عندما يختلط الحابل بالنابل ونتجاهل أوليات المرحلة

حجم الخط
0

المشهد السياسي اليوم في ليبيا الوليدة مربك جداً والاحتقان الشعبي على أشده. ليست هناك رؤية واضحة، فالمعطيات الحالية لا تستشرف المستقبل، والشعب الليبي بين مطرقة المناكفات الحزبية وسندان التجاذبات والمناورات السياسية لخلط الأوراق، ناهيك عن أن التركيبة الحزبية ليست ناضجة تماماً مهما اجتهدنا في بلورتها في هذه المرحلة، لأنها ولدت ‘خديجا’ قبل أن يُبت في دستور يرسم الخطوط الأولى بمواصفات لازمة، بقوانين مضبوطة حتى لا يتجاوزها من تسول له نفسه القفز عليها.
اللهث وراء المحاصصات الحزبية على أشده، البعض دخل عن طريق تلك الأحزاب في المؤتمر الوطني، أعلى مؤسسة مؤقتة، ومن استحقاقات الثورة ألا يدخل بعض هذه العناصر في الجسم الليبي. وبعض الثوار وأشباه الثوار، يسعى حثيثاً لكسب رصيد سياسي يؤهله لحيازة منصب في الحكومة، أو مكانة مرموقة آنياً أو مستقبلاً. والبعض في ذلك المؤتمر ينتابه الخوف من الآخر، لئلا يتغول عليه عند وصوله للحكم، وعند أي مبادرة من طرف يرفضها في تجاهل مخجل ومعيب، ويتناسى ان أي تصرف سياسي لا بد أن يصب في مصلحة الوطن وليس شخصهم. وأن هذه المرحلة الحرجة لا تسمح بهذا التطاحن السياسي.
نجتر دائماً واقعاً مراً، إذ لم تخل تركيبة مؤسساتنا الحكومية من المحاصصة، بدل كفاءات تضع البصمات الأولى لدولة قادمة، لذلك فهي مرتبكة في أدائها لا ترقى إلى طموحات شعبنا وحاجياته، وأهمها شعور المواطن بالأمان.
والأمن ضرورة ملحة بحيث يتأتى للمواطن في ظله الاطمئنان على حياته، فيندفع بمرونة وانسيابية لمزاولة حياته اليومية، ثم بثقة تسمح بتحقيق إنجازات كثيرة تتطلبها هذه المرحلة، ويأمن كوابيس الخوف من الآخر وشر الطريق.
ذلك التحوط من الآخر إلى درجة الخوف والنفور منه، أفرز داخل صفوفنا بوادر فرقة كنا نخشاها ونتحاشاها، منذ أن أسس لها نظام الطاغية، بعد أن شابتنا نشوة الإحساس بتآزرنا وصعودنا مركباً واحداً، ومُدّ إلينا طوق النجاة من خيرة شبابنا ورجالنا وحانت ساعة خلاصنا من بوتقة ذلك النظام، غير أن دماءهم الطاهرة لم تثمن حق ثمنها وكذلك طموحاتنا، وأجهضت فرحتنا، كما وُئدت في مهدها حماستنا للعمل معاً يداً واحدة، وقد كادت أن تكون صمام أمان لنا، لو وُلّي علينا خيارنا.
لا شك في أن هناك أيادي مدسوسة تدعم تلك الفرقة وتلح عليها، سواء أكان ذلك على الصعيد الخارجي أم الداخلي، يهمها كثيراً أن تستعجل نتائجها المباشرة، لأنها تعي تماماً مدى خطورتها، خاصة في المرحلة الحالية، فنذعن بالتالي لما قد أُسس له لردهة من الزمن. فتآزرنا ووعينا بما يدور حولنا، ودحض العمل المضني للتعتيم عليه، من شأنه أن يحبط محاولات العبث بمقدرات الشعب وملء الزكائب. ناهيك عن اصطناع هذه الأيادي العقبات الكثيرة لتعرقل انطلاقنا لمرحلة البناء والاستقرار، وتحد من توظيف قدراتنا وحتى قمعها في معمعة البلبلة هذه، ولا شك في أنها تعي أهمية الإشاعة ونشر الأكاذيب، فتكرس كل ذلك لتزيح النظر عن أمور جسام تؤطر لإعادة النظام السابق، ولكن بصياغة جديدة ورداء آخر، ديدنها المماطلة لتآكل الثورة الاجتماعية، فالنهوض بهذا البلد والذود عن سيادته يؤرق أولئك، ولا يخدم من يسهر على التربص به وحياكة المؤامرات والدسائس له.
