بيروت ـ «القدس العربي»: قبل أربعة عقود وبعد جهود عربية بدأت منذ تأسيس «الأمم المتحدة» اتخذت «الجمعية العامة» قراراً باعتبار اللغة العربية سادس لغة رسمية، بعد الإنكليزية، التركية، الأوردية، الفرنسية، الكردية والفارسية. أما «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ـ يونيسكو» فاعتمدت تاريخ 18 كانون الأول/ديسمبر وهو اليوم الذي صارت فيه العربية لغة سادسة في الأمم المتحدة سنة 1973، يوماً عالمياً لها، كان ذلك سنة 2012. ومنذ ذاك التاريخ والإحتفال باللغة متواصل من قبل أهلها إنما ليس كما تستحقه. فاللغة التي ننتمي إليها تعيش تحديات كبيرة منها صلتها بالواقع الذي وصله عالم التكنولوجيا الجديدة وخاصة الرقمنة، وصلة أهلها وثقتهم بها من مقمين ومغتربين وخاصة الأجيال الجديدة. فثمة بلدان عربية لا نجد فيها من يحدثنا لغتنا. وبلدان أخرى ابتعد بعض أهلها عن لغتهم لأن التشتت والضياع السياسي لم يساعدهم في أن يكونوا جنوداً مدافعين عنها.
في هذا اليوم العالمي للغة العربية تذكرت حواراً مع المهندسة حزامي السيد، المصرية المولودة في بيروت من أم لبنانية، جرى بعد تسلمها جائزة مبادرة تكريم لسنة 2017 عن فئة «المساهمة الدولية في المجتمع العربي» التي مُنحت لمؤسسة «البستان بذور حضارة». هذه المؤسسة التي تشجع التداخل الحضاري بين المجتمعات بغض النظر عن المعتقدات الدينية والأصل العرقي، أو المستوى الاجتماعي والاقتصادي. وبهدف بناء مسارات سلمية لتضييق هوّة الخلافات، والاحتفال بالتنّوع وتعزيز سبل بديلة للتأثير على إحداث تغيير اجتماعي إيجابي. هذه المقولة التي تُعرّف بالمؤسسة يمكن اختصارها وببساطة بتعليم العربية لأبناء المهاجرين حتى لا يبقوا في غربة عن جذورهم.
في أصل الحكاية أن حزامي السيد العربية المهاجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية استفزتها المواقف والأفكار الخاطئة التي سيقت بحق العرب بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر، والتمييز العنصري الذي عانى منه الطلاب في الجامعات، والتلاميذ في المدارس. فكرت بما يمكنها فعله. وفي صيف 2002 بدأت مؤسسة «البستان بذور الحضارة» بالتعاون مع آخرين.
«القدس العربي» سجلت هذا الحوار مع حزامي السيد:
○ ما هي الحوافز لتأسيس «البستان بذور حضارة»؟
• الحوافز متعددة منها الاحساس بأن اللغة العربية غير موجودة لدى الأجيال التي تلد في الولايات المتحدة. بدأ الشعور بشكل ذاتي وشخصي، فأنا التي ولدت في بيروت وعشت فيها خمس سنوات في بداية عمري، نشأت لاحقاً في الكويت في مدرسة أمريكية. لهذا لست ممتنة مما اتقنه من لغتي الأم. وعندما حصلت أحداث أيلول2001 وما تلاها من أحداث تمييز ضد العرب والمسلمين ازداد الإلحاح للقيام بعمل ما.
○ كيف كانت البداية؟
• تصادف أني تركت العمل في الهندسة للإهتمام بطفلي. وعندما دخل ابني الأول المدرسة، قررت البدء. فلم يكن مقبولاً عندي أن نكون جميعنا كعرب ومسلمين إرهابيين. بدأت من المجتمع الصغير الذي أعرفه جيداً وهي مدرسة ابني. كانت لي فرصة التواصل عبر رسالة التوعية مع بيئة المدرسة. فكنت أتحدث لهم عن العرب والمسلمين الحقيقيين. تمكنت من الاستناد إلى لحظة في غاية القساوة والسوء والسلبية، وعملت لتحويلها بالتدريج إلى فعل ينعكس ايجاباً.
○ وماذا بالنسبة للأطفال العرب المولودين في الولايات المتحدة؟
• كذلك انطلقت من الشخصي إلى العام. وجدت أني تمكنت من التعاقد مع مدرّسة تعلم طفليَ لغتهم العربية، وهذا وحده لم يكن كافياً. فقد بحثت ووجدت أن هذه اللغة يجب أن تصل لهؤلاء الأطفال البعيدين عن منابعها عبر الفرح والتسلية، والأهم عبر التواصل مع آخرين ومن خلال مجموعة وليس أفراداً قلة. وهكذا كان المخيم الأول الذي جمع في صيف 2002 ومن خلال بيئة صغيرة 18 طفلاً وطفلة. ومن ثم كانت فكرة «مؤسسة البستان بذور حضارة». أردنا من خلالها تعليم الأطفال لغتهم عبر الغناء والرقص والموسيقى.
○ هل تعتمدون على فكرة المخيمات بشكل دائم؟
• نعم لأن عطلة الصيف تتيح حركة أكبر مع التلامذة والأطفال إضافة إلى النشاط خلال الأيام المتاحة من بقية السنة. وكل من المخيمات الصيفية يحمل ثيمة محددة من عالم الفن. على سبيل المثال «أم كلثوم»حيث تعلم الصغار واليافعين أغنية «غنيلي شوية شوية». أو تكون لنا ثيمة أخرى من تراثنا فيتعلمون «فوق النخل». أتذكر في السنة الأولى التي جمعنا فيها التلامذة، أنهم تدربوا على حفظ أغنية قديمة جديدة للأطفال غناها الراحل شوشو وهي «ألف با بوياية قلم رصاص ومحاية». وهذه لاقت منهم كل الإعجاب والترحيب والحفظ السريع لأحرف الأبجدية العربية كتابة ولفظاً.
○ هل يشمل برنامجكم استضافة مغنين من كافة الدول العربية؟
• بالطبع. ولفيروز حصتها الكبيرة في الريبرتوار الذي يحفظه الأطفال في مخيماتنا الصيفية. وفي أحيان تكون للبرنامج الصيفي ثيمة يمكنها أن تجمع أكثر من فنان أو فنانة. اختياراتنا تذهب دائماً باتجاه الفن الحقيقي، الذي يحسب من تاريخ الغناء وليس من الفن التجاري. على سبيل المثال تعرف التلامذة على عشر من أغنيات مرسيل خليفة وحفظوها وغنوها على المسرح. وبلغ عدد أعضاءالكورال 110 تلامذة. وهذا قبل أن نستضيف خليفة. فقد بعثت برسالة له أبلغه أن المسؤولين في القسم الفني في «مؤسسة البستان بذور حضارة» يلقنون 10 من أغنياتك للتلامذة العرب المولودين في الولايات المتحدة وهم بدورهم يغنوها في المدارس والجامعات.
○ كيف تبنون اختياراتكم من ريبرتوار فنان معين؟
• من الشروط الأساسية في الاختيار أن تتلاءم الأغنية مع أداء الكورال، وليس السولو، فليس هدفنا أن يكون لدينا مغنين منفردين مطلقاً.
○ كيف للأطفال الآتين من بيئات عربية متنوعة اللهجات أن يتقنوا الغناء باللهجات المختلفة، مصري، لبنان أو مغاربي على سبيل المثال؟
• تعلمنا من الأطفال أن ما من شيء يصعب عليهم. فالمخيم يضم أطفالاً بدءاً من صف الثامن ابتدائي، وكل ما نقدمه لهم بطريقة جميلة ومثيرة للاهتمام يأخذ طريقه للحفظ. أما طلاب الجامعات فقد تدربوا على أغنيات تراثية كما «جادك الغيث» وغيرها من الموشحات. نوع الأغنيات واختيارها يعود لمستوى التلامذة أو الطلاب وأعمارهم. ومن المؤكد أن بين الطلاب الذين جمعتهم «بستان بذور الحضارة» مستويات على صعيد اتقان اللغة، كما أن بعضهم لديه معرفة موسيقية وهؤلاء يتعلمون الأغنيات الصعبة. فعلى موقعنا الالكتروني تجدين الكورال يغني جادك الغيث، نسّم علينا الهوى، يلي زرعتوا البرتقان وغيرها. وبإمكان من يدخل موقعنا أن يتعلم كيف يغني الأغنيات الواردة سواء منفرداً أو من خلال صف تدريب، لأنه يتيح التعلم الرقمي. والموقع هو: http://www.albustanseeds.org/
○ خلال وجودك في المهجر كم شعرت بأهمية اللغة كجذور تربط الإنسان بهويته؟
• كثيراً جدا. ندمت للغاية لصلتي الهامشية بلغتي خلال الدراسة. كانت صلة تنقصها الحيوية والانتماء، الذي من شأنه أن يحفز التلميذ ومن ثم الطالب حين يكبر ليزيد من جهوده كي يتقن لغته. أن يكون أحدنا في مدرسة أمريكية لن يشجعه هذا لأن ينتمي إلى أدب لغته وأرضه. فلم يحدث أن فتحت رواية عربية لأقرأها سابقاً.
○ وماذا عن الصلة التي تمكنتم من بنائها لدى الأجيال التي تعاقبت على مؤسستكم مع اللغة والهوية العربية؟
• لا يمكن وصفها. سواء كان الأطفال عراقيين، فلسطينيين، سوريين أو غيرهم من الذين ولدوا في الولايات المتحدة، فقد عرّفتهم برامجنا إلى وجود لهجات عربية متعددة. كما عرّفتهم إلى الفرصة المتاحة لهم كمولودين في الولايات المتحدة أن يتعلموا لغتهم من غير المراكز الدينية التي اعتادت منذ عقود طويلة أن تقدم اللغة وبعض الثقافة العربية للرعايا العرب الذين ينتمون لها ويتواصلون معها. وعندما يدخل هؤلاء إلى الجامعة ويقدمون لهم مقرراً دراسياً عن التاريخ أو الشرق الأوسط كما يسميه الأمريكيون، فهذا يتم من وجهة النظر الأمريكية. إنما الأجيال التي يتاح لها السفر المتكرر إلى أوطانها الأصلية في الدول العربية تختلف عن سواها، تعرف بعضاً من تاريخها وتستطيع الحوار.
○ هل تتواجد «البستان جذور حضارة» في غير ولاية فيلادلفيا حيث نشأت؟
• نحن فقط في فيلادلفيا. لدينا موقع الكتروني للتواصل معنا ولتسهيل استخدام كل ما يتعلمه تلامذتنا ووضعه بين يدي من يرغب من خارج فيلادلفيا، كي يستفيد ويتعلم.
○ هل تمتد صلاتكم بالفنانين غير التجاريين لأكثر من بلد عربي؟
• طبعاً. فقد علمنا أغنيات سونيا مبارك من تونس. إلى جانب مرسيل خليفة، ريما خشيش، أميمة الخليل وريما صقللي. سونيا مبارك أحيت حفلاً في نيويورك واستضفناها لعشرة أيام. وريما صقللي أحيت حفلات في نيويورك، واشنطن دي سي وبوسطن واستضفناها كذلك لعشرة أيام.
○ ماذا عن تمويل مشاريعكم؟
• بنسبة 90 في المئة التمويل حكومي، وعبر منح من مؤسسات خاصة.
○ بين 9-11ـ 2001 والآن ماذا اختلف؟
• لا نقول اننا حققنا الكثير، فالحلم والمطلوب كبير للغاية. لقد باتت اللغة متداولة على لسان عدد أكبر من الأجيال التي ولدت في الولايات المتحدة. بات تعلقهم أكثر قوة بجذورهم. صار بامكانهم الدفاع عن حضارات البلدان العربية التي ينتمون إليها. فاللغة من أهم الجذور الوطنية، ومن يعرف لغته وجذوره تزداد ثقته بنفسه وتقوى حجته. عبر الأغنية التي سهلت طريق تعلم اللغة بات هؤلاء الشباب والصبايا قادرون على التحدث مع زملائهم عن حضارتهم وتصويب الأفكار الخاطئة عن العرب والمسلمين.