تونس ـ «القدس العربي» ـ من عبدالدائم السلامي: لا يُبهرني كثيرا النقدُ «شبه الحكومي» الذي يُكتب في المغرب وله إِعْلامٌ يُروجُ له وأَعْلامٌ يَفْتون فيه على غرار العروي وبرادة وبنيس ويقطين، لأنه نقدٌ متأففٌ من مجموعته الاجتماعية، يريد أن يكون علميا بالقوة ليُسيطِرَ على أذهان الناسِ بالفعل، وإذْ يفعل ذلك يفقد حرارةَ الحقيقة، وحرارةَ الكتابة، ويظل باردَ القراءةِ أبدًا. وتُبهرني نصوص نقدية يكتبها باحثون شباب بأُفق مفتوحٍ على عوالم الإبداع الممكنة، وبلغةٍ تعرف حدودَها وتسعى بوعيٍ جمالي وفكري إلى تجاوزها على حد ما يُقال. ومن أمثال هؤلاء أذكر الأكاديمي والناقد الثقافي يحيى بن الوليد الذي نشر ما يناهز خمسة عشر كتابا منها «الكتابة والهويات القاتلة»، و«الوعي المحلق: إدوارد سعيد وحال العرب»، و«سلطان التراث وفتنة القراءة ــ ممارسات في النقد الثقافي»، و«تدمير النسق الكولونيالي ــ محمد شكري والكُتاب الأجانب». وبمناسبة صدور كتابه الجديد «في أنماط المثقفين العرب وأدوارهم وتشظياتهم»، تقدم «القدس العربي حوارا مع الباحث يحيى بن الوليد حول تأصيل الوعي بالنقد الثقافي، ومسألة الجندر، ومدارات الوعي بالثقافة الشعبية.
خارج الكرنفال الأكاديمي
■ ما هي آفاق النقد الثقافي عربيا، ولِمَ تحول من إشكالية بحثية إلى معركة بين الباحثين حول المنهج والموضوع؟
□ أن تكون للنقد الثقافي آفاق عربيا فهذا في حد ذاته لا يخلو من قيمة معرفية تحسب للنقد الثقافي ككل. وهو نقد وللمناسبة يقوم على أصول فلسفية ومستندات نظرية وتصورية حتى لا نحصره في مجرد منهج وموضوع، خاصة بالفهم الظاهري أو البراني للعنصرين الأخيرين. وعربيا فهذا النقد تمكن من أن يلفت الانتباه إليه مقارنة مع أكثر من منهج أو نظرية تم استعمالها وبعد ذلك حصل التخلص منها كما هو معمول عادة مع موضات اللباس. وعلى الصعيد العربي ثمة أكثر من ناقد لفت الانتباه إليه من داخل خيار النقد الثقافي، خاصة في صفوف الباحثين الشباب من الذين كشفوا عن فهم مرن وموسع لهذا النقد من خارج الموضة أو التطبيق المتسرع أو الكرنفال الأكاديمي الاستعراضي. ومع ذلك لا بأس من تسجيل بعض النقص الحاصل، من قبل النقد الثقافي، على مستوى التعاطي للتراث العربي في أنماطه المختلفة وفي وحداته السياقية المتنوعة. وهذا مع أن نقادا عربا مكرسين زاولوا هذا النقد، على صعيد قراءة التراث، حتى إن كانوا غير متحمسين إليه، ربما احتراسا من السقوط في مجاراة «السوق المعرفية الغربية». وأفكر، هنا، في جابر عصفور وعبد الفتاح كيليطو على سبيل المثال.
■ كيف تساهم العلوم الاجتماعية في تأصيل النقد الثقافي العربي بدون تفريط في الأساس المعرفي والجوهر الجمالي للأدب؟
□ أولا ينبغي التركيز على النقد الأدبي في حضوره الذاتي والمستقل حتى لا يتم جره إلى ما يفارق دوائره، وبالتالي جعله مجرد تابع أو مجرد سيارة إسعاف لخدمة أطراف معرفية أخرى. غير أن الحرص على الأساس المعرفي والجمالي للأدب لا يحول دون الانفتاح على العلوم الاجتماعية من تاريخ وجغرافيا وأنثروبولوجيا وإثنولوجيا.. جنبا إلى جنب مع المناهج اللسانية والنصية بصفة عامة في سياق استخلاص الأنساق الفرعية والكبرى التي تجعل من النصوص الأدبية مجلى لها. فـ«صوت الثقافة» يلوى بالنصوص التي تنطوي على خواص جمالية ولغوية انشقاقية. وفي هذا الصدد يمكن أن أحيل على المقال الشهير لإدوارد سعيد حول الشاعر محمود درويش. مقال مضغوط، لكنه جدير بالكشف عن تداخل المعرفي والجمالي والتاريخي والإنساني في الشعر الذي ندفع به جانبا في ظل «غطرسة النوع الروائي». من منظوري الشخصي لا يمكن للناقد أن يظل حبيس تفكيك وتحليل وتقويم الأنساق المغلقة. ومن ثم ضرورة اعتماد العلوم الاجتماعية في قراءة الأدب وظواهره وفي قراءة النقد الأدبي ذاته ونقد النقد. والنقد الأدبي، في النظر الأخير، عجين مفاهيم وتصورات وإحالات… لكن بدون أن نجعل من هذه العناصر التكوينية لعمل النقاد مجرد ديكور وعكازات نظرية أو قطاع طرق بتعبير فالتر بنيامين. على الناقد أن يكون متورطا في إشكالات الثقافة والفكر… بدلا من الإطلالة من شاطئ النقد فقط. وبعد ذلك ننظر في أدائه النقدي الصرف.
الكولونيالية البيضاء
■ ما أهمية الرواية، بوصفها بنت المعمار المفتت والمسحوق، في قراءة التمــــدين المنفلت الذي نعيشه الآن؟
□ لعل هذا ما حاولت الاشتغال عليه من خلال ما نشرت من أبحاث وقراءات لبعض النصوص الروائية المغربية أو العربية مثل «باريو مالكا» لمحمد أنقار وفي دلالة على حي هامشي أو هامش كولونيالي في شمال المغرب على عهد الاستعمار، والشيء نفسه مع رواية «كرة الثلج» لعبد الرحيم جيران التي تجمع بين الاستعمار وسياق ما بعد الاستعمار من خلال مدينة الدار البيضاء التي خلقها الاستعمار وتركها للتمدين المنفلت ووحش التعمير الكاسر، وثمة رواية «هوت ماروك» التي تعنى بالموضوع نفسه من خلال مدينة مراكش التقليدية التي غير من مركزها الاستعمار وتركها للتعمير المفترس. وفي جميع الأحوال فالتمدين المنفلت من المجال القيمي المفتت والمسحوق بدوره ومن خارج أي ضرب من النظرة الميكانيكية أو السببية. وكما أن التمدين المنفلت أسهم بدوره، وبشكل كبير أيضا، في تفجير الحراك العربي. وكما أن الكولونيالية البيضاء التي ما تزال تتربص بالعالم العربي لا تعمل سوى على تجفيف الذاكرة من خلال التخريب العمد للمدينة العربية، وهذا ما حصل في العراق وما يزال يحصل في سوريا. فالمكان، في تصوري، مركزي في العمل الروائي.
■ ينصب جهدك المعرفي الآن على الحفر في الثقافة الشعبية والجماهيرية، ألا تَخشى من السقوط في تعميق الفولكلور؟
□ فعلا لقد انصب اهتمامي، في الآونة الأخيرة، على موضوع الثقافة الجماهيرية والثقافية الشعبية. وقد نشرت مقالات كثيرة في هذا المجال وعلى أمل أن أواصل نشر مقالات أخرى في إطار محور شامل هو محور «الثقافة العالية والثقافة الهابطة» والثقافة المصنفة والثقافة الوضيعة… وغير ذلك من التصنيفات التي تعكس خللا في طبيعة المقاربة ذاتها، ذلك أن ابتذال الموضوع من ابتذال المقاربة كما يقول البروفيسور الأمريكي راسل ياكوبي. والظاهر أن ارتباط الثقافة بمجالات العيش والإنتاج والصناعة والتواصل والاستهلاك… فرض عليّ هذا النوع من المقاربة. ولا أعتقد أن التعاطي للموضوع في حد ذاته يرادف تعميق الفولكلور. ونحن نعرف كيف أن عبد الله العروي بخس الثقافة الشعبية والفولكلور، بل تحدث عن المستودع البشري، وحصل ذلك في كتبه المركزية والمنتظمة في النقد الأيديولوجي والبحث التاريخي. غير أن السؤال الذي يفرض ذاته هل ما قاله العروي يعفينا من نقده؟ العروي أول من يقول بأن الثقافة الشعبية هي الثقافة الوحيدة التي تؤكد «عضويتها». الثقافة العضوية في المجتمع العربي هي بالطبع الثقافة الشعبية. ولذلك فالثقافة الشعبية في غير حاجة للاعتراف بها كقيم وطنية. وأهمية النقد الثقافي أنه لفت الانتباه إلى أهمية هذه الثقافة بل إن هذه الثقافة كانت ضمن عوامل ظهور النقد الثقافي. وطبعا ينبغي التمييز، هنا، بين الثقافة الشعبية والثقافة الجماهيرية والثقافة النخبوية. ومن ثم ضرورة توفر الناقد على مداخل وإشكاليات وتصنيفات ومخارج في التعاطي مع الموضوع.
تشظي المثقف
■ ما هي أنماط المثقفـــين العرب؟ وما أسباب تشظيهم؟
□ نعرف أن أهم أنماط المثقفين لا تحيد عن أنماط محددة لعل أهمها نمط المثقف العضوي عند غرامشي ونمط المثقف الملتزم السارتري ونمط المثقف النوعي عند ميشال فوكو ونمط المثقف المنفي عند إدوارد سعيد، وقد تكون هناك أنماط أخرى. غير أن الأنماط التي أقدمت على ذكرها جديرة بتأكيد حضور المثقف واضطلاعه بأدواره على مستوى التصدي والمواجهة، ومن موقع هدأة العقل النقدي حتى لا نحول المثقف إلى وقود في حروب ومواجهات غير ضرورية. الآن تغير المشهد، وصارت تتصدره، مشاهد أخرى وعناوين أخرى، وكان لثقافة الصورة بمواصفاتها من عبور وتفاعلية وشفوية ومرآوية… تأثير على المثقف في مجالات تدخلاته الاعتيادية. الآن راح الشارع والأنونيموس… في الواجهة. وكتابي الأخير «في أنماط المثقفين العرب وأدوارهم وتشظياتهم» يعنى بموضوع التمزق والتفتت أو التشظي الذي طال المثقف العربي خلال السنوات الأخيرة. وصحيح أنه ينبغي عدم تحميل المثقف مسؤولية ما يخص بشكل يومي وفي أكثر من اتجاه في الوقت نفسه، لكن هذا لا يعني إعفاءه من مسؤولياته الفردية والجماعية، على الأقل من ناحية عدم تقديم الاستقالة المدروسة والمريحة. وهناك أمراض المثقفين التي كانت تعنينني أكثر في إطار مقاربة ثقافية مرنة من خضوع للسلطان ومباركته، بل اختلاق هذا السلطان واستغلال الفضاء العام من أجل الظهور فيه لا أكثر وثقافة الكراهية والتدمير والإشاعة والشعبوية القاتلة والأكاديمية الشعبوية… وغير ذلك من الأعطاب التي لوت بالمثقفين وأقعدتهم على أرائك التحليل الهادئ والبارد والبعيد.
■ ما الذي تحتاج إليه ثقافــــتنا العربية لتحرير مسألتيْ الجندر والنقد النسائي مما راج عنهما من تصورات في مدونتنا الثقافية؟
□ موضوع الجندر مخيف ورهيب في الثقافة العربية المعاصرة، وبمجرد ما تقترب منه حتى تسلط عليك سيوف الأصولية بأنواعها. ثقافتنا غير مؤهلة لتداول المفهوم عبر مقاربات يفترض فيها ألا تخلو من تشخيص وتدخل. ما نزال نفهم من الجندر التخريب للقيم والمبادئ… وحتى بعض أصناف النقد النسائي أسهمت في تكريس الموقف المعادي للجندر، من خلال التفكير في استقلالية المرأة والتخلص من الرجل، بدون أدنى تفكير في إمكانات العيش المشترك وإمكانات التشارك والتداول والإنتاج والتحويل. وأظن أن الاشتغال على الواجهة الثقافية، ودونما تفريط في مبحث الجسد والجسدانية، هو المطلوب بالنظر للأنساق الذهنية التي تطبع أشكالا من التعامل مع المرأة على صعيد الواقع والخيال معا.
■ هل في إمكان الناقد الاضطلاع بدور المثقف في مجتمعه؟
□ بإمكان الناقد الاضطلاع بدور المثقف، والأمثلة كثيرة سواء في الفضاء الغربي أو العربي ومن خلال مؤسسات الدولة، أو من خارج هذه المؤسسات وبدءا من المقال «النزالي» في الجريدة والمجلة. والاضطلاع بدور المثقف قد يكون من خلال عمل الناقد ذاته، وذلك من خلال تنشيط آلة الأدب وتصعيد نصوصه المواجهة للأصوليات العمياء والهويات القاتلة والمكبوت المجتمعي والقهر السياسي. فدور الأدب وارد على مستوى التفكير في التحويل المجتمعي الملموس.