبنائه وتدريب المغنين المنفردين على أدوارهم وغيرهم الشيء الكثير. وهكذا نرى ضخامة الاستثمار في الموارد البشرية في مجال فنون الأداء، فعدد العاملين خلف الكواليس يفوق عدد المؤدين بأضعاف.
وقد يسأل سائل: ولِمَ كل هذا الجهد؟ دعونا نكتفي بمختارات من أشهر الأعمال، ولنهمل الباقي! فلنتخيل لوهلة أن أسلافنا، حين وقعت بين أيديهم مخطوطات نصوص لسقراط وأفلاطون وأرسطو، قد قالوا الشيء ذاته: دعونا نكتفي بمقتطفات من هذه الأعمال، ولنرمِ الباقي أرضاً! (ولندع جانباً أنهم لو قاموا بذلك فعلاً، لفقدت الإنسانية هذه المصادر إلى الأبد).
لقد ضمّن بعض عباقرة هذا العالم منذ أيام انهيدوانّا وكاتب ملحمة كلكامش وحتى يومنا هذا خلاصة تجاربهم في الحياة وروح عصورهم في طيّات أعمالهم الفنية. وإنشاء جيل مثقف واعٍ قادر على الإسهام في الحضارة الإنسانية يتأتى من اطلاعه والمامه بما جاد به هؤلاء الافذاذ. فالمعرفة، بما فيها إدراك مغازي أعمال فنون الأداء، لا تنشأ عن تصفح كتاب هنا أو مجلة هناك، بل بشحذ الأذهان نقدياً عند التعمق في كل مصدر متوفر، من كتب ودوريات وأساتذة وخبراء وتسجيلات وأفلام وهلمّ جرّا، كي يتلمّس المتعلم الترابطات بين هذه الفكرة وتلك، وبين هذا العمل وذاك، وصولاً إلى اللحظة التي يتفتق فيها عن ذهن أحد هؤلاء المتعلمين القصيدة أو الرواية أو المسرحية أو السمفونية أو الأوبرا أو الرقصة الأصيلة، أو الابتكار الذي يتغلب على المرض العضال، أو الاختراع الذي يقي الكوكب ومَن عليه من الاحتباس الحراري، أو الاكتشاف غير المسبوق.
وثمة مقولة نُسبت لبيكاسّو: «تعلّم القواعد كما يفعل المحترفون كي تخلّ بها كما يفعل الفنانون!». وإذا طبّقنا هذه المقولة على ما تقدّم، فالأحرى بنا أن نقول: «تزوّد بالمعرفة ثم استزد منها ما حييت، تضف عليها شيئاً لم يخطر يوماً لأحد على بال!».