جرأة الحلم بالأوبرا كصنف: «أورفيو» لمونتيفيردي باكورة الأعمال

حجم الخط
0

حضرتُ أوائل الثمانينات أمسية في دار الأوبرا في فِيَنّا جمعت التينور لوتشيانو بافاروتّي (1935-2007) والسوبرانو ميريلّا فْرَيني وقائد الأوركسترا كارلوس كلايْبَر(1930-2004) في أوبرا «لا بوهيم»، أو «البوهيميّة»، لجياكومو بُوتشيني (1858-1924). وكان هؤلاء المؤدّون في أوج مسيراتهم الموسيقية في تلك الحقبة، الأمر الذي جعل التهافت على التذاكر لدى جمهور المستمعين أشرس من العادة بكثير، رغم أن التهافت هذا لم يكن يوماً هادئاً في دار الأوبرا ذاك، مهما تكن هوية المؤدّين. وشهدتُ الحفل واقفاً طوال الأمسية، أي حوالي الساعتين، يتخللها استراحة، شأني في ذلك شأن العديد من طلبة الموسيقى وغيرهم ممن لم يكونوا ليحظوا بمقعد، إما لغلاء سعره أو لعدم توفّره أصلاً في أمسية كتلك.
وشاءت الصدف أن تجلس أمامي مجموعة صغيرة من السياح الأمريكيين اكتشفت من كلامها، الذي كان بأصوات عالية للغاية لا يمكن تجاهلها، أنهم يحضرون أمسية أوبرا للمرة الأولى في حياتهم. وخفتت الأضواء في القاعة شيئاً فشيئاً ورُفع الستار لكن جيراني لم ينفكّوا يتجاذبون أطراف الصراخ ويعلقون على ضخامة الثريّات وعلوّها وعلى كثرة العازفين في فرقة الأوركسترا وتنوّع آلاتهم وهلمّ جرّا دون هوادة، وكأنهم وحدهم على الكوكب. ولكن، ما أن ابتدأت الموسيقى حتى صاروا وكأن على رؤوسهم الطير. بل وظلوا مشدوهين وقد شلّت ألسنتهم حتى بعد أن ابتدأت الاستراحة. ثم انكبّوا يقرأون ملخص حبكة الأوبرا المترجم في كتيّب تلك الأمسية أثناء الاستراحة، إذ لم تكن تكنولوجيا ترجمة الحوار المسقَطة على أعلى المسرح قد انتشرت بعد. وتكررت ردود فعلهم هذه للنصف الثاني من الأمسية كذلك. وحين تحتضر بطلة الأوبرا ثم تموت قبيل نهاية الفصل الأخير، رأيت بأم عيني جميع أعضاء المجموعة هذه وهم يجففون وجناتهم من دموعهم المنهمرة بغزارة. وبعد ختام الأوبرا قام كل منهم من مقعده بتؤدة وقد بدت عليه سمات مروره بتجربة فريدة من نوعها، لن ينساها ما حيا، وكأنه عاش تقلّبات حياة كل شخوص الأوبرا لحظة بلحظة، رغم جهله بالإيطالية. وحتى خطى أعضاء المجموعة كانت قد اتخذت ثقلاً كان غائباً عن خطى اللامبالاة التي دخلت فيها.
فما تفسير ردود الفعل هذه لدى حضور أوبرا ما يتم أداؤها على مستوى عال، وعلى وجه التحديد لدى عامة الناس، لا المختصين وحسب؟ وكيف نشأت الأوبرا كصنف موسيقي؟ ومَن كانت له الجرأة في الحلم بها؟
تجيبنا أماندا هَولْدِن، الباحثة الموسيقية، في دليلها القيّم للأوبرا: «تنفرد الموسيقى في سبر أغوار المشاعر الإنسانية ولمس أوجها، وهو ما يستحيل التعبير عنه بالكلمات وحسب. أما صنف الأوبرا الذي يجمع بين الموسيقى والكلمة ويضيف إليهما كل ما تجود به مخيلة الإنسان المسرحية فهو قادر على استحضار سحر يعكس التجربة الإنسانية برمّتها، بل ويفوقها».
ثم تردف قائلة: «كانت معظم الأوبرات في القرنين السابع عشر والثامن عشر أعمالاً معاصرة، تم تأليفها لأجل مناسبات معينة أو راعين معينين، واختفى جلّها بعد الأداء الأول. وبناء على ذلك، لم يتم تقديم أوبرات موتسارت بعيد موته إلاّ ما ندر، كما تلاشت أوبرات هندل ورامو بعد اشتهارها في إنكلترا وفرنسا، على التوالي، وطوى النسيان أوبرات مونتيفيردي وهي الأقدم. أما في القرن التاسع عشر فقد لمعت نجوم مجموعة من مؤلفي الأوبرات، مثل روسّيني ودونيزَّتَّي وجايكوفسكي وفيردي وفاكنر، وراح جمهور كل منهم يتشوّق لكل جديد تخطّه أقلامهم. وأخذت ذخيرة فنية من الأوبرات تتبلور نظراً للشهرة العارمة لأوبرات معدودة. وحين ابتدأ القرن العشرين، حصل ما يشبه الإنفجار في أنشطة الأوبرا، فأخذت أوبرات جديدة لبوتشيني وريخارد شْتْرَاوْس وياناجَك وبَيرْك وفايْل وبْرِتْن. ونذكر هنا أشهر مؤلفي الأوبرا وحسب، تظهر مقترباً أشد تعمّقاً تجاه الدراما. أضف إلى ذلك أن النصف الثاني من القرن العشرين قد شهد إحياء العديد من الأوبرات المهملة إلى جانب تقديم معاصرة ذات تنوع أكبر أما وقد تحررت من قيود التراث كلية».
وتدور أحداث أوبرا «أورفيو» (1607)، أو «أورفيوس»، حول أسطورة هوميروس التي تروي مدى عشق أورفيو، أب الموسيقى والغناء، ليوروديتشه وكيف أنها تعرضت للدغة أفعى أودت بحياتها في يوم زفافهما، فأبكى غناؤه آلهة الإغريق، مما أدى بالآلهة للسماح له دون غيره بالنزول إلى الجحيم بغية استرجاعها. وقد كانت هذه الأسطورة مصدر إيحاء للعديد من الشعراء والرسامين والمؤلفين على مر العصور، بل وبلغتنا مخطوطة بعنوان «يوروديتشه» (1600) لما يسميه بعض الباحثين بالأوبرا الأولى من أحد معاصري مونتيفيردي، وهو جاكوبو بَرِي. لكن هذا العمل جاء على شكل سلسلة من الأغاني لا يربطها رابط ولا يؤدي التعمق فيها إلى استشفاف بناء ما. أما مونتيفيردي فقد اهتدى إلى وسائل فذة لتوحيد عمله الذي وصفه بعبارة «أسطورة في موسيقى»، إذ لم تكن تسمية «أوبرا» قد انتشرت بعد، والكلمة هذه صيغة الجمع لكلمة «عمل» باللاتينية، الذي جاء في خمسة فصول ومقدمة بإدخال مارش ذي نبض سريع تقوده النحاسيات والطبل ويتغلغل في ثنايا الأوبرا فيجعلها أشد تماسكاً بكثير ويؤكد للمستمع أنه يصغي إلى عمل متكامل، لا سلسلة أغان شتى.
موضوع أوبرا «أورفيو» قدرة الموسيقى على امتلاك النفس «وعلى تسكين كل قلب قلق … وعلى تأجيج أبرد الأذهان وصولاً إلى غضب نبيل تارة وإلى عشق عميق تارة أخرى».
فكيف عبّر مونتيفيردي عن ذلك كله؟ لقد ذهب أبعد بمراحل من مجرد إدخال مارش متكرر، فربط ظهور الموسيقى، وهي إحدى شخوص الأوبرا، بقطعة موسيقى للوتريات تتكرر كلما ظهر شخص الموسيقى على المسرح. وتلقّف معاصرو مونتيفيردي وجلّ من تبعه من المؤلفين، إن لم نقل كلهم، حتى يومنا هذه الطريقة في استبانة هوية شخوص الأوبرا بتوسيعها لتشمل مادة موسيقية خاصة بكل شخص من الشخوص. وهكذا يستنتج المستمع من سماع موسيقى معينة أن الشخص س أو ص قد ظهر على المسرح، حتى لو لم يسعفه نظره، أو أن الشخص ذاك قد تم ذكره على المسرح. بيد أن مونتيفيردي لم يتوقف عند هذا الحد، فجعل مقامات الفصول والمقدمة متناظرة، ما ساهم في صهر الأوبرا في بوتقة واحدة، وكانت تلك الفكرة تتويجاً عبقرياً لمساعيه.
ووظف مونتيفيردي جوقة الغناء في الأوبرا أيضاً، على غرار الجوقة الإغريقية في المسرحيات القديمة، فجعلها تضخّم بهجة أورفيو بقرب زفافه في الفصل الأول فترقص وتشدو فرحاً به، ثم تعظّم إنجازه بالتغلب على عقبات كأداء في العالم السفلي في الفصل الثالث، وتتغنى بالرحمة التي تنوجد حتى في الجحيم حين يستجيب الإله بلوتو، ملك عالم الأموات، لطلب أورفيو باسترجاع عروسته بفضل توسل زوجة الإله نيابة عن أورفيو في الفصل الرابع، شرط أن تتبعه يوروديتشه دون أن يلتفت هو للنظر إليها. فنجد أورفيو وقد تملّكته الشكوك ينظر إلى الخلف ليتأكد من وجود يوروديتشه فلا يلبث العالم السفلي حتى يبتلعها فتتلاشى من أمامه. فتتعجب جوقة الغناء من الإنسان الذي يقوى على اختراق عالم الموتى ولا يقوى على التحكم في مشاعره الجيّاشة. وفي الفصل الخامس والأخير، نقع على أورفيو وهو يندب حظه في فقدان يوروديتشه مرتين، فينقذه والده، أبولو، من السماوات ويرفعه إلى عنده كي يرى يوروديتشه في النجوم، فتطرب جوقة الغناء احتفالاً بتمجيد أورفيو وخلاصه وبلقاء العاشقين.
والطريف في هذا السياق أن مونتيفيردي نفسه كان محبطاً جراء إصرار أمراء مانتوا على أن يتقيد بأساطير الإغريق مادة لأوبراته، ما حدا به إلى إيجاد منصب جديد ككبير موسيقيي كاتدرائية القديس مرقس في البندقية، لكن أمراء مانتوا ظلوا يكلفونه بأوبرات جديدة رغم ذلك! وها هو يبوح بسرّه لصديقه الوفي وكاتب نصوص أوبراته، الشاعر آلَسّانْدْرَو سْتْرِجّيو، الذي بقي في مانتوا، في رسالة بصدد نص أوبرا آخر كان سْتْرِجّيو قد أرسله إليه في 1616 فيقول: «لم يفتني أن الشخوص رياح وآلهة حب ونسائم سحرية وسيرينات، ولكن، كيف لي أن أثير مشاعر الجمهور والحال هذه؟ آرِيادْنَه (بطلة أوبرا سابقة لهما) هيجت شغفنا لأنها امرأة، وكذلك أورفيوس لأنه رجل، لا لأنه ريح».
هذا الجمع بين توظيف الأساليب القديمة في حلة جديدة واستشراف المستقبل بابتكار أساليب جديدة لصهر العمل في بناء واحد لهو الدليل الدامغ على عظمة مونتيفيردي والسر في ديمومة أعماله حتى يومنا هذا.

جرأة الحلم بالأوبرا كصنف: «أورفيو» لمونتيفيردي باكورة الأعمال

بشّار عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية