بيروت ـ «القدس العربي»: إلى بدايات القرن السابع حين اختارت «مورين» حياة العبادة الكاملة نقل الفيلم الذي حمل اسمها المشاهدين. فيلم أبحرت حكايته ومشهديته عميقاً في التاريخ. «مورين» فيلم لبناني انطلق مؤخراً في الصالات، بعد حفل افتتاح في مجمع ABC فردان فاق حضوره المتوقع ففتحت له 6 صالات. يكشف الفيلم عن إنسانة عاشت على أرضنا وذاقت مرارة الظلم، دون أن يثنيها عن تصميمها بالعيش في الدير. تضحية مطلقة من فتاة تنكرت في زي رجل رغبة بالتقرب من الله. عمل سينمائي يحمل كامل صفات الجودة، حكايته تعني الإنسانية لمضمونها، وليس فئة دينية محددة. وله أن يجذب عشاق السينما نظراً لنوعية صورته واخراجه.
«مورين» إذاً حكاية إيمان إنساني، جُسدت على الشاشة بصورة مقنعة، مما أدى لتضامن كامل معها رفضاً للظلم. ظلم بلغ ذروته حين طال طفلاً. سواء قالت قناعتنا بأن زمن العجائب قد أفل، أو هو لم ينوجد أصلاً، فقد تمنى المشاهد بشغف عجيبة تنقذ الطفل من جوعه، و«مورين» من عذابها.
الفيلم أخرجه طوني فرج الله، وجمع أسماء مميزة في التمثيل منهم منير كسرواني، منير معاصري، تقلا شمعون، أويس مخللاتي، غسان مسعود، حسن فرحات وآخرين. ولعبت دور مورين الصعب لإرتكازه على المشاعر الداخلية كارمن بصيبص. ومما يسجل للفيلم أن كافة ممثليه ظهروا على طبيعتهم دون حاجة لزيادة عمر أو نقصانه عبر المكياج.
مع تقلا شمعون التي لعبت دور «رحيل» هذا الحوار:
○ لماذا الآن تجسيد الظلم الذي لحق بـ«مورين» في السينما؟
• رغبنا بسينما تحاكي الإنسان ببعده الروحي. فالسينما التي تحاكي البعد المادي كثيرة. أردناه متميزاً بتقنية عالية، ويحمل أدوات تعبير سينمائي جيدة، يجذب المتلقي خاصة الجيل الشاب. قررنا من البداية اعتماد الإتقان في الصورة، الديكور، الملابس، أي تجسيد مصداقية كاملة تنتمي للقرن السابع. أما الحكاية من حيث الصياغة والسيناريو، فكما لاحظتم ليست على صلة بالتبشير ولا بغسل الدماغ، ولا الوعظ أو الإرشاد. لا نؤمن بسينما تسوق لأفكار تعلّم وتوجّه. بل هي محاولة طرح مفهوم آخر للشاب والفتاة حول ماهية وجوده على هذه الأرض، أياً كان دينه، إيمانه أو تفكيره. من هنا كان خيار هذه الحكاية التي ينطبق عليها مفهوم الأسطورة لغرابة أحداثها، ولأنها قصة موجودة في كافة مكتبات العالم. أفضت الأبحاث لتأكيد وجود فتاة اسمها مارين أو «مورين» بالسريانية، اللغة السائدة في زمنها. هي الصبية التي اختارت العيش في الدير متنكرة بزي فتى. تتبعنا أثر الحكاية، والمؤرخين الذين وثّقوا في مخطوطاتهم أحداثاً حقيقية. تم ربط تلك الأحداث بين لبنان، فرنسا وايطاليا. وتمّ الوصول إلى جثمانها، ونبحث حالياً بكيفية إعادته إلى لبنان، من حيث هو في مدينة البندقية، وفي كنيسة سانتا ماريا دو فورموزا تحديداً.
○ وماذا عن ولادتها؟
• ولدت في القلمون على الشاطئ. لهذا تمّ انشاء القرية للتصوير على البحر. ثم انتقلت إلى وادي قنوبين لتعيش في شمال لبنان.
○ كون الحكاية موجودة على مستوى العالم فهل تعتقدين أن التقنية العالية التي تميز بها الفيلم التاريخي ستؤهله للخروج أبعد من النطاق العربي؟
• نتواصل مع مهرجانات عالمية ونأمل عرضه عبرها. نهتم جداً بالتواصل مع اللبناني المغترب عبر هذا الفيلم. فمن فقد علاقته بوطنه يمكن أن يتعرف إليه من خلال صورة جميلة تحمل مقومات سياحية مهمة. كما أن الفيلم دليل على مدى تجذر الإنسان بهذه الأرض.
○ وماذا عن الظلم المتمادي الذي ترك مئات آلاف البشر يحملون صليب العذاب حتى أيامنا هذه؟
• أحكام البشر ناقصة وغير عادلة والظلم دائم الوجود ولن يزول. القوة في أن يجعل الظلم من الإنسان تواقاً لمراحل متقدمة من الإرتقاء فوق السخافات التي تدفعنا للغرق في الشر والخطيئة. قبول الظلم ذهاب نحو مكان آخر من تطهير الذات لتنال مراتب عليا في السماء.
○ دائما يُصبّر المعذبون في الأرض بوعد الآخرة والجنة؟
• نواجه حروباً لقتل المفاهيم الدينية والروحية التي نشأنا عليها، إلى جانب المفاهيم الأخلاقية والاجتماعية كذلك. هي الحرب الفتاكة أكثر من المدفع. وفي العولمة نواجه اجتياحاً من نوع آخر يهدد هويتنا وكياننا بالعمق.
○ من طفولتها تجسد «مورين» تعبداً مطلقاً لله وتسأل عن التميز بين المرأة والرجل في أحياء الطقوس الدينية؟
• في ذاك الزمن كان العلم وبيت الرب ممنوعان على الفتاة كي لا تدنسه. وممنوعاً عليها التنسك في بيت الله. بعد «مورين» تبدلت الأمور وباتت رهبنة الفتيات متاحة. قادت «مورين» ثورة صامتة، حملت صليبها وقبلت القصاص، وبعد موتها تغيرت الذهنية وصار الدير الذي عاشت فيه للرهبانيات الأنطونيات في وادي قنوبين.
○ ألم يكن الكهنوت ظالماً بحق «مورين»؟
• بعضهم يفهم الديانة المسيحية كقانون قاسي. وبعضهم الآخر يفهمها ديانة رحمة، محبة، غفران وتسامح. فيلم «مورين» يُظهر هذين الوجهين المختلفين بين من يحمل الرحمة، ومن يحاسب على أساس الناموس. وفي خلال المحاكمة سمعنا والد مورين يسأل: ماذا يبقى من الكنيسة إن فقدت لمسة الأبوة؟
○ تميز الفيلم بدرجة عالية من التقنية الفنية والصورة المقنعة. في رأيك صدقية مشهد مورين والطفل أثّرا بأمنية حصول عجيبة إدرار الحليب؟
• في رأيي هي قدرة المخرج على شحن المشهد تعاطفاً وتضامناً وصولاً لطلب الأعجوبة. أثناء البحث وجدنا كتابات تقول «وأرضعت طفلها» أي أن الله أعطاها نعمة الحليب. ولهذا باتت «مورين» شفيعة كل امرأة تخونها الرضاعة، فتصلي لها.
○ لماذا بنيت القرية للتصوير في الناقورة؟
• لأن القلمون الآن منطقة حديثة ومكتظة، وفي القرن السابع كانت القرى غاية في البساطة. بنيت القرية في الجنوب قريباً من الناقورة. فبعد بحث طويل وجدنا المكان مناسباً للغاية.
○ هل «مورين» مغامرة مشتركة بينك وبين طوني فرج الله؟
• نعم مغامرة. خضنا في عمل جميل وصعب في آن. كنا معاً مصممين على عمل ذي مصداقية، وهذا تطلب جهداً بلغ الإرهاق. ليس معنا جهة منتجة وقدمنا عملاً في غاية الإتقان والضخامة. ربما يتطلب هذا الفيلم بين أربعة أو خمسة ملايين دولار كإنتاج. تواصلنا مع منتجين فخافوا الصبغة الدينية. بعضهم سأل أين سيسوق؟ منحتنا الدولة 10 آلاف دولار من موازنة مليون و200 ألف دولار، وصرف الشيك بعد سنة ونصف، وبعد أن فتحت وزارة المالية كافة ملفاتنا للعرقلة. شاركنا في الإنتاج مارون خوري، ماري الشدياق، جمعية مرتا ومريم، والعبء الأكبر علينا. نعم مغامرة لأننا مولنا الفيلم من الدم الحي، ولم نتوان عن رهن ما نملك لمتابعته. أمنيتنا أن لا نصل إلى السجن، وأن نتمكن من تسديد القروض. يهمنا أن يلعب الفيلم الدور الذي أردناه له سواء على مستوى الإنسان، الهوية، المواطنة الصحيحة، التمسك بالأرض وتحفيز صورة لبنان في الخارج. فهم يرون أننا لا نملك الفن الصحيح ولا الصورة الصحيحة.
○ بأي هدف جاءت مشاركة غسان مسعود وأويس مخللاتي وباللهجة السورية؟
• في الأبحاث أن من أسسوا الأديرة في وادي قنوبين رهبان أتوا من حلب. صدقية العمل تستدعي وجود سوريين فهذا النسيج كان قائماً.
○ هل تعتقدين أن المجتمع اللبناني راغب في هذا النوع من الأفلام في هذه المرحلة؟
• ومن قال أن المجتمع اللبناني راغب فقط في الضحك؟ نحن مسؤولون عن الجمهور. نحن من يزرع بذرة الوعي لديه نحو الثقافة والفن الحقيقي، وليس بذرة السخافة. لست مع مقولة النق المعهودة «عشنا حربا أهلية. عندنا أزمة اقتصادية. تعوا نسّونا وضحكونا» إلى آخره. الأمهات يروين الحكايات لأطفالهن ليس من أجل اضحاكهم ودفعهم للنسيان، بل أخذهم إلى واقع متخيل. وللدراما الوظيفة عينها بشرط أن يتم لمس بذور الجمال والإبداع في هذا الواقع المتخيل، وكذلك الأفكار التي تسمح بمزيد من الأسئلة وتالياً فهم ماهية الوجود، والتوق نحو الأجمل.
○ ما هي العقبات التي واجهت إنجاز الفيلم؟
• أكيد التمويل. بلغنا منتصف الطريق ونفد المال. وكنا مسؤولين عن فريق عمل من الخارج نستضيفه على حساب الفيلم. التوقف مستحيلاً، فكان قرار رهن ما نملك للحصول على قرض للمتابعة. الفن الحقيقي وفي موضوع مغرق في التاريخ كان صعباً خوضه مع فريق يختبره لأول مرة.
○ هل سيكون للصالات نفس طويل في منح الفيلم حقه من العرض؟
• هناك تعاطف من الصالات معنا. قدروا قيمة الفيلم، ويقومون بالممكن لخدمته وكي يحضره عدد كبير من الناس، وليبقى أطول وقت ممكن في الصالات، وإن شاء الله خير.