بيروت ـ «القدس العربي»: تعتبر الفنانة الفلسطنية سناء موسى التطبيع مع العدو الصهيوني المحتل جريمة موصوفة وتشكل اعترافاً به. وتجد الكلمة الإنكليزية Normalization دقيقة جداً، وتمنح هذا الاحتلال حالة طبيعية. يثيرها الجواب على السؤال وتقول دون تسميات: كيف لمواطن عربي أن يدخل فلسطين المحتلة ويصور مع طواقم صهيونية؟ يحاور وسائل إعلام صهيونية ويتذمر منا نحن الفلسطينيين أهل الأرض؟
سناء موسى صاحبة الرؤية والهدف في غنائها وبحثها عن تراث شعبها الذي يعود لأكثر من ستة آلاف سنة، ترى في الغناء فعل مقاومة. المرأة التي حصلت درجة دكتوراه في علم الدماغ من جامعة القدس وتعمل باحثة في مجالها، لم تجب عن المنطقة الخاصة بعشق الفن والموسيقى في الدماغ، فالأبحاث جارية.
مع سناء موسى هذا الحوار:
○ هل ترين كما يرى كثيرون أن حفل بيروت هو من العمر أم هناك مبالغة؟
• بل حقيقة. حفل عشت معه أجواء مختلفة. سرت خلاله مشاعر صادقة وحب كبير. ولهذا طلبت من المهندس الإضاءة على الجمهور أكثر من مرّة، ولاحقاً صار يفعل بمفرده. وصلتني طاقة عبر الذبذبات، وهذا انعكس على أدائي وعلى العازفين إيجابياً ودون حدود.
○ قبل الدخول إلى المسرح هل كنت مطمئنة لحضن بيروت؟
• في أي مسرح في العالم ترافقني تساؤلات وإنفعالات طبيعية وربما لطيفة. لا يطمئن الفنان كلياً. فلكل جمهور «مزاج» خاص به. بقدر المحبة يكون الخوف، فيقع على كاهل الفنان ضغط تبادل المحبة بما يناسبها. بغير ذلك يعتري الحفل خلل. كنت مع الفرقة الموسيقية على الموجة عينها فكان ما كان.
○ ماذا عن هوية أعضاء الفرقة الموسيقية وكيف كان اللقاء معها؟
• ينتمي أعضاؤها إلى تركيا، سوريا، اليونان وفلسطين. جمعنا الحب والتناغم الموسيقي. منذ سنوات نترافق في حفلات أوروبية، ولنا لقاءات دورية للتمارين. الموسيقيون هم: عازف الإيقاع شكير أوزان ـ تركيا، عازف الكونترباص أبوستولوس سيداريس ـ اليونان، عازف الناي ماهر العلي ـ سوريا، ومحمد موسى ـ فلسطين.
○ لماذا ذكرت بعد إحدى الأغنيات أن اللحن فلسطيني وليس تركيا؟
• هي أغنية «انت ابن مين يلّي جسرت عليي» فالإيقاع أعرج سبعة وفلسطيني. عادة ايقاعات «عرجة سبعة تسعة» تنسب لتركيا. ثمة أغنيات تراثية سيطرت على المشهد الثقافي الفلسطيني، حتى باتت منمطة. وهذا ما سعيت لكسره في عرض بيروت، وكنت حيال أغنيات مختلفة من تراثنا.
○ بدأت الحفل بأغنية تشبه الصلاة فماذا عنها؟
• بدأت الغناء بألحان كنسية. كما جمعت كافة أغنيات فلسطين في صلاة واحدة. فلسطين وتراثها العريق موجودة حتى قبل الأديان السماوية. هو تراث يحكي عن الفلاح، الإنسان والأرض. هذا ما وصلته نتيجة الأبحاث لسنوات قبل صدور اسطوانتي الأولى «إشراق» سنة 2010. وفيها جمعنا أغنيات تراثية مختلفة من الشمال إلى الجنوب. والهدف أن يعرف الفلسطينيون تراث بلدهم وكل من يرغب.
○ وماذا عن التوزيع الجديد لهذا التراث؟
• على سبيل المثال كثر لا يعرفون وجود ايقاعات فردية في التراث الفلسطيني. أغنيات الأعراس أكثر ما قدمته الفرق الغنائية من التراث. في اسطوانتي «اشراق وهاجس» بحثت عن محاور جديدة، وقدمت نتاج سنوات من التوثيقي. ومن تلك المحاور أذكر السفربرلك، الثورة ضد الإنكليز، أغاني الفرارية، التهاليل وغيرها. هو تراث ساحر يحث لمزيد من البحث.
○ قدمت عدة أغنيات وكان صوتك خلالها يغرد منفرداً كأنه يناجي. ما هو موقع هذا النوع من الغناء في التراث الفلسطيني؟
• أظنك تقصدين الإرتجال. حفل بيروت حثّ لمزيد من الإرتجال صوتاً والآلات ففردت بحب. ليست كافة الأغنيات تناسب كافة المناسبات. على سبيل المثال الغناء الخاص بالنساء والرجال منفردين، وصولها إلى المسرح يحتاج لتوليفة جديدة. نحن أعدنا قولبة الأغنيات لجهة التركيب اللحني. أضفنا مقدمات موسيقية، وألحانا، وتوزيع وعزف آلات، أي «ري موديلنك»، ووضعناها بقالب خاص للمسرح. ولهذا أصف الأغنية التراثية باللحن الذكي لأنه استمر وسيستمر آلاف السنوات. فألحان التراث من نوع السهل الممتنع.
○ كان الإنسجام واضحاً بينك وبين الفرقة الموسيقية؟
• نحن أصدقاء نتناول الطعام معاً، تجمعنا الموسيقى وتربطنا علاقة إنسانية قوية، نلتقي في فلسطين وخارجها. لأول مرة ألتقي ماهر العلي من سوريا، وستتكرر اللقاءات بإذن الله. تتناغم المجموعة وكأن المعرفة بيننا قديمة جداً. الفرقة الموسيقية تناغمت مع ارتجالاتي، وبدوري دعوتهم لمساحة إرتجال وتفريد.
○ هل تشعرك الفرقة الموسيقية القوية بالسند؟
• قوة الفرقة الموسيقية تمد المغني بالطاقة والثقة. أي عامل قوة يغذيه ويساعده. وبعدها ينافس ذاته.
○ هل يختلف السفر برلك الفلسطيني عن اللبناني أو السوري؟
ـ فلسطين معنية بالقالب الغنائي من سفر برلك. تناولنا ما غنته النساء في وداع أزواجهن. لا شك بوجود المشترك في التراث الموسيقي، فنحن بلاد واحدة.
○ ما هي حكايتك الشخصية مع أغنية «لفي محرمتك»؟
• »لفي محرمتك» قالتها جدتي وهي تغادر فلسطين سنة 1948 وكانت لا تزال عروساً. فقد تمّ تهجير من بقي من السكان بعد استشهاد الكثير من الشباب من دير الأسد في الجليل. بعض أهالي بلدتنا يعيشون في مخيمات الجنوب في لبنان، وبعضهم وصل بطريقة ما إلى الضفة الغربية. سيدي حمد قرر العودة لحظة بلوغه حدود لبنان حتى لو كان الموت بانتظاره. رفض اللجوء واختار العيش في أرضه. وفي دير الأسد أنجب مع جدتي خمس فتيات وولدين، وأنا حفيدته من ابنته رسمية. وكان لي حظ العيش مع جدي وجدتي وطفا لفترة طويلة. ودائما كنا نسمع منهما حكايات تلك الأيام المؤلمة عن احتلال فلسطين وقتل أهلها. وهذا الكلام سيبقى مطبوعاً ولن يمحى من ذاكرتنا. الغناء الذي كانت تقوله جدتي جذبني، رغم كوني غنيت المنولوغات والموشحات والأدوار، ثم عدت لتراث بلدي.
○ هل بات هذا الغناء هوية خاصة لك؟
• كانت الهوية موجودة لكنها امتلكتني فيما بعد.
○ وماذا عن أغنية «منديلي ضاع»؟
• من أجمل الأغنيات. نجهل من كتب أكثر التراث. قد يكون هناك ملحن لأغنية «منديلي ضاع». فهي ليست بقدم أغنية «طلت البارودة» التي تعود لـ150 سنة، وسفر برلك قبل 200 سنة. ربما يعود عمر «منديلي ضاع» إلى 60 سنة مرّت، وأصبحت جزءاً من التراث الفلسطيني. كما أصبحت أغنيتي «يا رايح عبلاد الشام» جزءاً من التراث الفلسطيني لزمن أحفاد أحفادي.
○ كيف تطور حضورك في الموسيقى؟
• عزفت الكمان صغيرة ولم أتابع دراسته. والدي علي موسى استاذي في المقامات. وفي مركز الأرموي درست المقامات وأنماط الغناء المختلفة، بالتوازي مع دراستي الأكاديمية.
○ هل كان الاحتراف هدفاً؟
• مطلقاً. أعتبر نفسي محترفة لهذا الفن وللعلم والبحث العلمي معاً وبخط متوازٍ. أتعامل مع الموسيقى والرسالة التي أقدمها بطريقة جدية جداً ومهنية، تماماً كما أتعامل مع العلم.
○ انطلاقاً من المعروف في علم الدماغ هل لنا السؤال عن مميزات الدماغ الذي يحب الموسيقي ويبرع فيها؟
• نعرف القليل من أسرار الدماغ. السؤال يستدعي بحثاً معمقاً، ومجموعات بحثية. ومجموعات بشرية من إثنيات مختلفة. ومن الجنسين. والأخذ بالإعتبار التأثير البيئي والجيني. ربما تفضي تلك الأبحاث لتخريج أربع أو خمس دكاترة.
○ كيف تطور حضورك في الفن إلى كاتبة أغنيات وملحنة؟
• لست كاتبة أو ملحنة. هي تجربة فريدة تركت أثرها بي. قمت بمحاولة نبعت من القلب، وفي لحظة موسيقية غامرة. الكتابة والتلحين يحتاجان لجهد يومي ولساعات قراءة وتأمل. لكني أخصص جهدي للتمارين الصوتية اليومية.
○ تسمين الأسطوانتين الصادرتين لك أطفالك لماذا؟
• لأنهما نتيجة حمل طويل، فبعد «اشراق سنة 2010» وجهد لأكثر من خمس، بقي البحث والعمل متواصلاً على «هاجس» لخمس سنوات فصدر في سنة 2017.
○ بين عملك في البحث العلمي والحفل الفني هل تفضيل لأحدهما على الآخر؟
• بل يتوازيان معاً. هما معاً علم. وأي حفل ندرس كافة تفاصيله العلمية بدقة قبل أسابيع. تفاصيل لا يراها الجمهور بل يتلقف المنتج بإخراجه النهائي. ويعبر حينها عن رأيه.
○ التطبيع الثقافي مع العدو نقاش دائم عندنا. كيف تنظرين له كفلسطينية؟
• هو جريمة وخاصة في الثقافة. Normalaization التعبير الإنكليزي له مدلولات، ويعني التعامل مع الوضع وكأنه طبيعي. نحن حيال ضحية ومجرم. المجرم يلزمه عقاب وأشد عقاب لإسرائيل المقاطعة الثقافية. المقاطعة فعّالة وتؤلم المحتل.
○ وما رأيك في فلسطينيي الداخل الذين يقبلون دعماً إسرائيلياً لأعمال فنية على أساس أنهم من دافعي الضرائب؟
• المقاطعة موضوع معقد جداً. حتى الـBDS ينظمون ورشات عمل لبحثه وشرحه. هل تعتقدين أن فلسطينياً من معليا أو ترشيحا «قرى في الجليل» أخذ تمويلاً من بلدية قريته يتساوى مع آخر أخذ تمويلاً من بلدية هرتسيليا؟ وهل هذا العمل أخلاقي أم لا؟ وهل المسرحي الوطني الممولة مسرحياته من البلدية يتساوى مع المسرحي المطبع الذي يتبنى الرواية الإسرائيلية؟ أكيد لا. لكل حال خصوصيتها، الواضح أن من لا يعيشون تحت نير الاحتلال ولا في أراضي الـ48 كما بعض المخرجين من لبنان ودول أخرى، داسوا المفاهيم. لماذا يتعامل هؤلاء مع المحتل ويتبنون روايته ويدافعون عنه في وسائل إعلامه، ويعلنون تذمرهم من المجتمع العربي فيما يسمى إسرائيل؟ لا أاقصد شخصاً بذاته بل أتحدث عن ظاهرة. في فلسطين الوعي حول التطبيع أكثر بكثير من الدول العربية.