قراءة في نتائج الانتخابات المحلية الجزائرية

حجم الخط
2

تعود المواطن الجزائري على مشاهدة، هذه الصورة، على القناة التلفزيونية العمومية، كل يوم انتخاب. مجموعة من المواطنين الجزائريين الريفيين الفقراء، كما توحي بذلك ملامحهم، يهرولون وهم يتدافعون في اتجاه مكاتب الاقتراع، بعد فتح أبواب المدرسة التي ينظم فيها الانتخاب، على شاكلة black Friday سياسي. الصورة هدفها الإيحاء للمواطن بأن هناك تدافعا كبيرا، من قبل المواطنين للمشاركة في الانتخابات. بعد أن تحولت نسب المشاركة في هذا النوع من الانتخابات إلى أكبر تحد يواجه السلطة.
بهدف التقاط هذه الصورة، تكون فرقة تلفزيونية قد تمترست وراء باب المدرسة، منذ الصباح الباكر، في انتظار وصول الحافلات المكلفة بنقل هؤلاء المواطنين الغيورين على مصلحة البلاد وهم يتوجهون متسارعين، لأداء واجبهم الوطني! في وقت، تزداد فيه الخطوب من كل نوع على حدود الجزائر.
فمن شروط الشغل، إشعار المواطن بأن الجزائر في خطر وأن المشاركة في هذه الانتخابات التي تدعو لها السلطة، كل خمس سنوات بشكل دوري، هو إنجاز وطني، مطلوب من كل مواطن ومواطنة القيام به، كما يردد صحافي التلفزيون، المكلف بالتعليق على هذه الصور التي تلتقط عادة في مناطق الهضاب العليا، كما يظهر من لباس المواطنين المغلوبين على أمرهم، المشاركين في هذه المسرحية التي تستمر القنوات الرسمية في بثها طول يوم الاقتراع.
انتخابات تكررت في تفاصيلها واتجاهاتها العامة، في نسخة 2017 التي نظمت نهاية الأسبوع الماضي، فقد أكدت هذه النسخة على أن المواطن ما زال غير مهتم بها، فلم يشارك فيها أكثر من نصف المسجلين في قوائمها، وأن أكثر من مليوني صوت قد تم إلغاؤها في الاقتراعين (البلدية /والولائية) بعد ان أصبح من الشائع ان «يفرض» على بعض المواطنين، لاعتبارات مهنية أو اجتماعية، الذهاب إلى مكاتب التصويت، من دون قناعة، ما يجعلهم يقررون التعبير، عن طريق أوراق بيضاء.
المشاركة في الانتخابات التي ما زالت رغم ضعفها أكثر حضورا في المناطق الريفية وفي الهضاب العليا والصحراء. ليتأكد مرة أخرى من ذلك القانون السوسيولوجي الذي تعرف به الانتخابات في الجزائر، كلما كانت الكثافة الديموغرافية عالية، قلًت نسبة المشاركة، كما هو حاصل في المدن الكبرى والمتوسطة التي يعيش فيها أكثر من 67 % من الجزائريين والمتميزة كسلوك انتخابي بضعف مشاركتها في هذه الانتخابات المملة.
الشيء نفسه على مستوى النتائج، فقد أكدت هذه الانتخابات على أنها لم تنظم لتغيير الخريطة السياسية، أو إحداث التغيير السياسي المطلوب من غالبية من الجزائريات والجزائريين. فقد فاز حزبا السلطة، جبهة التحرير والتجمع الوطني الديمقراطي، كما كان متوقعا، بنسب عالية من المجالس البلدية (%39 .13 و%29 .27 على التوالي). لتتقاسم الأحزاب الأخرى (خمسون حزبا مشاركا) ما تبقى من مجالس بلدية. أحزاب أكدت الكثير من الاستحقاقات الانتخابية، على نتائجها المتواضعة المتحصل عليها، ما حولها عمليا الى ديكور قبيح، لمشهد سياسي متكرر. فوز لأحزاب السلطة، يسهله من دون شك، ظاهرة الدولة – الحزب المترسخة حتى بعد الإعلان عن التعددية وعزوف الغالبية الذي يفضي عمليا إلى تحكم الأقلية في حسم النتائج. ضمن نظام سياسي ما زال ينظر للانتخابات كوسيلة لتجديد نفسه.
الانتخابات المحلية، بعد التشريعية الأخيرة، التي أكدت على ظاهرة القوائم المستقلة، داخل نظام سياسي يعادي عمليا الحزب السياسي ولا يقبل به على أرض الواقع. ومواطن يعزف بشكل واضح عن الانخراط في أحزاب سياسية ما زالت لم تتحول إلى فاعل سياسي، يمكن التعويل عليه في إحداث التغيير (نسب الانخراط في الأحزاب لا تتجاوز 2% و1% بالنسبة للشباب) أكدت هذه الانتخابات على العيوب التي يعاني منها كالشللية والضعف المؤسساتي وغيرها من أمراض الأحزاب العربية المعروفة.
من جهة أخرى، تبين نتائج الانتخابات استمرارية ظاهرة أحزاب الوزراء، الصغيرة (عمار غول وعمارة بن يونس، الخ) المطلوب منهم أداء دور ديمقراطي وتعددي، مقابل الاستفادة من الريع لهم ولحاشيتهم القريبة، باعتبار أن قدرات النظام السياسي والاقتصادي المتواضعة في الإدماج الاجتماعي لا تتجاوز الأفراد والشلل المحدودة. أثبتت نتائج الانتخابات من جهة أخرى استمرارية البعد الجهوي لحزبي التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وجبهة القوى الاشتراكية اللذين حققا غالبية نتائجها في مناطق تواجدهما التقليدية في منطقة القبائل، رغم بعض الاختراقات البسيطة خارج هذه المنطقة.
تواضع نتائج الإسلام السياسي الإخواني الممثل في أكثر من حزب سياسي (حمس. العدالة والتنمية. النهضة. الإصلاح. البناء.) تأكدت في هذه الانتخابات المحلية مرة اخرى، حتى بعد الإعلان عن وحدتها التي يبدو أنها لم تكن كافية لتحقيق نتائج معقولة. نتائج هذه الانتخابات التي تؤكد على ضعف حضور الإسلام الإخواني في الجزائر تقليديا، ضعف قد يتطور في المستقبل نحو الأسوأ، إذا استمرت هذه الأحزاب، في تبني الخيارات الاستراتيجية نفسها التي اوصلتها الى هذه النتائج، وهي تتأرجح بين الموالاة والمعارضة، من دون أن تستفيد لا من مزايا الموالاة ولا من تجنيد المعارضة.
كما كان الحال مع المؤشرات الأخرى، أكدت هذه الانتخابات على تفشي ظاهرة الفساد المالي واستمرار الكثير من الممارسات التي تؤدي بالضرورة الى التشكيك في النتائج المعلنة وعدم مصداقيتها التي لا يمكن البناء عليها للخروج من ازمة شرعية المؤسسات والنظام السياسي ككل، التي تعاني منها الجزائر، رغم الغطاء القانوني المتجدد دوريا منذ الإعلان عن التعددية في 1989. وتعديل 2016 الدستوري.
هذه النسخة الجديدة من الانتخابات المحلية (2017) التي أكدت على سيطرة النخب المحلية على حساب الأحزاب السياسية وقياداتها الوطنية، فالذي نجح في هذه الانتخابات ليس الحزب السياسي وبرنامجه، بل في الغالب، ابن العرش والعائلة وصاحب الثروة والعلاقات الاجتماعية الواسعة التي وظفها وصرف عليها بسخاء، للفوز بمقعده، مقابل وعود، قد لا يكون دائما قادرا على الوفاء بها.
رغم قلة الحديث هذه المرة عن تدخل الأجهزة الأمنية، في تقرير نتائج الانتخابات، فإن الذي ساد هو الشكوى من سطوة الإدارة وبيروقراطية الدولة التي تشرف تحت رقابة أكثر من مليون موظف، على تنظيم الانتخابات دوريا، لإعادة إنتاج الركود السياسي في غياب اهتمام وطني ودولي. في وقت تحتاج فيه الجزائر إلى تغيير قد يكون الانطلاق في تجسيده، كما حصل في تونس القريبة، بمنح تنظيم هذه الانتخابات الى هيئة وطنية مستقلة، تحترم خيارات الجزائريات والجزائريين، ضمن مسار طويل لبناء مؤسسات سياسية شرعية تحظى بالقبول.
كاتب جزائري

قراءة في نتائج الانتخابات المحلية الجزائرية

ناصر جابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية