الميكروفون ورسائل السلطة في مصر بين باريس وشرم الشيخ

حجم الخط
0

«إن مسؤولا بدون ميكروفون لا يكون مهما، ومن اللحظة التي يقف فيها خلف الميكروفون يحصل على الأهمية اللازمة» هذا ما يقوله فرانك – مصور المناسبات الخاصة ومصور جنازة الرئيس- لنفسه في رواية «ما لذة السلطة» للكاتب والصحافي التشيكي لاديسلاف مناتشكو. 
عبارة تختصر سلوك من يجلس على كرسي السلطة ويصر على عقد لقاءات والقيام بأنشطة من أجل التواجد والظهور، وعندما يتحقق التواجد في الداخل يصبح من الضروري البحث عن مناسبات للقاءات وأنشطة في الخارج، من أجل تدشين مكانة الزعيم العالمي، وعندما لا تتوفر المساحة التي يراها المسؤول كافية للصورة التي يسعى إلى تدشينها يعمل على عولمة النشاط المحلى من أجل عولمة الميكروفون والكلمة.
بدورها قد تتناقض الرسالة التي يعبر عنها المسؤول بين خطاب الداخل والخارج، ثم تتناقض مرة أخرى في الداخل، وفقا للجمهور الحاضر أو المستهدف. وهو الوضع الذي ظهر واضحا في حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في افتتاح «منتدى شباب العالم» في مدينة شرم الشيخ في الخامس من نوفمبر 2017، التي جاءت بعد أيام من زيارته لفرنسا وحديثه في 24 أكتوبر عن انتقاد الغرب لملف حقوق الإنسان وغيرها من النقاط التي تكتسب أهمية مضافة على هامش شرم الشيخ.
في فرنسا وفي محاولته الرد على التساؤلات التي تثار حول أوضاع حقوق الإنسان في مصر، وعدم انتقاد فرنسا لها بشكل واضح، كان السيسي أقرب ما يكون إلى تقديم ما يهم الغرب، وإن كان على حساب التضحية بحديث الإنجازات الذي يتبناه عندما يتحدث في الداخل. وعلى الرغم من اقتراب الانتخابات الرئاسية وحملة جمع التوقيعات التي بدأت من أجل مطالبته بالترشح، والأحاديث المؤيدة التي تتعامل معه مرة بمنطق الإنجازات الكبرى وأخرى بمنطق غياب البديل، فإن السيسي تجاوز عن كل هذا وأقر بشكل واضح بغياب كل الحقوق الأساسية ودافع عن دوره في حماية أمن أوروبا والعالم، عبر الوقوف في وجه الإرهاب والتطرف.
جاء انتقاد السيسي لحكمه أكثر وضوحا من الكثير من معارضيه وهو يقول: «ما بتسألنيش ليه عن حق الإنسان في مصر في التعليم الجيد، ما عندناش تعليم جيد.. ما بتسألنيش ليه عن حقوق العلاج الجيد في مصر، ما عندناش علاج جيد.. ما بتسألنيش ليه عن حق التوظيف وحق التشغيل للمواطن في مصر، ما عندناش توظيف جيد.. ما بتكلمنيش ليه عن الإسكان الجيد». كل هذا مبرر لأن يطرح المواطن تساؤلات موضوعية عن استمرار السيسي وحديث الإنجازات وعن أسباب الانفاق الكبير على المشاريع القومية، وغيرها من التحركات التي تُقدم في الداخل بوصفها نقطة الانطلاق والعبور قبل أن تضاف إلى غيرها من أسباب المعاناة.
في الوقت نفسه فإن حديث السيسي في فرنسا مثّل اعترافا غير مبرر بالفشل في مواجهة التحديات الرئيسية والمهمة، التي يفترض أن تقوم بها السلطة، خاصة بعد التطورات التي شهدتها مصر والمنطقة، والتي اعترف هو نفسه بخطورتها وأهميتها، ولكن بدلا من التعامل مع أسس الحياة وتحويلها إلى حياة كريمة، ركزت السلطة – كما جرت العادة- على المشاريع التي ترتبط بالانشاءات والتي تسمح بقص شريط ووضع لوحة واسم مسؤول.
ولم يتوقف السيسي عند هذا الحد من تقديم سلبيات الداخل لتمرير انتقادات حالة حقوق الإنسان، وطالب الغرب بالتعامل مع مصر بوصفها مختلفة، مؤكدا أننا «لسنا في أوروبا وتقدمها الفكري والثقافي والحضاري والغنساني، نحن في منطقة أخرى». وإن كان التناول الأولي لحديث السيسي في فرنسا قد أكد على فكرة الانتقائية في التعامل «الظروف المصرية» والإشادة مرة بالحضارة والتاريخ قبل أن يلقي بها جميعا في مقابر الذاكرة، ويؤكد على أن مصر «دولة حديثة» و»أشباه دولة»، فإن تلك المفارقة ظهرت واضحة في شرم الشيخ، وهو يؤكد على أن شباب مصر «امتداد لمشروع أجدادهم القائم على مبادئ الحضارة الانسانية المحبة للسلام والباحثة عن الاستقرار والأمن».
تناقض يظهر بالمقارنة مع أحاديثه في مؤتمرات شباب محلية سابقة، فالإشادة بالشباب، ولغة الترحيب في شرم الشيخ جاءت مختلفة عن الحديث في مؤتمر أكتوبر 2016 عن ضبط الدولة نفسها تجاه الشعب، والثلاجة الفاضية التي استخدمها للتأكيد على ضرورة الصبر على الأوضاع القاسية، بدون حديث أو اعتراض في خلط مقصود بين حالة الفرد الشخصية وعلاقته بالسلطة وحقه في المحاسبة. كما أن هذا الشباب الذي يثق فيه السيسي ويشيد به في شرم الشيخ، لا يقترب من الشباب الذي لا يفهم أن مصر «فقيرة قوي»، أو الذي لم يتلقى تعليما ينفع «في وطن ضايع».
إلى جانب تلك التناقضات التي تعبر عن تعدد أوجه السلطة، حسب اللحظة والجمهور، أو البناء على تكتيكات لحظية تصلح لتبيث صورة المسؤول أمام الميكروفون لبعض الوقت، جاء الحديث الأكثر تعقيدا واتساقا مع السيىسي نفسه في اختراع جديد لما سماه حقا من حقوق الإنسان هو «حق مقاومة الإرهاب والتصدى للإرهاب».
وربما يكون التعليق الساخر الأول لصالح التساؤل عن حقوق الإنسان التي يضاف لها هذا الحق، ولكن بعيدا عن السخرية كيف يسمح رئيس السلطة التنفيذية بتحويل دور من أدوار الدولة وهو الأمن، إلى حق من حقوق الإنسان؟ وكيف يمكن أن يتحول عامل يقدم بوصفه مبررا للتضحية بكل الحقوق الأخرى إلى حق من تلك الحقوق ذاتها؟
تظهر محاولة التعامل الموضوعي مع الفكرة، وبعيدا عن ساعات البث الممتدة للدعم والإشادة، وتقديم ما حدث بوصفه إضافة حضارية للعالم، افتقاد نقطة مهمة في هذا الطرح وهي أن حقوق الإنسان، في تعريفها التقليدي وبعيدا عن التعريف الجديد للسيسي، تتساوى في أهميتها وأهمية تحققها للانسان بوصفه الانساني، وأنها لا تدخل في مباراة صفرية يتم التخلي عبرها عنها، أو عن مجموعة منها من أجل توفر حق ما ناهيك عن أن يكون حقا مصنعا.
كما أن السيسي والكثير من الأصوات التي تدعمه والأنظمة التي تعلي فكرة محاربة الإرهاب، من أجل قمع الحريات وتمرير مزيد من الصلاحيات للسلطة، ترى أن الحرب على الإرهاب مقدمة على غيرها، وأنها تقلل قيمة حقوق اخرى، وتصل إلى حد التأكيد على أنه لا مجال للحديث عن الحقوق والحريات في ظل الحرب على الإرهاب، ومن خلال هذا المدخل تقوم بالتشكيك في وطنية من يدافع عن الحقوق والحريات، وتستخدم هذا المدخل لتبرير المزيد من القمع وتقييد المساحات العامة باسم الحرب على الإرهاب.  
فى النهاية لا يتسق بند الحرب على الإرهاب مع الحقوق والحريات، ولكن الأمن نفسه بما فيه الأمن الشخصي يمثل جزءا أساسيا من مفهوم الأمن الانساني الذي يفترض وفقا له أن يتحرر الانسان من الخوف، ومن الحاجة، وهو ما لا تحققه السلطة حين ترى أن قمع المواطن وإثارة خوفه بما فيه ترويج «فوبيا الخوف من سقوط الدولة» ركائز أساسية لوجودها واستمرارها، وحين ترى أن الحرب على الإرهاب كافية لتأجيل أو انتهاك الحقوق الأخرى التي تمس التحرر من العوز، وتركز على أهمية تمكين المواطن وتوفير التعليم والصحة والسكن وغيرها من الحقوق، التي أقر السيسي نفسه في باريس بأنها غير موجودة.
ورغم أن هذا التصور الذي تم تقديمة باسم السيسى وبوصفه إضافة مصرية يعيد إلى الأذهان علاج الكفتة الشهير الذي قدم أيضا بشكل مشابه قبل أن يسقط في مقابر الذاكرة، إلا أنه يحقق ما قد تراه السلطة مكسبا مهما في التعامل مع الانتقادات التي تحيط بملف الحقوق والحريات في مواجهة الخارج، فعندما تنتقد الحقوق والحريات يسهل القول بأن مصر تركز على الحق في محاربة الإرهاب بوصفه أولوية المرحلة، وحيث يسهل إلقاء كارت الحق في محاربة الإرهاب بوصفه أعلى مرتبة من مراتب الحقوق والحريات «التقليدية» وفقا للمعايير المصرية.
كما أن هذا الاختراع المصري يقدم فرصة لترويج ساعات من البث المحلي عن حكمة السيسي، التي تتجاوز مصر والإقليم، وتطالب العالم بإعادة النظر في «الإطروحات والتنظيمات والرؤى» القائمة والتي أعتبرها سبب ما يمر بالكوكب من صراعات متجاوزا عن نظم الحكم والقمع الذي يدفع الناس إلى الهجرة عبر الصحراء وقوارب الموت، والظلم الذي قد يمثل وقود للإرهاب وتوليده أو استمراره. أما المفارقات المهمة لهذا الطرح المصري، أن من يفترض أن يتولى حماية الحق في محاربة الإرهاب – الداخلية- تمثل طرفا رئيسيا في انتهاك الحقوق والحريات الأخرى من كرامة وأمن شخصي وحق في الحياة.
يحول السيسي بكلمات الوعود الكبرى إلى شعارات رمزية، والحقوق والحريات إلى قوائم مصرية تخدم السلطة على حساب المواطن، ويعترف في الخارج بالفشل ويروج في الداخل للنجاح. يؤكد على الفقر ويقيم المؤتمرات التي تتسع من الدولة للعالم، ومن مطالبة بالقليل والقليل من أموال الشعب القليلة أصلا، إلى إنفاق الكثير والكثير على تفاصيل تخدم السلطة والوجود أمام الميكروفون. ولكن الوجود أمام الميكروفون حمال أوجه فهو يظهر الصورة التي يريدها الشخص، كما يعلن الكثير من الأشياء التي لم يرغب الشخص في الإعلان عنها، خاصة عندما تكون عابرة للحظة والجغرافيا. ولكن في النهاية وكما حدث مع «فرانك» تكتشف عندما تقارن الصور القديمة والحديثة أن الوجوه تتغير مهما طال وجودها في السلطة وتصورت أنها أصبحت أبدية.
كاتبة مصرية

الميكروفون ورسائل السلطة في مصر بين باريس وشرم الشيخ

عبير ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية