المتنبي ينتحر في «الاتجاه المعاكس» وهل بات التطبيع عادة بعض العرب السرية؟

 

آه من زمن تتفشى فيه «الدلوعات» على الشاشات، ومواقع التواصل و«اليوتيوب»، مستأثرات بالمشهد الإعلامي، الذي يسيح قلب المشاهد ويسيل لعابه لفرط ميوعتهن المفتعلة وثقافة «البياخة والإباحة والهشك بشك»، التي ينشرنها عن سابق قصد وتعمد، ولا أحد يقلك: قرفتونا! بينما يتفصحن البعض حين يتعلق الأمر بالمقاومات الفلسطينيات، اللواتي يواجهن ثالوثا نقديا محرما، يصنفهن في ثلاثة أقانيم: التطرف أو السفور، ثم الاستعراض أو الدلع، وأخيرا الموقف السياسي من الحرب السورية، والتي دفعت بعض النشطاء الفضائيين إلى الشماتة باعتقال البطلة الفلسطينية «عهد التميمي» والدعوة لنبذها، والثناء على الإجراءات التعسفية التي مارسها الاحتلال بحقها، لأنهم حسبوها على النظام!
فهل يصبح التفكير العربي في هذا الزمن العربي الرخيص، جريمة غباء؟ أم جنحة أخلاقية؟ أم هو دخول في وضعية السكون التام أو ما تطلق عليه البوذية: «الساتوري»، استعدادا للصعود إلى «النيرفانا»، حيث النشوة القصوى: التجرد التام من الأحاسيس الطبيعية عند بني البشر، والتي تُسمى في عرفهم «المشاعر السلبية»! وبين الدفن ومواراة سوءة الميت شعرة، كفيلة بتحويل الغراب إلى إله يرى ابنه صقرا، والقاتل إلى ملاك موت، والقتيل إلى أمانة ثقيلة أو عبء فائض، أو تحفة تباع في المزاد العلني كـ «سروال أو جوارب هتلر»!
لم يكن لتشرشل أن يعترف، كما فعل العرب، بأن الرقص مقاومة، سوى حين يتعلق الأمر بازدواجية المثقف العربي، الذي يتعامل مع الراقصة «حكمت فهمي» تلميذة الراقصة «بديعة مصابني» كرمز وطني، وهذا ليس عيبا، إنما العيب أن يتعالى المثقف على أمته الجاهلة، وهو نتاجها الأكثر فشلا وانهزاما وانحدارا، وأن يتخذ الفنان من الحق الوطني بالتعبير ذريعة لتحقير الحق الديني برفع الآذان … فهل بعد هذا ستحتار بين أيهما الأجدر بالوصف: «جَعْرَرَة»؟
إنها بلورة ترامب في القمة الإسلامية الأمريكية، التي تذكرك أن الشيطان المخلص ليس مجرد لوحة، وأن «ذا فويس كيدز» أنجح برنامج ماسوني في تاريخ البشرية، وأن ثقافة الكراهية لعبة رؤوس تتلقفها التيوس، كما رأى جورج أرويل في «مزرعة الحيوانات» حين قال: «السياسيون كقردة الغابة، إذا اختصموا وتشاجروا أتلفوا المحصول، وإن تصالحوا وتواشجوا أكلوه» وأن زمن الانحطاط يبيح ولا يحرر، ويشوه ولا يعبر، ويتأبط شره على طريقة الصعاليك الجدد، وأكثر من «القرد ما مسخ الله» في التحمئة الإعلامية لحروب الجنائز الوطنية، التي يكون الميت فيها كلبا… وكمان ويْحَكُمْ!

«الاتجاه المعاكس» والرأي قبل شجاعة الشجعان

لو أن المتنبي تابع «الاتجاه المعاكس»، لانتحر على الهواء مباشرة، ندما على مقولته: «الرأي قبل شجاعة الشجعان»، لأن ضيفي فيصل القاسم علي حجازي، الإعلامي اللبناني، والأكاديمي الكويتي عايد المناع، دقّا ببعضهما وعلْقَت بَيْنهما وتَحَلّفا لحلفائهما، فخاضا جولات المناطحة بالمباطحة، لتخرج القضية الفلسطينية من سلة الحوار، ويتحول الرأي إلى سُباب وقذع وتخوين، وتتخلص اسرائيل من شبهة «العظمة»، التي يختصم عليها الفرقاء! ما دفع القاسم لإيقاف البرنامج فورا وعلى الهواء مباشرة… فمن أين تأتي الخيانة؟ من الثقة!
الألعن من هذا، هو انفضاح السريرة، في لحظة حاسمة، علت فيها نبرة الثارات الطائفية في اليمن، فهل تشكر الغضب، حين يُبدي لك حقيقتهم، وقد تساقطت وجوههم، لتريك رموزهم السياسية، التي يعبدونها، كأنهم نسخة شرقية من «آليستر كراولي»، ابن الشيطان البار، الذي احترف الشر من أجل الشر، وقد وضع الرأي تحت تصرف النوايا، ممارسا سحره الأسود، وفاء «لبافوميت»، قبل أن يتقمصه تماما، ثم يصبحه؟
حسنا إذن، لا عزاء للمتنبي، في أمة لم تتعلم بعد قيمة الرأي، وكيف يمكن له أن يكون عدو صاحبه، الذي يتنافخ به، ثم كيف يصبح غسل أو تبييض التاريخ لعنة إعلامية، لا تنفع معها كفارة الندم، عند شاعر لم يختبر الحرية في زمن الستالايت، وإلا كان رمى في وجه التاريخ نَعْلَه، وبصق على أمة الأطباق الفضائية الملوثة، ومزق أوراقه، كي لا يتحول إلى كائن طُحْلُبي، مثل يوسف زيدان، الذين انضم مؤخرا لدولة حشائش البحر الإعلامية المتلونة!

على من يتخوثون؟

رغم هذا فإنك تحيي حجازي حين أشاد بموقف الشعب الكويتي وبرلمانه الشريف ضد التطبيع، في ذات الوقت الذي تحترم فيه صراحة المناع حين أقر ببطولة المقاومة في حرب تموز/يوليو 2006، دون أن تنسى شجاعة القاسم وتفوقه على ذاته، وقد رد له المناع سؤاله له بسؤاله إياه، محتفظا بحقه بالاعتراف لا الاقتراف، حول مشاعره حيال التطبيع، وهو يرفع صورة بن جاسم وليفني، متناسيا صورة تركي الفيصل معها!
القاسم ذكره أن اجتماع رجل الاستخبارات السعودية الأول بأقذر جهاز جاسوسي «الموساد» في العالم، أخطر بكثير من لقاءات دبلوماسية فردية، فما كان من المناع إلا أن يجرد الفيصل من رتبته الرسمية، فهل هذا يعفي الدولة من حقها وواجبها ومسؤوليتها بمعاقبة أي مسؤول أو مواطن يتعامل مع العدو، فيخرق مهامه أو انتماءه دون إرادتها؟!!
هناك محاولات تخويث عديدة، كأن يحرف المناع مسار المواجهة، ليتصيد الأخطاء اللغوية لحجازي، الذي أصر عليها بدل أن يعتذر عنها، كنوع من التحدي بالمماحكة، بكل ما أوتي من خطأ وصواب في آن، وهذا الأسلوب يضيف ضحية جديدة إلى الحلقة، وهي الضحية الأهم على الإطلاق: اللغة!
القاسم أعاد الحوار إلى نصابه، حين اعتبر أن التطبيع السري، الذي لم يظهر بعد، أخطر بكثير مما نراه، ووصفه بأجمل وأوسخ وصف يليق به: «العادة السرية» عند بعض العرب، وهو ما يحيلك إلى ما هو أبعد منها، حيث عوارض «النيكروفيليا»، التي يستلذ بها المريض بممارسة المتعة الحرام، ولك بعد هذا أن تتخيل قرف اللذة!

«النيكروفيليا» بين التطبيع الإعلامي والسياسي

اتخذت «الجزيرة» من طابع الحوار النديّ مع المحتل نهجا إعلاميا، فرض نسقا جديدا للمواجهة، في ساحة فضائية، فتحت الأبواب على مصراعيها، ولكنها لم تحذ حذو «إيلاف»، التي استضافت رئيس أركان الجيش الاسرائيلي، غادي إيزنكوت، على اعتباره جنرالا وقائدا عسكريا لدولة حليفة، وبؤرة أمنية، في المواجهة مع إيران، متناسية ومتجاهلة الضحية، التي تعيش في دولة للجريمة، ولم تزل تدفع ثمن لذة محرمة، مارسها الأشقاء مع الأعداء طويلا في غرف الموتى، فهل بعد هذا سيتذكر إعلاميو التطبيع، أن (الراعي الذي يفتخر بالذئب، لا يحب خرافه)؟
الخوانون، الذين يبيعون في السر سماءك وأرضك، شهداءك وأنبياءك، أبناءك وآباءك، تاريخك وذاكرتك، أصبح لهم إعلاميون يروجون للقاتل على أنه حامي الحمى، وحليف المرحلة، وجنرال الحدود، والنصر الموعود، فماذا بعد؟
هل ستسأل عن مكمن الخطر؟ أم عن أساليبه؟ وأنت تتذكر أن القاسم استضاف قبل هذا اسرائيليين، ليخوضوا غمار المواجهة الفضائية مع ندٍّ أو خصم عربي يتصدى للتطبيع، ويحاربه، خصوصا وأنت ترى الوقاحة الإعلامية على أشدها في التهافت على ضيف اسرائيلي برتبة مجرم حرب لغسل صفحته، وليس لمحاججته، فهل بعد هذا تبحث عن ذنب وطني للقاسم، أم عن غفران إعلامي، يعيده كحاج عرفة!

كاتبة فلسطينية تقيم في لندن

المتنبي ينتحر في «الاتجاه المعاكس» وهل بات التطبيع عادة بعض العرب السرية؟

لينا أبو بكر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية