تشكّل الذاكرة، الفردية والجمعية الأساس الأهم في حفظ التراث لدى الشعوب: التراث الثقافي من قوانين وآداب وموسيقى. ينتقل التراث من الآباء إلى الأبناء شفاهاً، وقد يتعرّض عبر الأزمان إلى تحوير أو تبديل، بل إلى طمس ونسيان. وقد يكون من حظ البشر أن هذا التراث الشفوي يتيسر له من يسجّله كتابةً أو نقشاً.
وأول مثال يحضر إلى الذهن هو «مسلَّة حمورابي» الملك السادس في بابل (1792 ـ 1750 ق.م) يرى الباحثون أن هذه المسلّة التي تضم 282 مادة قانونية تعالج جميع مشاكل الحياة والعقوبات على المخالفين وتعويض المتضررين من أفراد الشعب، وهي تجمع القوانين التي كانت سائدة من قبل نسخها، مما يشير إلى أن ما سبقها من قوانين كانت معروفة ومتداولة شفاهاً، كان يمكن لها أن تضيع لولا تسجيلها على حجر صوّان بحجم طول إنسان.
وفي جاهلية العرب كان الحفظ هو الذاكرة لقصائد ضاع أثرها لأنها لم تنل شرف التسجيل والتعليق على أستار الكعبة، المكان المقدس في الجاهلية، وأكبر دليل على تقديس الكتابة وسيلة لحفظ التراث. ولكن كم من القصائد لغير أصحاب المعلقات حفظتها الذاكرة إلى حين، ثم ضاعت بضياع أصحابها؟
يروى عن أبي نواس أنه قال «ما نطقتُ بالشعر حتى حفِظتُ لستين من شاعرات العرب، فما بالك بالشعراء!» لكن أبا نواس «لم يسجل» هذه الأشعار ولا أسماء الشاعرات، بل بقي ذلك كله في ذاكرته، وغابت بغيابه. فلو أنها بقيت مسجّلة لعرفنا شعر شاعرات غير الخنساء وأخريات قليلات، لا يبلغن الستين عدداً.
وثمة كتاب عجيب «يسجّل» من ذاكرة راوية يصعب تصديقها اليوم، وربما قبل اليوم كذلك. هذا «كتاب التيجان في ملوك حِميَر» وجِدتْ أقدم نسخة خطية له في حيدر آباد في الهند، تعود إلى العام 1034 هـ/1623م، في خزانة «إدارة المعارف العثمانية» بخط أبن الإمام شرف الدين الذي كان سجيناً «لسبع سنوات في قصر صنعاء». وثمة نسخة مخطوطة أخرى في المتحف البريطاني «المكتبة البريطانية» تعود إلى العام 1031هـ/1621م. يمثل الكتاب ميلاد فجر القصة العربية. والراوية رجل طاعن في السن إتخذه الخليفة معاوية جليساً في سهراته الليلية، يحدثه بما حفظت ذاكرته من أخبار ملوك اليمن في العهود الغابرة، أعمالهم وغزواتهم وحروبهم وأيام العرب البائدة، والعاربة والمستعربة. وأغلب ذلك في كلام منظوم لا يرقى إلى مرتبة الشعر، لكنه «كلام موزون مقفّى» يشوبه الكثير من الأخطاء في اللغة والوزن والإملاء، ربما بسبب ضعف الناسخ في اللغة والإملاء. ويقع الكتاب في أكثر من خمسمئة صفحة، وقد حقّق المخطوطة ونشرها الدكتور عبد العزيز المقالح في صنعاء، عام 1979 وذلك عن مخطوطة الجامع الكبير بصنعاء، تعود إلى العام 1347 هـ/1928م.
يذكر ناسخ المخطوطة أن الراوية قد قرأ حوالي 170 مخطوطة عن تاريخ العرب منذ أيام اليمن القديم، وأنه يعيد سرد تلك القصص عن ملوك العرب الأقدمين وممالكهم. وأسلوب الكتاب يحاكي قصص القرآن الكريم، بدءاً بخليقة آدم وحواء وقصة الطوفان والأنبياء الأولين وقصص الملك سليمان والكثير من المعروف من القصص الديني. والطريف في كل هذه القصص أسلوبها المشوِّق الذي لا يخلو من أساطير يصعب تصديقها، ولكنها كانت مسلِّية لمعاوية ومجالسه الليلية. والملاحظ كذلك أن القسم الأكبر من هذه التواريخ جاء نظماً، تساوقاً مع ميل العرب في جميع الأزمان إلى الكلام المنظوم المقفّى. والذي يصعب تصديقه هو كيفية احتواء ذاكرة الراوية على كل هذه التفصيلات عن الملوك باسمائهم وتواريخ حكمهم وأوصاف حروبهم وغزواتهم، وبالكلام المنظوم كذلك.
لكن الكتاب مجموعة من القصص التاريخي، حفظتها ذاكرة الراوية، وكأن تسجيلها في كتاب قد حفظ هذا التراث من الضياع. ووضع أمام الباحثين اللاحقين والمعاصرين فرصة للتحقيق والتوسع في أخبار تراث كان يمكن أن يضيع.
وثمة قيمة خاصة في تسجيل التراث من الذاكرة، إضافة إلى الحفاظ عليه من الضياع أو النسيان، وذلك في ما ذهب إليه كثير من الباحثين من أن قصص التوراة تتشابه تشابهاً عجيباً مع ما ورد في قوانين حمورابي التي سُجلت قبل كتابة «العهد القديم» بقرون كثيرة، وأن سكان بابل حيث كُتبت التوراة أثناء السبي البابلي كانوا على علم بتلك القوانين، إضافة إلى علمهم بقصص الطوفان وبقية التراث الرافديني، الذي يتردد الكثير منه في أسفار العهد القديم. وهذه الحقائق تلقي ظلالاً كثيفة على دعاوى اليهود أن التوراة قد أنزلت على موسى وحياً من الله على جبل الطور. فخروج موسى من مصر الفرعونية وبقاؤه ويهود مصر أربعين سنة في صحراء سيناء يسبق السبي البابلي بقرون كثيرة. والدراسة المقارنة بين الأدب الرافديني ومسلة حمورابي مع قصص العهد القديم تثبت مدى تأثر اللاحق بالسابق، على الرغم من «الرتوش» التي أضافها كتبة أسفار العهد القديم على الأصول التي استقوا منها. وإذا كانت هذه المقارنة تثير جدلاً يتخذ طابعاً دينياً عنيفاً، فإن قصص تواريخ العرب القدامى مما يرد في «كتاب التيجان في ملوك حِميَر» لا يثير مثل هذا الجدل، مع أن الأمر في الحالين قصص حفظتها الذاكرة، وسجلت في الغالب. وفي «كتاب التيجان» كثير من المعلومات الطريفة التي كانت ستضيع لولا تسجيلها من جانب ذلك الراوية عجيب الذاكرة. منها أن عرب اليمن القدامى كانت لهم أسماء خاصة بايام الأسبوع: الأحد = يوم أول، الإثنين = أهوَن، الثلاثاء = جبّار، الأربعاء = دبّار، الخميس = مؤنس، الجمعة = عروبة، السبت = شبّار. (ص 397 من الكتاب).
وفي مجال حفظ التراث الموسيقي نبدأ مع الكِندي، العالم الفيلسوف العربي الإسلامي (805 ـ 873م) المولود في الكوفة بالعراق، مثل المتنبي، الكندي الكوفي كذلك. عاش الكندي في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد في عهد المأمون الذهبي أيام نشاط «بيت الحكمة». كان الكندي أول من أدخل كلمة «موسيقى» على العربية، ومنها انتقلت إلى الفارسية والتركية. وكان أول من صنع السلّم الموسيقي باثنتي عشرة نغمة، وأضاف نغمة «الثُمن» وكان بذلك أفضل من اليونان. ولا نعرف إن كان المغنون والموسيقيون العرب منذ أيام الكندي يضعون الإشارات الموسيقية (النوتات) أمامهم كما يفعل موسيقيو اليوم، أم أنهم حفظوا تلك السلالم وصاروا يغنّون ويعزفون موسيقاهم من الذاكرة. ومتابعة الغناء والموسيقى في بلاد العرب اليوم تشير إلى غياب العلامات الموسيقية مكتوبة أمام المؤدّي، لأنه كان يعزف أو يغنّي «من الذاكرة» سواء كان الأداء فردياً أو جماعياً. وقد شهدتُ ذلك شخصياً أيام الشباب، يوم كنتُ أحضر جلسات حلقات الذكر الصوفية، وما يصاحب أيام رمضان من تواشيح تؤدّيها مجموعات من المنشدين بصوت واحد، لا يصاحبه توجيه، سوى بعض التصفيق الهادئ واهتزاز الجسم في حالات الوجد الصوفي. و«المالوف التونسي» خير دليل على ذلك وهكذا حفظت الذاكرة أنغام الموسيقى والغناء العربية التي انتقلت بعد الأندلس إلى الشمال الأفريقي.
وفي العراق كذلك لدينا «الملاّ عثمان الموصلي» (1854 ـ 1923م) الذي فقد بصره في طفولته يوم انتشار مرض الجدري في المنطقة. لكنه كان صاحب صوت رخيم وعازف عود متميز. وقد طاف في العراق وبلاد الشام يعلّم فنون تلاوة القرآن والغناء والموسيقى. يروى أن سيد درويش المصري تلمَذَ للموصلي في دمشق، وأخذ عنه لحن «زوروني كل سنة مرة» ولحن «طلعت يا محلا نورها». ويروى عن الموصلي أنه مرّ ذات يوم في «عقد النصارى» ببغداد (الذي ما يزال قائماً يحمل الاسم نفسه) يقوده صبي، وهو يتوكأ على عصا غليظة، فسمع صوت عزف على العود، فقال للصبي: هذا العازف قتلني. فاقترب إلى باب دار ذلك العازف وطرقه بعصاه الغليظة صائحاً: «يا عازف العود: الوتر الرابع في عودك قد ارتخى، ويقتضي الشدّ». أية ذاكرة هذه تقود أعمى!
عبد الواحد لؤلؤة