بيروت ـ «القدس العربي»: غابت «ناتالو» الشخصية التلفزيونية المحببة لسنوات، وإذ بالممثلة ناتالي نعوم تعود إلى المسرح بـ«لورا». السيناريو نقدي اجتماعي سياسي تناول الطوائف المسيحية في لبنان وحمل عنوان «من كفرشيما للمدفون». عودة نعوم بـ«لورا» شكلت مفاجأة غير متوقعة للجمهور الذي أحب عفويتها وخفة ظلها، خاصة وأنها على المسرح للمرة الأولى. لم تبدل «لورا» ولا كفرشيما والمدفون ناتالي، فهي تؤدي ذاتها دون تكلف.
اللقاء الذي جمع صدفة بين نعوم والكاتب والمخرج المسرحي يحيا جابر ساعده في اتمام واجباته الفنية بنقد الطوائف التي يتشكل منها المجتمع اللبناني. بعد «طريق الجديدة» مع زياد عيتاني، و«اسمي جوليا ومجدرة حمرا» مع انجو ريحان، أكمل جابر ثلاثية السنة، الشيعة والمسيحيين من موارنة وروم ارثوذوكس مع نعوم. وبقــي في ذمـته واجب الموحدين الدروز.
«من كفرشيما للمدفون» عُرفت خلال الحرب الأهلية بالمناطق المسيحية. تعاون يحيا جابر وناتالي نعوم في كتابة سيناريو واقعي، منطقي وبعيد من التجريح. حس الفكاهة الموجود في نص يحيا جابر ارتفع معدله مع شخصية ناتالي نعوم المميزة. عرض مسرحي يستمر في تياترو فردان عشية كل أربعاء وللأشهر الخمسة المقبلة.
مع ناتالي نعوم هذا الحوار:
○ عادت ناتالي نعوم إلى الجمهور بمونولوغ الحرب والخيانة الزوجية والاجتماعية. أليست عناوين كبيرة بعد اسكتشات تلفزيونية ناعمة وخفيفة؟
• حتى العناوين والموضوعات التي ذكرتها نقدمها ضمن اطر ناعمة وخفيفة. ربما هي عناوين كبيرة، لكننا تناولنا الـ»لايت» منها، وتم تحويله إلى كوميديا. دون شك شكل حضوري على المسرح مفاجأة صغيرة. فمن توقع مشاهدة «ناتالو» التلفزيونية، شاهدها مع قدرات تمثيلية مضافة وجديدة على المسرح.
○ وجدت قبولا في تجربتك المسرحية الأولى هل تفاجأت بدورك؟
• الحمد لله الحضور في المسرح كامل، والتعليقات إيجابية. لكن كثر قالوا أن حضوري الحالي فاجأهم. فرحت بالتعليقات، فمن المهم أن يتجدد الفنان. وهذا شحنني دون شك بالحيوية والحب خلال العروض. نعم هي تجربتي المسرحية الأولى قرأت في إقبال الجمهور رغبته في مشاهدتي بعد غياب ثماني سنوات. بنيت مع الجمهور علاقة متينة عبر شاشة التلفزيون ولم ينسني. فقد دخلت منازلهم من خلال الكوميديا.
○ تمثلين وكأنك تشربين القهوة مع الجيران؟
• هذا أنا. من يراني يسارع للقول «يي أنت متل التلفزيون». نعم هذا صحيح، فأنا لم أمثل مرة دوراً لا يشبه شخصيتي. هذه الشخصية العفوية تريحني، وتحفزني لمزيد من العطاء، ومعها أكون حقيقية وصادقة. فأنا لا أتكلف ولا أبذل جهداً لأستخرج من ذاتي مشهداً، بل تنساب حركتي طبيعية. فهذه أنا.
○ هل لأحدهم قدرة تعكير مزاج ناتالي نعوم؟
• بلى. أنا شخص يبحث في التفاصيل. ومن لا يهتم بها ويقول «يللا مشينا» يُعكر مزاجي. أبحث عن الكمال في أي مهمة أقوم بها.
○ لماذا بدأ العرض بتذكير الجمهور بـ«نتالو» التي كانت تردد على الشاشة الصغيرة «كيس سمسم كيس سماق» وتخطئ بلفظ حرف الس؟
• في رأيي أتى الجمهور إلى المسرح معتقداً أنه سيرى «نتالو». ذكّرتهم بالشخصية التي يعرفونها وأكملت المسرحية دون ذكر لها. شخصياً أحب «ناتالو» لأنها أنا.
○ تظنين أن جمهوراً جديداً قصد «تياترو فردان» لأجلك؟
• أكيد. نقدم مسرحية «من كفرشيما للمدفون» وهي تتحدث عن البيئة المسيحية. أعرف من المحيط الذي أعيش فيه عدم تنقلهم بين المناطق دون حاجة ضرورية. كثر حفزتهم المسرحية لزيارة شارع فردان.
○ بما أن بعض اللبنانيين لا يتنقلون بين المناطق فهل ستقدم المسرحية في جونية مثلاً؟
• نعم هذا هدفنا خلال الصيف المقبل، حينها تصبح جولة المسرحية مطلوبة.
○ يبدو أن تعاونك مع يحيا جابر أتى إلى مسرحه بجمهور جديد وماذا عنك؟
• تضحك وتقول: هو أيضاً أخذ بيدي إلى مكان فني جديد. لم أفكر في حياتي أنني سأكون يوماً على خشبة المسرح.
○ طبعك خجول، هل وافقت على كلمات واضحة ومباشرة عن الجنس؟
• انتبهت جيداً إلى ما سأقوله. وما قلته جاء في مكانه الطبيعي، والأهم أنه لم يصدم المتلقين. ابتعد عن الإبتذال، وعندما أراه في عمل فني ما أشعر بالقهر. ما قلته في مسرحية «من كفرشيما للمدفون» مرّ سلساً، وقد تناول عمر المراهقة. وما ورد طبيعي جداً لدى كافة المراهقين.
○ هل كتب يحيا جابر بناء لمقاس طباعك الإنسانية اللطيفة؟
• يمكنني القول انه خاط النص على قياسي. عندما كنا بصدد قراءة النص، كنت أردد على مسمعه «هذه الجملة أقولها بشكل مختلف». فيطلب أن أكتبها كما أقولها. ككاتب دخل جابر كثيراً في التفاصيل، فهو أرادني في راحة تامة مع كل جملة أقولها. وبعد قرار العمل معاً، استغرقت كتابة النص بحدود الستة أشهر. ويمكن التأكيد أن قسماً كبيراً من النص ناتج عن تجارب عشتها خلال الحرب. وكان طبيعياً أن نتشارك الكتابة، فيحيا جابر لم يعش في المناطق المسيحية. طرح عليَ الكثير من الأسئلة، وطلب كتابة ما يمكن ضمه إلى السيناريو. كتبنا الكثير من الأفكار، وعمل يحيا على ربطها في سياق مسرحي.
○ ناتالي نعوم الاكتشاف الثالث ليحيا جابر بعد انجو ريحان وزياد عيتاني متى كان اللقاء؟
• كنت بصدد تصوير حلقة تجريبية من برنامج تلفزيوني لم يصل بعد إلى الهواء. وهو من إنتاج شركة شوت بروداكشن لفراس حاطوم. يحيا جابر من الأسماء التي طُرحت للإعداد، واللقاء بيننا كان الأول عملياً خلال البرنامج. بعفويتي المعهودة ألقيت عليه تحية الصباح وسألته عن حاله، ومباشرة أضفت: «ايمتى بدك تعمللي مسرحية»؟ بعد تبصر بي لثوان قال: «يللا». بعد أيام اتصل بي لنلتقي على فنجان قهوة سألته «كرمال البرنامج»؟ رد: لا «كرمال المسرحية».
○ كم حمّسك عرض مسرحي يشرّح طوائف لبنان خاصة المسيحية منها. ألم تترددي؟
• لم أتردد أبداً. اشتغلنا على النص حتى بات شبيهاً بالحفر والتنزيل. لم يكن التجريح وارداً، ولم يكن تحميل المسؤولية واردا. اتسم النص بالموضوعية، لهذا لم أخف مطلقاً. السيناريو ليس مخترعاً بل حقيقة.
○ هل فاجأك يحيا جابر بـ«حاوز الدحدللي» بدل التباريس؟
• قراءات يحيا جابر أفضت لإكتشاف يقول ان التباريس كانت تُعرف بهذا الإسم. من يحيا جابر تعلمت الكثير، فهو على ثقافة ومعرفة عالية. الكتابة الأولى للمسرحية وصلت إلى 100 صفة ونتجت من كثرة الأبحاث، في حين نحتاج فقط لـ28 صفحة لساعة ونصف من العرض.
○ كفرشيما بلد الفنانين والفن أكثر منها حدود تقسيم. عملياً كم أنت فخورة بكفرشيما وفنانيها؟
• انها تحية خاصة لكفرشيما فهي حقيقة نبع فنانين، والتحية الأكبر للراحل ملحم بركات. وقد اخترنا كثيراً من أغنياته المناسبة للسيناريو. كفرشيما التي أريد لها أن تكون حدوداً للتقسيم، أردنا تعريفها من خلال الفن الراقي الذي ميز فنانيها. أكثرنا من أغنيات ملحم بركات تحية له، فهو قيمة فنية وطنية. مع تلك الأغنيات تميزت المسرحية ببعض النوستالجيا، خاصة مع فليمون وهبة، وحليم الرومي، عوصام رجي وماجدة الرومي. كفرشيما «مش هينة».
○ وجد جدك «مخايل» حلا لدعم المسيحيين عددياً بتعدد الزوجات فما رأيك؟
• في هذا الشرق يتكامل المسلمون والمسيحيون، وليس لأي منهما التواجد دون الآخر. تناولنا هذه المسألة في المسرحية نظراً لتناقص عدد المسيحيين سواء عبر تهجيرهم، أو من خلال هجرتهم الاختيارية.
○ قلت في ختام العرض أنك لا تعرفين «لورا ولا جبرايل» فماذا قالت لك معرفتك بيحيا جابر؟
• يحيا جابر من اخترع هاتين الشخصيتين، ومن خلال «لورا» وصلت إلى المسرح. هي مغامرة جديدة كلياً أخذني إليها الكاتب والمخرج. كما أنها تحد كبير أدخلني إلى عالم جديد أفرحني بعمق. من جهتي لن أكتفي بهذا العمل مع يحيا جابر، وآمل أن نخوض معاً مغامرة مسرحية جديدة.
○ هل ترتاحين للمونولغ على المسرح؟
• جميل، ومرغوب في أيامنا. يمكن التفكير بنوع جديد من المسرح بعد أن تصبح لدي ركيزة ثابتة. فقد قال لي يحيا جابر أني أمتلك طاقات تمثيل كبيرة. وردد أمامي أكثر من مرة «ولو كل هذه السنوات ما انتبه حدا لقدراتك». ويقول لي كذلك «عفويتك هي التي ستربح في النهاية».
○ هل تحسرت للسنوات التي كنت فيها بعيدة عن الأضواء؟
• أبداً. كنت أعمل في التلفزيون، إنما في الكواليس واعداد البرامج والإنتاج. هي خبرة كبيرة اكتسبتها تخولني العمل في الكثير من الأماكن. بت قادرة على اعداد أي برنامج وبسهولة تامة.
○ لماذا أنت بعيدة عن الدراما؟
• بصراحة لم أتلق أي عرض.
○ وماذا عن عروض المسرحية؟
• مستمرة كل أربعاء وعلى مدى خمسة أشهر في تياترو فردان.
○ هل من جديد لحضورك في التمثيل؟
• جاهزة لمناقشة أي عرض. هو قول طبيعي، فأنا كممثلة لا أقفل بابي.
○ ما هي البرامج التي عملت في إعدادها؟
• في السنوات الخمس الأخيرة عملت في إعداد برنامج «ببيروت» لقناة «أل بي سي» الفضائية اليومي ويتضمن تسعة ضيوف. برنامج استهلك الكثير من طاقتي، لكنه عرّفني إلى الكثير من الناس. وأتاح لي السرعة في تحضير بروفايل أي ضيف وبأي لحظة يصل إلى الأستوديو. إلى جانب برامج أخرى في عدد من القنوات.
○ وأخيراً؟
• أدعو الجمهور لمشاهد التحدي الجديد الذي أقوم به. وأقول لهم سترون ما لا تتوقعونه من ناتالو.