صلاح فضل… عقل يتسع للعالم وروح للجميع

قام المجلس الأعلى للثقافة في مصر بتكريم الدكتور صلاح فضل أستاذ الأدب والأدب المقارن والناقد الأدبي الكبير، بمناسبة بلوغه سن الثمانين .
كنت خارج القاهرة لكني ابتسمت وسألت نفسي كيف يعترف صلاح فضل ببلوغه الثمانين ؟ ودارت الأسئلة في رأسي عن النقد والنقاد والأدب والأدباء . تذكرت أول كتاب قرأته لصلاح فضل . والحقيقة أني لم أنسه أبدا لسببين . إنه كان الأول في موضوعه في مصر، والثاني إني كنت أعمل في المملكة العربية السعودية عام 1978 وأخذت الكتاب معي ضمن زادي في الغربة التي لم تتكرر ولم تستمر طويلا . الكتاب هو « نظرية البنائية في النقد الأدبي الحديث «، كان هو الأول في موضوعه في مصر كما قلت، حيث نشر عام 1978 فكانت أهميته بما يطرحه من جديد ساعد عليه أن كاتبه يجيد اللغة الإسبانية ومن ثم قراءاته للأصول الأوروبية مترجمة إلى الإسبانية أو بالإسبانية كان معيار الصدق في الكتاب . للأسف كثيرون ممن كتبوا عن ذلك في مصر أو عن النظريات النقدية الحديثة من البنائية الى الحداثة وما بعد الحداثة لا يقرأون الأصول الأجنبية بلغاتها الأصلية بل أن الكثيرين يعتمدون على ترجمات عربية كثيرا ما تكون ركيكة ولا أنسى يوما جاء فيه جاك دريدا إلى مصر وفي ندوة له في المجلس الأعلى للثقافة كان يندهش كثيرا من أسئلة عن أشياء لم يقلها أو لم يقلها بهذا المعنى الذي يُسأل فيه، وكان السبب طبعا هو قراءة المقالات عنه وعن انتاجه كما نقلتها بعض الترجمات الخاطئة . صلاح فضل من البداية يقرأ بلغة أجنبية فيكون وصوله إلى نظريات النقد الأدبي الحديثة والمعاصرة أسهل وأدق . وأذكر إني ذلك الوقت قدمت عرضا للكتاب في مجلة اليمامة السعودية ـ وهنا اتوقف قليلا وأشكرالشاعر الكبير سعد الحميدين الذي أتاح لي انا الشاب المغترب ذلك الوقت بعيدا عن الرياض صفحة أخيرة أسبوعية بالمجلة بعنوان «أسئلة ثقافية تحتاج الى إجابات» كذلك الأستاذ طه علوي الصافي أول رئيس تحرير لمجلة الفيصل الذي أتاح لي أيضا كل شهرين تقريبا تقديم عرض لأحد الكتب بالمجلة ـ كانت هذه أول معرفتي بصلاح فضل التي لم تنقطع والتي قوامها قراءة ما يكتبه هذا المفكر والناقد الكبير من كتب أو مقالات . مؤكد فاتني بعضها كما يفوتني كثير من الكتب لكن استقر في روحي إني أمام ناقد أدبي ينتمي الى جيل الكبار رغم أنه بعدهم . الكبار الذين علمونا الكثير رغم أني لم أرهم مثل الدكتور محمد مندور والدكتور محمد غنيمي هلال أو من رأيتهم مثل الدكتور علي الراعي أو الدكتور شكري عياد . لم أتوقف أبدا عند مناصب تولاها صلاح فضل في وزارة الثقافة وإن كان طبعا هو في الجامعة أستاذ لأجيال . مناصب وزارة الثقافة لا يستمر فيها إلا من يظلمون قدراتهم الإبداعية ! وهو لم يفعل هذا . أكثر من عشرين كتابا كتبها صلاح فضل بعضها مقالات نقدية مجمعة تحت عناوين مختلفة للكتب ولقد تميز دائما إنه في كتبه التي تتجمع فيها بعض مقالاته لا تكون مجرد ذاكرة أو تذكار لكنها تجمع ما يجعلها توكد نظرة من نظراته ورؤيته النقدية واكتفي منها هنا بكتاب «التمثيل الجمالي للحياة» أو «اساليب السرد في الرواية العربية» أو «عين النقد علي الرواية العربية « أو «انتاج الدلالة الأدبية» أو «ظواهرالمسرح الإسباني» وغيرها كثير لا تشعر أبدا أن الكتاب مجرد وعاء لمقالات منشورة لكنه اختيار لما يكوِّن موضوعا واحدا من شتي جوانبه . وكذلك قدم الدكتور صلاح فضل كتبا هامة يكون اختيار موضوعاتها هو تجسيد لعنوانها من البداية مثل «مناهج النقد المعاصر» الذي هو خريطة للمشهد النقدي عالميا وعربيا أو قراءة الصورة وصورة القراءة» أو «علم الإسلوب مبادئه وإجراءاته « أو «مناهج النقد المعاصر» أو «تكوينات نقدية ضد موت المؤلف» أو «شفرات النص ـ بحوث سيميولوجية» أو»تأثير الثقافة الإسلامية في الكوميديا الإلهية» . وصلاح فضل ليس ناقدا فقط للرواية لكنه ناقد للشعر والمسرح والنقد نفسه ومدارسه وما وراء النقد من علوم كالفلسفة وعلم النفس وغيرها . ومعرفته بالمسرح كانت سابقة في الظهور في حياتنا المصرية والعربية حين ترجم مبكرا مسرحيات عن اللغة الاسبانية مثل «الحياة حلم» لكالديرون دي لاباركا عام 1978 و«نجمة اشبيلية» تأليف لوب دي فيجا عام 1979 و«القصة المزدوجة للدكتور بالمي» لبويرو باييخو عام 1974 و«حلم العقل ودون كيشوت» لبويرو باييخو أيضا عام 1975»
وغيرها . ولقد شهد المسرح القومي المصري في السبعينيات تمثيل بعضها . كتب صلاح فضل كثيرة وتستحق دائما القراءة والدراسة فدوره التنويري كان حافزه ومن ثم تعددت القضايا التي ناقشها فنيا وأدبيا تفتح المسالك لمن يريد المعرفة الحقيقية بمعني وقيمة الإبداع في مصر والعالم العربي والعالم . كذلك كان يفعل جيل الرواد الكبير . الإحساس بأن دورهم يمتد ليشمل كل جوانب الروح في الحياة وهي الجوانب التي تصنع بعد ذلك الحركة العقلية للبشر وتجلياتها المادية التي يكون شعارها البحث عما هو أفضل . بالطبع تولي صلاح فضل مناصب كثيرة سواء كأستاذ جامعي أو لكونه مفكرا وناقدا كبيرا مثل عمله كمستشار ثقافي لمصر في إسبانيا ومديرا للمعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد أو عميدا للمعهد العالي للنقد الفني في أكاديمة الفنون في مصر وبالطبع بسبب القدرة العلمية والثقافة المنفتحة علي العالم صار استاذا زائرا لكثير من الجامعات العربية وشارك في لجان ثقافية وعلمية كثيرة في مصر وخارجها وفي تأسيس والمشاركة في تاسيس مجلات هامة مثل مجلة «فصول» المصرية . الحديث عن ذلك يطول والمعني الوحيد منه انه وهو يكتب كان لا يتواني عن العمل في نشر وانتشار الثقافة الجديدة والمعاصرة ويفتح أبواب التاريخ بالدراسات والمؤتمرات علي ما يضيف إلى العقل العربي . طبيعيا جدا أن يتم اختياره عضوا بالمجمع العلمي المصري وقبله مجمع اللغة العربية .
بعد ثورة يناير عام 2011 ظهر اسم الدكتور صلاح فضل ضمن لجان حملت اسماء مثل الحكماء أو تجديد الخطاب الديـــــني كنت أعرف وأشعر أن صلاح فضل الذي دائما دائرته في العلوم النقدية والفكرية يمكن أن يكون إضافة، لكن ما يحدث هو سياسة وكنت أدرك أن طاقته الروحية سوف تترك هذا و تبتعد عنه . كان وما زال ما يهمني ويسعدني دائما من صلاح فضل هو دراساته ومقالاته المنفتحة علي العالم ومتابعته التي لا تنقطع لأصوات كثيرة جدا من الأدباء عبر الأجيال . طبيعي جدا ان يسقط منه اسم أو اكثر لكن ذلك من كثرة الأدباء لا موقفا من أي منهم . كما أن الكاتب الذي يتمتع بحرية اختيار موضوعات رواياته أو قصائده أو تجليات فنه عموما عليه أن يعترف بحرية الناقد في اختيار من يكتب عنه . وأعود الى البداية كيــــف حقا يعــترف صلاح فصل ببلوغه سن الثمانين ؟ وأدعو له بالصحة وطول العمر.

روائي مصري

صلاح فضل… عقل يتسع للعالم وروح للجميع

إبراهيم عبد المجيد

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية