هلّ علينا عام جديد وانهالت التهاني على صفحات الفيسبوك وفي الرسائل الخاصة وعلى صفحات تويتر وغيرهما من وسائل الميديا الحديثة. تأخرت كثيرا في الرد على أصحاب الرسائل لكثرتهم، وقررت كما أفعل كل عام أن أوجه التحية بالعام الجديد إلى الجميع في «بوست» واحد أشكرهم فيه وأهنئهم متمنيا لهم أياما أجمل.
إلا أني تأخرت هذا العام وكان لذلك سبب. سؤالي لنفسي إلى أين انتهت تهاني الأعوام السابقة؟ وتذكرت سؤال المدينة الفاضلة. هذا السؤال القديم قدم البشرية الذي راود الأدباء والمفكرين فصنع بعضهم جمهوريته ـ أفلاطون – أو مدينته الفاضلة ـ توماس مور ـ في محاولة للبحث عن عالم مثالي. وفكرت كما أفكر دائما أن الأفكار الفلسفية كلها وهي تحتار في فهم العالم وتحاول تفسيره تنزع إلى عالم أفضل. فهيغل الذي قال بصراع الأفكار، يفتح الطريق للفكرة الثالثة المقبلة من صراع الفكرتين المتناقضتين، التي تمشي بالدنيا إلى الأمام. وماركس الذي قال بصراع الطبقات، يفتح الطريق للطبقة العاملة. كل المتفائلين يفتحون طريق العالم الأجمل أجل لكن كل المتشائمين كذلك وهم يرون لاجدوى هذا الوجود! يقول كاليغولا في مسرحية البير كامو، «الآن أنا على يقين بأن هذا العالم على النحو الذي وُجد فيه غير مُحتمل. لهذا السبب فأنا احتاج إلى القمر، أو إلى السعادة أو إلى الخلود. شيء ما قد يبدو ربما شيطانيا لكنه ليس من هذا العالم».
رغم أن هذا العالم في الأصل جاء اليه الإنسان بمعصية شيطانية ليعيش كما يحلو له هو. إذن لماذا يقول كاليغولا ذلك؟ ما مر به الإنسان وما فعله البشر جعله يريد عالما أفضل. البير كامو يجعل كاليغولا يبحث عن الخلود الذي هو مطمح إنساني عظيم منذ القدم لعل ملحمة جلجامش من أبرز تجلياته. والإنسان وهو يسعي لذلك يسعى لعالم سعيد حتى إن لم يكن يقصد. لماذا نعجب بالأعمال الأدبية عن الظلم والظالمين، لأنها تشير إلى عالم أفضل ولو من بعيد. هكذا روايات «السيد الرئيس» لأستورياس و»خريف البطريرك» و»الجنرال في متاهته» لماركيز و» أنا الأعلى» لأغستو روا باستوس و»ذيل الحرباء» للويسا بالينثويلا و»حفل التيس» لمارغو فارغاس يوسا. لماذا نعجب بالأعمال التي يمكن أن يقال عنها سوداوية؟ لأنها أيضا تشير إلى عالم أفضل ولو من بعيد. إن غونتر غراس الذي جعل في المدينة قبوا للبصل يذهب إليه المعذبون – في قصته القصيرة – ليقدم لهم صاحب المطعم البصل الذي هو أسرع ما يأتي بالدموع من العيون. غونتر غراس وهو يفعل ذلك يشير إلى ظلم هذا العالم وبحث الإنسان الدائب عن عالم أفضل من هذا الذي لا يستحق غير الدموع. وكفافيس حين جعل الحاكم ورجاله والشعب كله يخرج في انتظار البرابرة الذين لم يأتوا في النهاية وكانوا حلا من الحلول، وهو يشير إلى عالم لا يريده حتى البرابرة، يشير إلى عالم سعيد لا نعرفه وتظل رحلتنا بحثا عنه. وهكذا في كل الروايات والقصائد التي تشير إلى خراب العالم، فهي تعنى بعالم سعيد غائب، وإعجابنا بها لأن في الروح رغبة في ما هو أفضل، رغم أن ما تقرأه يشير إلى قبح وظلم وظلام ما حولك. وحتى في الأساطير القديمة حين سرق بروميثيوس النار ومنحها للبشر كان يريد لهم عالما أفضل ليس بالدفء فقط وسط البرد ولكن بالمعرفة. هناك عالم أجمل إذا لم يكل الإنسان من السعي إليه حتى إذا واجهه الكتاب والفلاسفة بأنه لن يصل إليه. الإنسان يولد مطبوعا على هذا البحث. هل يزين الخطيئة بين الرجل والمرأة مثلا إلا عالم أفضل؟ وهل كانت رحلة صابر سيد سيد الرحيمي في رواية «الطريق» إلا بحثا عن الله «سيد سيد الرحيمي» فهو العطوف الشفوق الرحيم الذي لا نصل إليه أبدا. في رحلة البحث إليه إدانة لما حولنا حقا، لكنها أيضا أمل في ما هو أجمل وأعظم في مكان آخر رغم ما ينهله صابر من لذات مع «كريمة» التي تمثل الروح لا المادة في أعظم تجلياتها. كل هذا لا يكفي صابر الذي يريد عالما أفضل. هذه الأفكار الكبري للبشر، سواء كانوا عالمين بها أو غير عالمين هي محرك حياتهم رغم كل الآلام. الفرق أن العالمين بها يتعذبون ويدفعون الثمن من أرواحهم لأنهم يهفون بقوة إلى العالم الأفضل. وغير العالمين يرون أن هذا العالم الأفضل في بيت صغير أو حب لا يعرف المحبون أبدا أنه يمكن أن يضيع. لا يدرك المحبون أبدا نُذُر النهايات ومن يبدأ قصة حب لا يفكر أبدا أنها ستنتهي، إلا بعد أن تنتهي! وهكذا من آلاف الكتب ومئات الحكايات والأساطير يمكن أن تعرف مشقة الإنسان في البحث عن وطن أجمل أو يوتوبيا. لقد حدث مرة عندما قامت الثور البلشفية في روسيا أن قام «بالحج» إليها عشرات من كتاب العالم باعتبارها اليوتوبيا الجديدة على الأرض. يمكن أن ترجع في ذلك إلى كتاب رائع هو «حجاج سياسيون» لبول هولاندر المفكر الاجتماعي الأمريكي الذي نشره بالإنكليزية طبعا عام 1981 في أمريكا وتابع فيه رحلات أولئك الكتاب والمثقفين من الغرب إلى الاتحاد السوفييتي والصين وكوبا، في ما بعد. لكن سرعان ما انكشف الوجه الآخر لهذه الثورات من نظم حكم ديكتاتورية، كافح الناس للتخلص منها وقُتلوا او اعتُقلوا. وكل الأفكار الشمولية تبشر كاذبة بعالم أفضل. فتكون النتيجة ضحايا بالآلاف قد يصلون أحيانا إلى الملايين، ثم تنتهي الفكرة إلى الزوال حتى يأتي من يقول إن الديمقراطية هي الحل، وللأسف لا يأتي في عالمنا العربي. ولماذا نذهب بعيدا؟ كل ثورات الربيع العربي كانت بحثا عن عالم أفضل على الأرض، لكنها ووجهت بالظلاميين والديكتاتوريين لتعود الأرض إلى ظلمها، ولم تحكم الثورات العربية التي نسمع عن إدانتها كل يوم. تذكرت كل هذا وأكثر منه مما قرأت أو شاهدت وكتبت للجميع عبارة واحدة هي، رغم أن المدينة الفاضلة حلم بعيد المنال، ورغم أن الإنسان يدرك ذلك إلا أنه لا يكف عن البحث عنها وكل عام وانتم بخير.. و هنا أيضا أكرر القول أيها القراء الأعزاء.
٭ روائي مصري
إبراهيم عبد المجيد