زيد حمدان: أغنية «محيط» طموح لحياة أفضل والفن أحد الأدوية الضرورية لمجتمعاتنا

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: زهرة مرعي: إلى الـ«محيط» حيث الحلم بحياة أفضل أبحر فنان الاندرغراوند الأول في لبنان زيد حمدان. كعادته نهل من حياة الناس لتكون له أغنية «محيط» ومعها ثلاث أخرى جديدة، طرحها جميعها في حفل كبير أقيم عشية الجمعة في 20 تشرين الأول/اكتوبر الجاري في «فضاء بيروت».
فيديو كليب أغينة «محيط» أنجزه المخرج زين الشيخ، صورته أقنعت حمدان المتطلب جداً. فهم المخرج أن كلمات وأفكار حمدان تجافي الـ»سلوموشين» وهكذا كان. تنقلت الكاميرا بين شوارع بيروت، رصدت طفلين مشردين يتسولان خاصة خلال الليل. لكن الطفلة غادرت مع ذويها على متن قارب مرتدية سترة النجاة.
زيد حمدان لصيق الواقع، الحياة، وموسيقى جذوره والإبتكار. أحلامه الفنية كبيرة ومحبو فنه يزدادون. معه كان هذا الحوار:
■ عبرت إلى المحيط فيما البحر المتوسط تحول إلى مقبرة كبيرة دون شواهد. لماذا رحت بعيداً؟
■ هل حقاً رحت بعيداً؟ اعتقد أن قرار الفرار من الحرب أو العوز، سيشعر الراحلين دون شك أن البحر المتوسط صار محيطاً نظراً لمشاق الرحلة. فبيننا وبين أحلامنا محيط من الحواجز. في الفيديو كليبس التي قدمتها لأغنياتي منذ بدأت الموسيقى للمحيط حضور دائم. جربت الحياة بعيداً عن البحر ولم أتمكن. لم أجد الراحة مطلقاً في باريس لأنها حالت بين عيني والمحيط، فهو ضرورة لاستمراريتي. مرحلتنا الحاضرة مزدحمة بالهاربين من الحروب والعنصرية في أوطانهم بحثاً عن الأمان على الضفة الأخرى. أغنية «محيط» تقول أن الحواجز أمامنا كبيرة ويجب أن لا نخاف من تجاوزها. في هذه الأغنية ينادي الشاب الفتاة كي يقطعا المحيط. يدعوها للتعب والعذاب حيث لا خيار آخر. فحيث سنكون سوف نحقق ذاتنا. وتقول الأغنية أن المدينة تمحو ناسها من شدة ضغطها عليهم، لذلك يغادروها إلى حيث يحبون. في رأيي المحيط والفضاء يرجعان الإنسان إلى ذاته.
■ كم غذّى الواقع الذي نعيشه منذ سنوات أفكارك فكتبت ولحنت وغنيت؟
■ سنة 1986 هربت عائلتي من حروب لبنان عبر البحر من شواطئ الكسليك. ركضنا نحو الباخرة والقصف ينهمر على المنطقة من الجبل. مشهد وأصوات لا تفارقني. كنت في العاشرة أمامنا الفضاء، ومن الخلف تلاحقنا القذائف. هذا الواقع بات سيرة في العالم. وعندما شعرت أوروبا أنها مستهدفة من اللاجئين تحدث الإعلام عنهم بشكل غير مسبوق. لو لم يقصدون أوروبا لما عرفهم العالم. هذه القضية مقيمة في داخلي، قررت اليوم التعبير عنها لأني وجدت كلامها وإيقاعها، وشعرت أنها ستمس الجميع. فالموسيقى التي أكتبها تشبه الباخرة أو لنقل القارب، ويمكنها قطع المحيط. اليوم أجد نفسي أكثر قدرة في التعبير عن مشاعري عبر الموسيقى. طموحي أن أمسك الكلمة بمتانة أكبر. فما يجول في خاطري لم يتحقق كلاماً مكتوباً بعد. اشعر أن الناس تصغي للإيقاع الذي أتوصل إليه مع كل أغنية، وردود الفعل تشجعني.
■ كم ينعكس الواقع على التعبير الفني لديك؟
■ منذ صرت أباً بت أكثر تفاعلاً وتأثراً بما يدور في محيطي الصغير والكبير. لم تكن سفن اللاجئين في السابق تثير في كل هذه المشاعر التي تخالجني لرؤيتي طفلا على سفينة بيد والدته. تلك المشاهد باتت تعذبني، تمنعني من الغناء ومن كتابة الموسيقى لأني أسأل عن جدواها في ظل هذا الموت الذي يحيط بنا ولا يلقى اهتماماً. هذا الواقع يحول بيني وبين الموسيقى والتسلية على أنواعها لفترات طويلة. قبل الحرب في سوريا كنت على تواصل مع مجموعة من الفنانين، تبادل الزيارات والحفلات الموسيقية. فنحن متقاربون في الثقافة والجغرافيا. الموسيقى الجديدة التي قدمتها تحمل موضوعاً إنسانياً لذلك أتقبل تقديمها للناس ليشاركوني الرقص والغناء.
■ هذا يعني أنك غبت وتعود الآن مع موضوع يرضيك؟
■ أنا موجود فنياً لكني أنتج غيري باستمرار. نعم ما يحمل اسمي غائب إلى حد ما. أعاني مشكلة ثقة في صوتي، وفي طريقة حضوري على المسرح. سنة 2015 صدر لي «سي دي» بعنوان «بلاكي». في 2017 شعرت أن الوقت حان لتقديم مجموعة الأغنيات التي بحوزتي. وقررت عدم تصوير الفيديو كليب بنفسي، بل استعنت بالإنترنيت طالباً تزويدي بالأفكار التي تقنعني كي أقرر اسم المخرج. 17 مخرجاً تقدموا بأفكارهم، وجدت زين الشيخ الأكثر تعبيراً عني بعد معاينة عمله في فيديو كليب «مليون» مع فريق جدل.
■ لنتحدث عن مجموعة أغنياتك الجديدة؟
■ الأغنيات متوافرة على مواقع موسيقية منها أمازون. إحدى الأغنيات الأربع عنوانها «تروك هالسلاح وارتاح». فمن المستغرب أن السلاح يلاحقنا حيث نكون، خاصة في صالات السينما، شاشات التلفزيون والشارع. تحمل الأغنية رسالة تدعو للعمل بدل الحلم بالسلاح.
■ أليست الدعوة طوباية بوجود دول تمتهن إشعال الحروب؟
■ لا شك أن الدول التي ترغب في بيع السلاح هي التي تساهم في إشعال الحروب. الأغنية من نوع «افروفانك» تلك الموسيقى التي اشتهرت على يد فلاكوتي. اخترت الإيقاع وكتبت نصاً عربياً مناسباً له. وكتبت أغنية بالتعاون مع محمد عبدالله عضو فرقة «مربع» الأردنية وعنوانها «قولولي ليه»؟ ومن كلماتها: قولولي ليه ما بيحقللي شوية محبة.. حبة حبة ليه؟ فمحمد عبدالله فلسطيني يعيش في الأردن سأل عن وطن يمكن أن يحميه، وعن بيته في أرضه. وأستغرب عدم مبالاة العالم حياله. والأغنية الرابعة عنوانها «ماكدس وآبل» وهما اسما زوجتي وابني، وتتحدث عن المستجدات التي تطرأ على حياة الثنائي بوجود العائلة، وكيف يضطرهما واقعهما الجديد للإبتعاد عن أصدقائهما. هي أغنية شخصية لكنها تعبر عن كل ثنائي يؤسس عائلة.
■ بالعودة إلى الموسيقى فإن أغنية «محيط» تحمل نغماً خلاباً أنتجه المزج بين الشرقي واللإلكتروني الغربي. فكيف ألفتها؟
■ بدأت بجملة على الغيتار «يعزفها مباشرة على مسمعي» وهي التي أغنت لحن الأغنية، الحماسي والسريع، والذي أشعر معه بالنور.
■ كيف تتمازج لديك الموسيقى الشرقية والغربية؟
■ الموسيقى العربية القديمة والتراثية هي التي أسمعها إلى جانب الموسيقى الجديدة التي تشق طريقها حالياً. تأثرت جداً بمي وليد التي تملك أسلوب كتابة بسيط وجميل. كذلك تترك كلمات وموسيقى فرقة «المربع» أثرها في نفسي. كما تأثرت بعدد من أغنيات مشروع ليلى. أساس المشروع الموسيقي الذي نحمله جميعنا ليس واضحاً تماماً. ومساحة الموسيقى البديلة لا تزال صغيرة جداً. بل يمكن القول أنها طفلة. نفتح التلفزيون أو الراديو ولا نسمعها ولا نرى من يلعبها. لهذا علينا بذل الجهود والعمل دفاعاً عنها بمواجهة البوب العربي الاصطناعي، الذي يجتر موضوعاته بين أغنية وأخرى. هذا البوب الذي يظهر المرأة بغير صورتها الحقيقية الفاعلة. الموسيقى التي أقدمها لها دور وعليها مسؤولية، كما أنها تمنح الأمل للأجيال الجديدة بحيث تكون فخورة بالموسيقى الجديدة التي تتضمن أفكاراً إنسانية واجتماعية.
■ تحكي عن الموسيقى البديلة لكن لا موسيقى دون جذور؟
■ دون شك، لبنان هو المكان الذي تغذت منه ذاكرتي الموسيقية. تعرضت تلك الموسيقى للكثير من الاهتزاز نتيجة الحرب لكننا نعمل لتثبيتها من جديد. فاللغة العربية «المكسرة» التي أنطق بها تمثلني وتحكي قصتي أنا وآخرين كثر أمثالي. أتقبل ما أنا عليه وأني نتيجة مزيج بين قصص أفكار غير واضحة، وأني لست أمسك بناصية لغتي الأم. سابقاً كان هذا يخجلني، حالياً أتقبله وأضعه نصب عيني وأعمل لتجاوز العقبات.
■ الموسيقى أكثر فرحاً من الفيديو كليب الذي تضمن الإبحار مع السترات الواقية؟
■ هي الحياة. المهم أن بطلي الفيديو كليب أحياء. والأهم أنهما طفلان قادران على صناعة اللهو في حياتهما.
■ كم جسّد زين الشيخ من الأفكار التي راودتك؟
■ صراحة نسبة 90 في المئة. بعد مشاهدتي لعمله مع «جدل» تأكدت من قدرته على إدارة الأطفال في بدايات الوعي، وخاصة العاملين منهم. فقد صور في وادي رام في الأردن طفلاً يجر الخيول بشكل رائع. هو خبير في تصوير الروح الجميلة لدى الممثلين الصغار. جلساتنا معاً تكررت كثيراً قبل بدء التنفيذ. أردته أن يعطيني فيديو كليب فيه حقيقة. نقطة الخلاف بيننا أنه لم يظهر القسوة عندما تعارك أطفال الشوارع فيما بينهم، في حين كنت أرى الدماء تسيل منهم بعد كل معركة في منطقة مار مخايل. عدت وأقتنعت معه أن الذهاب أبعد مما حضر في الفيديو كليب ليس لصالح الأغنية. اقتنعت رغم كوني أرغب في فيديو كليب يزعج المشاهد كي لا ينساه.
■ لا أظن أن المتلقي سيرتاح مع أطفال في قارب صغير يبحرون بسترات النجاة؟
■ صحيح ما تقولينه، وخبرة زين الشيخ ظهرت في الفيديو كليب، وقد يتكرر التعاون بيننا لأن النتيجة أفرحتني.
■ «ما إلنا غير خيار نتعب ونركض ليل نهار». لماذا هذا الكلام في أغنية؟
■ ما من أمر نحققه بسهولة. السهولة لا تعلمنا دروساً في رأيي. نتعلم فقط من الكفاح والتعب.
■ منح الفيديو كليب الأطفال مساحات فرح ولهو متعددة ولم يظهر فقط بؤسهم؟
■ نعم، هم أطفال وفرحهم قريب جداً. عندما تجد الطفلة التاج في مكب النفايات وتضعه على رأسها تشعر نفسها ملكة. وكذلك تطير فرحاً مع رفيقها وهما يمزقان المحارم الورقية ويلهوان بها. السؤال لماذا نقدمهم في حالة تعيسة؟
■ إلى جانب الحفل الذي أحييته كيف ستروج للفيديو كليب؟
■ أسعى لتأمين المال لعرضه على «أغاني أغاني» والذي يكلف في حدود ستة آلاف دولار كي يمر مدة شهر فقط. عرض الكليب يؤدي لمزيد من الحضور في الحفلات التي أنظمها وكذلك للمزيد من الشهرة. وكل فنان يحتاج للشهرة.
■ دائماً تذكر عدم ثقتك في ذاتك كفنان. فمتى يمكن أن تتخطى هذه العقبة؟
■ عندما أكون على المسرح مع فرقتي أشعر بالسعادة، وأني في مكاني الصحيح. دائماً أتمنى لو لم أكن شخصاً مرئياً يمكن لمسه. أمنيتي أن أكون فناً ولا شيء غيره. فالفن أكبر بكثير من الإنسان. أشعر بقوة تأثير الفن في مجتمعاتنا، فهو أحد الأدوية الضرورية. وعلى الدوام أرى في كل شخص فنان أنه أقل من الفن الذي يقدمه.

زيد حمدان: أغنية «محيط» طموح لحياة أفضل والفن أحد الأدوية الضرورية لمجتمعاتنا
فنان «الأندرغراوند» اللبناني في أربع أغنيات من واقع الحياة لصغار وكبار معذبين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية