ثمة بعض التساؤلات تدور في الذهن، عند كثير من الناس، في بلاد شتى، يتمنى المرء لو يجد عنها أجوبة شافية، أو حتى نصف شافية، لكن ذلك لا يتيسر، إما لأسباب اجتماعية، أو دينية، أو سياسية، وهذه أخطر العوائق، مما يجعل التساؤلات حبيسة الذهن، وفي أحسن الأحوال يدور الحديث عنها في المجالس الخاصة.
يعرف هذا الجيل، ممن نشأ في القرن العشرين فصاعداً، أن بلادنا العربية قد ابتُليت بالاستعمار الأوروبي، تمثله أقوام شتى. لكن استعمار فلسطين من جانب أقوام أوروبية شتى يجمعها دين واحد، هو اليهودية، هو استعمار لا نظير له في تاريخ الاستعمار العالمي. وقد أدى ذلك إلى التساؤل المشروع جداً: لماذا كانت أوروبا المسيحية تكره أتباع الديانة اليهودية، وحاولت على امتداد تاريخها، منذ أيام الإمبراطورية الرومية إلى بدايات القرن العشرين، أن تتخلّص من أصحاب اليهودية بأن تقذفهم خارج أوروبا، وإلى فلسطين بالذات، إمعاناً بالكراهية، ولو أن بعضهم يجعل الدافع الرئيسي للتصرف الأوروبي المسيحي هو الغيرة من غناهم المادي بالدرجة الأولى.
تبدأ المشكلة، كما يخبرنا التاريخ، أن «نبوخذ نصّر الثاني» (605 ـ 562 ق.م.) ملك بابل، قام بغزو بلاد الشام في القرن السادس ق.م. وكانت تشمل ما صار يُعرف لاحقاً باسم سوريا وفلسطين والأردن ولبنان. كان في بلاد الشام أقوام من الفينيقيين والسوريين والمصريين ممن غزوا تلك البلاد قبل دخول نبوخذ نصّر الملك الكلداني غازياً، فهزم صدقيا ملك يهودا ودمّر القدس وأخذ من تلك الأقوام جماعة من اليهود، أسرى، وحصرهم في بابل، حيث تعلموا الكثير من حضارة وادي الرافدين، كما ظهر في ما كتبه أحبارُهم في ما صار يدعى «التوراة» أو العهد القديم، كما يقرّر الباحثون المنصِفون وليس كما يقول غيرُهم بأن التوراة أنزلها الله على موسى أثناء أربعين سنة من الشتات في سيناء وقبل أن يصلوا فلسطين بقرون. والسؤال الكبير هنا: لماذا اختار نبوخذ نصّر أصحاب اليهودية وسباهم إلى بابل، دون غيرهم من الأقوام التي كانت تسكن في فلسطين؟ هل كان الملك البابلي «يكره» اليهود، أو يحسدهم على غناهم، أم أنه كان أول شخصيّة ضد السامية في التاريخ؟ نقرأ أخبار الغزو البابلي وأخذ اليهود أسرى في التوراة: سِفر دانيال، الملوك. الأول، إرميا… كما يذكر الطبري أخبار الغزو البابلي وتدمير القدس ومملكة يهودا. لكن هل كان ذلك كراهية لليهود دون غيرهم، ولماذا؟
وفي أوروبا، نجد الإمبراطورية الرومية تُصدر عام 305م قوانين ضد اليهود تدل على كراهية شديدة لهم. وفي عام 612 أصدر مجلس «غويدمار» في طليطلة عام 612م قانوناً يجبر اليهود على التنصّر أو العقاب الشديد ومصادرة الأموال والأملاك، إذ كانت إسبانيا جزءاً من الإمبراطورية الرومية. وكان ذلك كله قبل فتح الأندلس عام 711م، على يد طارق بن زياد المسلم، الذي لم يكن يحمل كراهية لليهود في إسبانيا كما كان المسيحيون يحملون، لأن أخلاق الإسلام والحضارة العربية التي نشأ فيها وأمثاله من الأمازيغ يحسبون اليهود من «أهل الكتاب» الذين لا يجوز قتلهم بسبب دينهم. لذلك عاش يهود الأندلس بسلام تحت الحكم العربي الإسلامي، وكان منهم من ساهم في خدمة الحكم الجديد الذي لم يعاملهم بالسوء الذي عاملهم به الحكم الرومي المسيحي. ولكن بانتهاء الحكم العربي الإسلامي في الأندلس يوم2/1/1492 أمر الملك فرديناند والملكة إيزابيلا المسيحيّان المتعصّبان جميع اليهود بالتنصّر والا فمصيرهم حدّ السيف، فهرب كثير من يهود الأندلس إلى بلاد المغرب العربي الإسلامي، حيث ما يزالون حتى اليوم يعيشون بأمن وسلام. كما هرب كثير غيرهم إلى بلاد السلطنة العثمانية الإسلامية وما زالوا يتمتّعون بالأمن والسلام. ويقال إن كثيراً من كبار المسؤولين في الدولة العثمانية، وحتى في الجمهورية التركية الحديثة هم من أصول يهودية.
وفي أوروبا بعد سقوط الإمبراطورية الرومية المقدسة كانت كراهية اليهود أمراً واضحاً على المستوى الرسمي والشعبي، إما لسبب ديني أو، وهو الغالب، كونهم يتعاملون بالربا الفاحش الذي «يمتص دماء» الفلاحين، وهم غالبية الشعوب الأوروبية قبل الثورة الصناعية، فكانت الحاجة لاقتراض المال لا يوفّرها سوى اليهود في جميع البلاد الأوروبية، فظهرت عبارة «ضريبة الدم» أي الفائدة الكبيرة التي يفرضها المرابون اليهود على المقترضين. كما شاعت في مختلف البلاد الأوروبية أخبار تقول إن اليهود كانوا يسمّمون آبار المياه، لذلك تشكلت ظواهر غريبة في كراهية اليهود في أوروبا من القرن الثامن عشر فصاعدا. وتذكر التواريخ أنه في عام 1096 جرت مذبحة كبرى في المانيا راح ضحيتها اثنا عشر ألفاً من اليهود. وقد يكون هذا الرقم مبالغاً فيه، لكنه ينطوي على كراهية مضمرة لليهود. وفي بريطانيا في عهد الملك إدوارد الأول طُرد اليهود من البلاد عام 1290. وقبل ذلك، في عام 1190 قُتِل جميع اليهود في إقليم «يورك». وفي عام 1421 طُرِد اليهود من النمسا.
وفي بريطانيا، في عهدها الذهبي في القرن السادس عشر، تحت حكم الملكة اليزابيث، كانت كراهية اليهود شديدة الوضوح، وخير من يمثلها مسرحية شكسبير «تاجر البندقية» التي تصوِّر «شايلوك» المرابي اليهودي «شيلوخ» وجشعه في الاقتصاص من المسيحي العاشق ابنته، بأفظع صورة من «ضريبة الدم» بعبارة ألمان القرن الثامن عشر.
أما في البلاد العربية فلا توجد ظاهرة كراهية اليهود بسبب الدين، لا في التراث العربي قبل الإسلام ولا بعده. فقد عاش السموأل بن عادياء العربي من يهود خيبر عيشة رضية، وكان يملك حصناً منيعاً ومزارع كثيرة. وكان شاعراً متميزاً، وهو صاحب «إذا المرء لم يَدنَس من اللؤم عرضه/ فكلّ رداءٍ يرتديه جميلُ» وكان مضرب المثل في الوفاء، وهي من صفات النُبل عند العرب. وقد عاش في النصف الأول من القرن السادس الميلادي، وكان معاصراً لامرئ القيس بن حِجر الكندي الذي استودع زوجته وماله عنده قبيل الذهاب إلى قيصر الروم. ولما توفي امرؤ القيس في تلك الرحلة المشؤومة عام 58ق.هـ جاء أحد الأشرار يطلب من السموأل ما استودع امرؤ القيس عنده. فرفض السموأل، وهدّده الشرير بقتل ابنه خارج الحصن إن لم يسلّم الوديعة، فرفض وقُتل ابن السموأل. وبعد ذلك ذهب السموأل إلى ورثة امرئ القيس وسلّمهم الوديعة. وما تزال العرب تضرب المثل بوفاء السموأل (شموئيل).
وفي العراق الحديث كانت أول وزارة شكلها الملك فيصل الأول عام 1921 تضم اليهودي حسقيل وزيراً للمالية.
وكان ولاء حسقيل اليهودي للعراق العربي الإسلامي أولاً، وهو الذي أصر على بريطانيا أن تدفع حصة العراق من النفط بالجنيهات الذهب وليس بالعملة الورقية، حفاظاً على مصلحة العراق. وكان اليهودي أحمد نسيم سوسة من أهم المؤرّخين في العراق. وفي زمان أقرب إلى وقتنا الحاضر ثمة مثال العراقي البغدادي اليهودي سيمح المعَلّم، الذي اضطر إلى الهجرة إلى فلسطين المحتلة عام 1951 وهو في الثامنة عشرة من العمر، تحت ضغط المنظمات الصهيونية. وفي القدس تفرّغ سيمح الذي قلب اسمه إلى شموئيل موريه، فدرس الأدب العربي ثم حصل على الدكتوراه من جامعة لندن، وصار ينشر الأبحاث عن الأدب العربي إلى درجة أن المرحوم الدكتور سهيل إدريس نشر مقالة له في مجلته البيروتية «الآداب» بقلم س. موريه المستشرق الفرنسي! بقي سيمح المعلم/ شموئيل موريه شديد الارتباط بالعراق والأدب العربي، وينشُر في مجلّة «إيلاف» الإلكترونية، على الرغم من يهوديته، وأسس في القدس المحتلة رابطة للأدباء اليهود العراقيين تحافظ على تراث الأدب العربي العراقي. هذا إلى جانب جمعيات من يهود العراق تحتفي بالتراث العربي في كثير من الحنين إلى الوطن الأم، على الرغم من «الفرهود» الذي أثاره الرّعاع في بغداد عام 1941 وتضرّر بسببه كثير من اليهود. هذا «الوفاء السموألي» مرجعه أن عرب العراق لم يحملوا كراهية ضد اليهود كما حمل الأوروبيون المتحضرون.
عبد الواحد لؤلؤة