أولويات المرحلة تستدعي التركيز على المشاكل الأكبر أهمية ومصلحة البلد فوق كل تموجات سياسية تحدث، وعدم القفز على الآخر وتصيد الأخطاء له ورفضه، وكأن همنا الأوحد هو إبعاد أحدنا الآخر عن الساحة لاستعراض عضلاته أو لإثبات ذاته أو لأغراض أخرى وما أكثرها!
المواطن اليوم حتى تتبين له الرؤية فيتمكن وفقها من تحديد خطواته والسير نحو تحقيق أهدافه التي تصب في مصلحة الوطن ولا تتعارض معه، لديه تساؤلات كثيرة تحيره وتقلقه، يتعطش لإجابة على ما يحدث ويرفض أن يقف متفرجاً مكتوف اليدين تصدمه الحقائق وتؤثر فيه سلباً فتقمعه، وتقلب الموازين رأساً على عقب، فينقلب من مؤازرته للثورة إلى ضدها، ويجتر عهداُ بائساً، ولعله يتمنى حتى رجوعه، فهو لم ير ذلك التغيير المتوقع الذي كان يصبو إليه من تلك الثورة، كتفعيل الأمن وإعادة هيكلة القضاء واسترداد الشرف له ليستعيد الثقة به وتكوين جيش قوي يتفيأ ظله. وهو غير قاصر عن إدراك هذا التماهي المقصود وغير المقصود في إنجاز ذلك، الذي يهدف إليه أعداء الثورة ويتحينون له جاهدين ليل نهار. يجب أن تكون هناك قنوات يلجأ إليها المواطن فيستطيع عبرها التعبير عما يؤرقه، وإتاحة الفرصة للإدلاء بدلوه والادلاء برأيه لتحقيق ذاته، كما يجب التركيز على قدراته وكفاءاته وأخذ حقها في التفعيل والتوظيف للمشاركة في بناء الوطن، وقطع خط الرجعة على الوصوليين ومتحيّني الفرص على حساب تلك الكفاءات والقدرات.
الثورة هي النموذج الحي للرد على مزاعم أن الليبيين من الممكن أن ينقسموا، وهي التي عززت تلك اللحمة التي بناها الشهداء. فلنتشاطر الأفكار ولا ندير ظهرنا ونغلق عيوننا عما يحيق بنا. ولابد من صياغة موقف يكون في مستوى التحديات المشتركة والخطر المتربص بنا، لذلك يجب تحسين أدواتنا وتمكين مؤسسات المجتمع المدني من تفعيل دورها بالشكل المطلوب، بإطلاق الروح الجماعية لإضعاف القوى المضادة للثورة، التي تريد تحجيم الدور الجماعي وإحباط تفعيل العمل المشترك والعبث بمستقبل ليبيا. علينا التحرك وفق معطيات ثورتنا لسد الباب على ما يتربص له رؤوس الفساد، الذين، يجب إزاحتهم وصدهم لئلا يلوثوا مناخنا السياسي، والاستماتة من أجل صون ما أُنجز، والتحوط لئلا تنتكس الثورة، بدل الدخول في صراع جديد مع تلك المنظومة المارقة فتتحين الفرصة للتغلغل بين صفوفنا تكون فيه بأجندة ما، بقوة ما، أو مؤازرة ما هي المتفوقة.
* كاتبة وإعلامية ليبية

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية