في مسرحية «هاللو شلبي» (1969) يقول الفنان المميز سعيد صالح، في واحدة من العبارات الحاضرة في التعليقات المصرية: «اللي يتجوز أمي أقوله يا عمي»، ولكن الأبعاد السياسية للعبارة، تظهر بشكل أوضح عندما توضع في سياق الحديث ورغبته في الإشارة إلى من يتولى السلطة أو يستغلها، إلى جانب غيرها من الإسقاطات التي يمكن أن تتسع لها العبارة وفقا لمن يتعامل معها وكيفية قراءتها.
في حديثه يؤكد صالح على أن عمه – زوج الأم، «بيقول الستات ما يصحش تكتب، الستات تبصم بس. تلاقي أمى قاعدة طول النهار تبصم، تبصم، تبصم» وعندما يتم سؤاله عما تقوم والدته بالبصم عليه – وضع البصمة بديلا عن التوقيع- يقول: «بتبصم على أرضها اللي بيبعها عمي.. أصله بيحافظ على مصالح أمي، وعندنا في البلد اللي يحافظ على مصالح أمي أقوله يا عمي».
مشاهدة قد تكون ساخرة في مسرحية ومؤلمة في واقع ومعبرة مثل صورة عن عبارات كثيرة في مواقف تبدو واضحة الدلالة، رغم محاولة البعض وضع أثواب جديدة عليها وتسويقها بوصفها سياسات جديدة وأساليب حكم مميزة وبداية لعصر الرخاء المؤجل، رغم أنها في العمق تكرار لسياسات ثبت فشلها، وتقوم على أسس يصعب تصور النجاح في ظل وجودها، وفي ظل ما تغيبه من قيم وحقوق أساسية.
فرضت المقولة نفسها على المشهد، بعد حديث الرئيس عبد الفتاح السيسي في مؤتمر شباب العالم في شرم الشيخ في الثامن من نوفمبر 2017 عن المرأة المصرية، وما قاله خلال كلمته من أن «كل بنات البيت يقولوا ياريت بابانا عمو عبد الفتاح»، التي وإن أثارت الكثير من التعليقات الساخرة تطرح تساؤلات أكثر عمقا تتجاوز المرأة ومكانتها إلى التمكين وتعريفه والمواطن والنظرة إليه والدولة وحكمها.
بشكل عام، وكما ظهر من المداخلة المشار إليها، يصر السيسي على الخروج عن النص وتقديم فلسفته وحياته الخاصة بوصفها معيار القياس للحياة السليمة والحكم، رغم اختلاف الظروف والسياق، والأكثر أهمية أسس المقارنة والقياس السليم المفترض توفرها، ناهيك عن الحدث والجمهور. كما أن تلك الطريقة تظهر التناقض القائم داخل الأفكار التي يطرحها ويحاول في أحيان أخرى التأكيد على أنه جاء للحكم لمحاربتها، وأبرزها فكرة توظيف الدين في السياسة، التي يندد بها بوصفها واحدة من أخطر عيوب وأشكاليات حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، أو جماعة الأخوان، قبل أن يعود إلى استخدام الدين لبناء ثقة أو مطالبة الجماهير بالاقتناع بسياسة، أو الثقة في نوايا لا يفترض أن تجد لها مكانا في عالم الحكم، حيث تتعلق الأمور بالسياسات والنتائج، وتخضع للمكاشفة والمحاسبة.
تبدو تلك التناقضات أيضا واضحة عندما يتكرر الحديث خلال فترة زمنية قصيرة وتتعدد أوجه النقاش المفترض والجمهور المستهدف كما ظهر في المقارنة بين حديثه في باريس وفي شرم الشيخ في موضوع سابق. كما تتجاوز أحيانا دائرة التناقض وتكشف عن الأفكار المسيطرة على من يحكم، التي يتعامل معها بوصفها الفلسفة الواجب اتباعها أخلاقيا ودينيا، وسياسيا واستراتيجيا، واقتصاديا واجتماعيا على مستوى الفرد والعائلة، والدولة والعالم.
وضع يظهر بدوره في الكثير من الأحاديث التي يشير فيها إلى المواطن مطالبا أياه بكتابة أو حفظ ما يقول، أو الاستماع إلى كلامه هو وحده، أو عدم الخوف لأنه يحكم، وفي ظل حكمه لا حاجة للخوف على البلد، أو أنه وحده يملك معرفة المرض والدواء. كل تلك الأمور تتكرر عندما يتوجه الحديث إلى المواطن في حالة النقد، وفي محاولة تمرير الأزمات والمعاناة، التي تغلف أحيانا بأحاديث نظرية عن العظمة والصبر والتحمل.
في حديثه عن المرأة في شرم الشيخ ظهر واضحا إعادة التأكيد على التاريخ والحضارة العظيمة، التي تتناقض بدورها مع حديث الدولة الحديثة، أو التقليل من قيمة المكانة الحضارية، وغيرها من السلبيات التي يتم ربطها بالدولة والشعب، حتى يتم تبرئة السلطة. وهنا مرة أخرى تعود إلى الواجهة فكرة إعادة تعريف مفاهيم قائمة ومؤسسة بطريقة خاصة تناسب السلطة في مصر، وتوظيفها لتلك المفاهيم من أجل تحميل الأعباء على المواطن نفسه، وجعل الجزء الأساسي من المشكلات نتاج المواطن وأخلاقه أو قيمه من جانب، أو للجزء المتعلق بالمواطن في علاقته بغيره من جانب آخر، وبهذا تتحلل السلطة من مسؤوليتها وأدوارها الأساسية وتتفرغ لنقد المواطن وتشكيل لجان أخلاق وعقد مؤتمرات عن التمكين بوصفه احترام المواطن للمواطن.
وبعد أن إعاد السيسي تعريف الحق في الرأي في بداية حكمه بوصفه حرية الرأي دون حرية التعبير عنه، وأضاف في مؤتمر شرم الشيخ ما اعتبره «حق مكافحة الإرهاب» إلى حقوق الإنسان، أعاد تعريف التمكين ليؤكد أن «التمكين هو الاحترام بين أي إنسان ماشي في الشارع وأي سيدة أو شابة ماشية في الشارع»، معتبرا أن تعريفه هذا يحدد التمكين الحقيقي بوصفه: «الاحترام الحقيقي، هو التقدير الحقيقي للإنسان، للرجل أو للشاب، للفتاة أو الشابة أو المرأة». هكذا يخرج السيسي الدولة من دورها ومسؤوليتها، ويعيد الأزمات وأسبابها إلى الشعب. كما يخرج التمكين من معناه المرتبط في أبسط صوره بوجود وسائل من شأنها زيادة درجة الاستقلالية أو تقرير المصير الذاتي للفرد أو المجتمع، بكل ما يتعلق به من آليات تؤهل الأفراد وتمكنهم من التغلب على إحساسهم بعدم السيطرة أو غياب قدرتهم على التأثير.
يخرج السيسي التمكين من دوره المهم في تحقيق الأمن الإنساني عبر توفر التعليم والصحة وغيرها من الخدمات الأساسية التي تزيد من معرفة الفرد وقدرته على التأثير والدفاع عن مصالحه، إلى نوع من الاحترام المتبادل المفترض بين البشر، بغض النظر عن النوع، ويخرجه عن مساحة الكرامة التي يفترض أن تتوفر بين البشر، كما تتوفر في معاملة السلطة للمواطن بغض النظر عن النوع أيضا وهو ما لا يتوافر في مصر.
في مؤتمر شرم الشيخ التقط السيسي خط انتقاد حقوق الإنسان في مصر ليعيد تعريف حقوق الإنسان ذاتها بما يمكن السلطة من وضع حق مستحدث هو «محاربة الإرهاب» في درجة تعلو على غيره من الحقوق الإنسانية المفترضة، ثم إعاد تعريف التمكين وتقليصه ليتحول إلى علاقة بين فرد وآخر في الشارع، بعيدا عن انتهاكات السلطة لحقوق الإنسان وكرامته وحقه في الحياة، ناهيك عن التمكين بوصفه حقا في التعليم وغيره من الخدمات الأساسية التي تنسحب منها الدولة وتزيد تكلفة الحصول عليها ناهيك عن الحصول عليها بجودة مناسبة.
في الوقت نفسه وفي نهاية مداخلته أشار السيسي إلى احتمال غضب الرجال منه بسبب حديثه، الذي يراه بوصفه انتصار للمرأة، «واحنا داخلين على انتخابات» من أجل أن يطرح فكرة الانتخابات ويعيد إلى المشهد كل ما ارتبط بالحديث عن دعم ومناصرة المرأة له في الانتخابات والتفويض، وهي الصورة التي تم التأكيد عليها مرارا والتي عمل على استخدامها لتقديم نفسه بوصفه نصير المرأة في مجتمع لا يقدرها ولا يحترمها بالشكل الذي يعرفه السيسي، والذي يستند – وفقا لحديث شرم الشيخ- إلى رؤيته للدين ويفترض أن يكون قاعدة التعامل الأساسية مع المرأة.
ولكن بعيدا عن تلك الصورة البراقة فإن حديث السيسي نفسه كاشف عن أن تصوره عن المرأة مرتبط بمصلحة محددة، وهو يؤكد على أن تواجدها في 30 يونيو، الذي يستمر في توسيع المعنى الذي عبر عنه تواجد الجماهير لتفويض ممتد ومستمر للمستقبل، بوصفه سبب تقديره لها بقوله: «المرأة نزلت في اليوم ده عشان تقول نحن معك، نحن سنتحمل تكلفة مجابهة الإرهاب اللي أحنا لغاية دلوقت بقالنا3 سنين ونصف أهوه بندفع ثمنها…. فانتوا مش عايزيني ابقى احترمها وأقدرها واتواضع أمامها». أما ما يكشف عن حدود تقدير المرأة فهي تلك الضحكات والتعليق الذي يبدو ساخرا من تصور أن التمكين يعني المزيد من المناصب وإمكانية أن تتولى امرأة رئاسة الوزراء، وكأن الموضوع مستحيل أو يقدم بتلك الصورة حتى يتم تضخيم الحدث عندما يتم.
بشكل عام، تبدو المرأة مهمة مثل المواطن في عملية التفويض وفي اللجان وصور الجموع، ولكن في مجال الحقوق والحريات تتحول السلطة إلى طرف خارجي، في حين أن المشكلة تخص المواطن في علاقته بالمواطن، أو سلوكيات وأخلاق المواطن، أو التعليم الذي لا ينتج مواطنا منفذا للأوامر، أو المواطن الذي يتصور أن التمكين وحقوق الإنسان تعني الحصول على حقوق وحريات وخدمات أساسية، أو أن حرية الرأي تعني حرية التعبير عنه.
المشكلة أن السلطة تتجاوز المواطن في اختراع المفاهيم التي تجعلها ديمقراطية وحرة، إن التزم المواطن فيها بفلسفة الحاكم واعتبرها أسلوب حياة وحكم، وإن صدق أن حاجته الأساسية تقتصر على لجنة أخلاق وتعليم عسكري، وإن تجاوز المنطق وتصور أنه لا يوجد تناقض بين الحديث عن المعاناة وسط مظاهر البذخ في مؤتمر مستحدث من أجل تلميع السلطة وفلسفة الحاكم في شرم الشيخ.
كاتبة مصرية
عبير ياسين