روابط الفكر والروح بين العرب و«الفرنجة»

إلياس أبو شبكة هو أحد العلامات الكبرى في النهضة الثقافية العربية منذ بداية القرن العشرين.
في هذا الوقت كانت الدول العربية، وفي مقدمتها مصر يسبق أدباؤها ومفكروها الزمن، يطمحون لبناء أوطان متحررة من عسف الاحتلال بكل أنواعه، عثمانيا ـ إنكليزيا ـ فرنسيا ـ إيطاليا، ومن عسف التخلف. وكانت بلاد الشام أحد المصادر المهمة لهذا الطموح الفكري الكبير، سواء من بقي منهم في لبنان وسوريا وفلسطين أو من رحل إلى مصر التي كانت أم الدنيا، لأنها كانت على خطى الليبرالية تستقبل كل المظلومين في العالم وكل الموهوبين. والباحث في تاريخ النهضة المصرية يعرف الدور العظيم الذي لعبه أهل الشام الذين رحلوا إلى مصر في المسرح والصحافة والسينما والغناء، وغير ذلك من الفنون، بالإضافة طبعا إلى الاقتصاد، لكن هذا ليس موضوعيا الآن بقدر ما هو إشارة إلى الإسهام العظيم لأهل الشام في نهضة مصر والعالم العربي. إلياس أبو شبكة واحد من هؤلاء الكبار في لبنان. شاعر كبير ومجدد في الشعر العربي ترك خلفه أكثر من عشرة دواوين ينزع فيها إلى الرومانتيكية متأثرا بدراسته للأدب الفرنسي، كما خلّف وراءه أكثر من خمسة عشر عملا مترجما بين القصة والمسرح والشعر وستة مؤلفات فكرية، بينها هذا العمل الرائع «روابط الفكر والروح بين العرب والفرنجة» ونشره عام 1943. أخيرا يأتي مصلح النجار أستاذ الدراسات العليا في الأدب العربي الحديث والنقد المقارن في الجامعة الهاشمية في الأردن وصاحب المؤلفات المهمة مثل البناء اللغوي للصورة في شعر محمود درويش وغيرها كثير والمبدع كاتب قصص الأطفال أيضا ليقوم بتحقيق هذا الكتاب تحقيقا رائعا لا يترك فيه شاردة ولا واردة من المعلومات والأسماء والوقائع والكتب والكتاب والحكايات، إلا ويشرحها ويفسرها لقراء تباعد بهم الزمن عن الكتاب.
أهمية هذا الكتاب الآن، وفي كل وقت في نظري، هي وضع العلاقة بين الشرق والغرب في مكانها المثمر والحقيقي، رغم ما جرى من احتلال من دول غربية لبلاد وأوطان عربية، وفي القلب من هذه الدول تأتي فرنسا التي احتلت سوريا ولبنان ودول المغرب العربي، باستثناء ليبيا، ودخلت مصر في حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798. يرى أبوشبكة أن فرنسا قياسا إلى أوروبا كانت هي المورد الحقيقي لثقافة الحرية والإخاء والمساواة، فجيوشها حتى وهي تغزو أوروبا بعد الحملة الفرنسية كانت تحمل معها آراء مفكري ذلك العصر وكتابه الفرنسيين مثل فولتير ومونتسكيو وديدرو وغيرهم، وكذلك أدبائها الكبار مثل راسين وكورني في المسرح فكانت تحرك الحياة في الدول التي تفتحها جيوش نابليون، بل وتعود منها بأعمال تتم ترجمتها إلى الفرنسية لأول مرة فيعرفها العالم. أعمال من إسبانيا وألمانيا وإيطاليا والسويد وغيرها من دول أوروبا. في الشرق كانت الحروب الصليبية بداية انتقال كثير من الأساطير والحكايات العربية إلى الأدب الفرنسي، وعاد ذلك كله إلينا مع تحرك فرنسا ناحية الشرق. ففرنسا كما يسميها أبو شبكة هي «ثدي العالم» رضعت منه معظم الحركات الاجتماعية والسياسية والأدبية، وإن كانت فرنسا قد اهتدت إلى آداب الدول الأخرى فمنها انتشرت في جميع أنحاء العالم، ولولا فرنسا ما كان لهذه الآداب من شيوع. هكذا فعلت مع إسبانيا في القرن السابع عشر، فلولا المترجمون الفرنسيون ما عرف سرفانتس المجد، ولولا مسرحيات راسين وكورني وموليير ما انفتحت أبواب الشهرة للمآسي والمهازل المسرحية الإسبانية.
وفي القرن الثامن عشر اكتشف فولتير سحر الأدب الإنكليزي ونشره في أوروبا، وفي منتصف القرن الثامن عشر شرع أدباء فرنسا يهتمون بالأدب الألماني، وهكذا مع كل آداب العالم بما فيها الآداب العربية، حيث وُلِد الاستشراق لأول مرة في الدنيا في فرنسا. ويكفي المثل البولوني «إن الله لا يسمع وفرنسا بعيدة» وهو مثل يكررونه كلما حلت بهم نكبة فلقد شخصوا مبكرا إلى فرنسا وتشربوا روحها وثقافتها. الأمر نفسه مع الأدب اليوغسلافي والمجري وغيره، حتى الأدب البرازيلي. أحاديث الكتاب كثيرة وطويلة عن هذا الأثر الفرنسي أو هذا الدور العظيم لفرنسا.
الدور الذي تخفيه الآن الحرب البائسة التي يقوم بها الإرهاب مع الغرب، باعتباره بلاد الكفار. وهذا هو سر اهتمامي بعرض هذا الكتاب، وهو أيضا سر تحقيق مصلح النجار له. لقد كان لاهتمام فرنسا بشؤون الشرق كبيرا منذ القرن السادس عشر، ففي عام 1587 أنشئ لأول مرة منبر للدروس العربية في «الكوليج دي فرانس» فكان هذا المعهد أول مؤسسة أوروبية فكرت في تدريس اللسان العربي قبل جامعة كامبريدج في إنكلترا بحوالي قرن من الزمان، ولم تقتصرهذه المؤسسة على تدريس اللغات، بل عكفت على جميع المعارف مثل الرياضيات والفلسفة والطب والجغرافيا، وعلى كل ما يفتح القلب وينير العقل. تفاصيل كثرة جدا رائعة يذكرها أبوشبكة عن دور فرنسا في التقارب مع الشرق، ومجهود كبير جدا لمصلح النجار في شرح وتفسير ما غمض من تعريفات ثقافية وأدبية وتقصي الأسماء وأصحابها وهم بالمئات من المفكرين وما قدموه وحياتهم في كثير من الأحيان، حتى ليبدو التحقيق وهوامشه أكثر من متن الكتاب في كثير من الأحوال. يتحدث عن تأثير «ألف ليلة وليلة» والأساطير والحكايات العربية الخيالية على الفرنسيين من الأدباء، وكذلك المقامات العربية، حتى جاءت الحملة الفرنسية إلى مصر ودورها الثقافي والحضاري في إدخال المطبعة والكتابة عن مصر القديمة. ويلخص أبو شبكة المسألة في القول بأن نابليون جاء إلى مصر وفي نفسه شوق إلى نفض غبار القرون عن موطن الفراعنة. فما كاد يدخل القاهرة حيث أنشأ فيها مؤسسة علمية تولى إدارتها علماء الحملة، الذين وصل عددهم إلى مئة وثلاثة وأربعين بينهم العالم والأديب والصانع. وما جرى في مصر بعد ذلك مع محمد علي من بداية البعثات العلمية والأدبية إلى فرنسا والأمر نفسه في سوريا ولبنان والتأثر بمبادئ الثورة الفرنسية في الحياة السياسية ومحاولة إقامة حياة ليبرالية، وهو عصر النهضة الحقيقي في مصر والشام حتى سقطت هذه البلاد تحت الحكم العسكري الذي أضاع كل شيء وهذا بالطبع لم يكتبه أبو شبكة الذي مات عام 1947، لكن هذا ما جرى ورأيناه. للأسف تم اختصار علاقة الشرق بالغرب بالاحتلال في مدارسنا، وكان هذا الكتاب من البواكير والأهم في بحث الجانب الحضاري ودور فرنسا فيه وهو دور لا يمكن إنكاره أبدا رغم أي احتلال. الكتاب رائع ما أحوج الأجيال الجديدة لقراءته وشكرا لمحققه الباحث والأديب مصلح النجار ولناشري الكتاب «ضفاف» و«الاختلاف» و«مجاز» فلقد أعادوا إلينا كنزا من كنوز الثقافة العربية.

٭ روائي مصري

روابط الفكر والروح بين العرب و«الفرنجة»

إبراهيم عبد المجيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية