د. أبو مراد: من القدس المحررة تكون قيامة الشرق

حجم الخط
0

بيروت ـ «القدس العربي»: بروفيسور نداء أبو مراد، دكتور في علم الموسيقى، دكتور في الطب، نائب رئيس الجامعة الأنطونية للشؤون الأكاديمية والبحث العلمي، وعميد كلية الموسيقى وعلم الموسيقى فيها. صاحب نظرية السيمياء النحوية التوليدية المقامية (نال على أساسها جائزة التميز العلمي 2017 من المجلس الوطني للبحوث العلمية). مؤلف موسيقي وعازف كمان حسب النهج التقليدي التأويلي المشرقي.
قبل أيام وجه مسرح المدينة دعوة للقاء مع «4000 سنة من الموسيقى في المشرق» من تقديم «تخت الجامعة الأنطونية للموسيقى الفصحى العربية». لقاء مع موسيقى خاصة جداً وفد إليه المريدون من بيروت وخارجها. لقاء من إعداد وقيادة، وكمان، د. نداء أبو مراد. سنطور وسمسمة د. هياف ياسين. ترنيم وعود، محمد عياش. قانون، غسان سحاب. ترنيم رفقا رزق. وفي هذا الحفل كان الحضور يصغي وكأنه في صلاة.
مع الدكتور أبو مراد كان هذا الحوار:
○ كم هي ساحرة موسيقى المشرق. كيف لها أن تنتشر أكثر في بلداننا خدمة لمشاعر وأحاسيس الناس وتعريفهم بماضيهم الغني؟
• التقليد الموسيقي الفني الخاص بالمشرق العربي، يشكل مرادفًا للموسيقى الفنية الكبرى في العالم، لكن حكومات الأمم التي تحترم ذاتها تتولى دعم موسيقاها الفنية التقليدية، إن على صعيد تعليمها أو إنتاج وتنظيم الحفلات والمهرجانات الموسيقية المتخصصة، في مقابل الرواج التجاري الجماهيري الذي تلقاه الموسيقى الترفيهية الاستهلاكية، في حين يتجاهل القطاع العام في بلاد المشرق العربي فن الأمة الموسيقي الكبير، فيتم التركيز في المعاهد الموسيقية وفي مدارس التعليم الأساسي، كما في برمجة الحفلات المدعومة، فقط على الموسيقى الغربية وفي بعض الأحيان على تجارب تطعيمية تهجينية بين شرق وغرب. هذا هو الداء. أما الدواء، ففي تغيير مسلكيات القطاعات العامة من خلال تبنيها دعم انتشار لسان هذه الأرض الموسيقي الأصيل. أضيفي إلى ذلك دور وسائل الإعلام الممكن في وضع موسيقى جميلة ومطربة في متناول الناس، فهذه الموسيقى أقل نخبوية من الكلاسيكية الأوروبية، لأنها تتغلغل في أعماق السامع العربي وتحرك مشاعره بقوة.
○ ربما يعرف متابعو موسيقاك مقاصدك، لكن أن يقرأ سواهم دعوة لحفل عنوانه «4000 سنة من الموسيقى في المشرق» فقد يستغربون. ما هو دورك كعميد لكلية الموسيقى وعلم الموسيقى في الجامعة الأنطونية في كشف هذا التراث؟
• انطلقتُ من مراكمتي لخبرة في فك رموز المدونات الموسيقية الأوروبية القديمة وتحقيقها وتأويلها وأدائها. أما وقد انتقلت (عام 1984) إلى أداء التقليد الموسيقي المشرقي العربي الفني من ضمن مدرسة عبده الحامولي (1843-1901) النهضوية، مستلمًا إياه من أستاذي فوزي سايب، فأضحيت متخصصًا في تقليد قديم لكنه حي وتجددي. وبعد حين، وددت تطبيق المنهجيات التحقيقية على ما وصلَنا من مدونات موسيقية عربية قديمة. وهكذا فككت رموز التدوين الموسيقي الأبجدي والرقمي الذي وضعه صفي الدين الأرموي البغدادي (المتوفى سنة 1294 م) فأدينا تراثًا موسيقيا عباسيا صدر في ألبوم عن دار ثقافات العالم (باريس، 2006).
أما العصور التالية، فقد وصلنا منها مدونات النحويين الموسيقيين، خاصة ميخائيل مشاقه (1800-1888) وهي تنتهج كتابة الألحان النموذجية المقامية عبر تعاقب أسماء النغمات. وقد كرسنا ألبومًا لألحان مشاقه، عام 2007. ثم تعرفت على الباحث البريطاني ريتشارد دومبريل، الذي فك رموز أول مدونة موسيقية في التاريخ، وهي النشيد الحوري السادس، من تراث مملكة أوغاريت (حوالي 1500 قبل الميلاد) بالحرف المسماري، فقررتُ أداءها في أقرب وقت.
○ ما هو الدور الذي تلعبه الجامعة الأنطونية في نشر هذا النوع من الموسيقى عبر طلابها؟
• ورد في مهمة كلية الموسيقى وعلم الموسيقى في الجامعة الأنطونية أنها تعنى بالتقاليد الموسيقية الخاصة بالمشرق وبالمتوسط وبأوروبا، وذلك في المكونات الثلاثة لكل مهمة جامعية: التعليم الجامعي، البحث العلمي، خدمة المجتمع. صحيح أن كليتنا تقوم بدور ريادي في تعليم التقاليد الموسيقية المشرقية، للتعويض عن القطاع العام، وأن طلابنا يواصلون مسيرة أساتذتهم في نشر هذه الموسيقى في المجتمع، لكن كليتنا تقوم أيضًا بدور ريادي على صعيد عالمي في البحث العلمي حول التقاليد الموسيقية في العالم العربي، خاصة مع نظريتنا في النحو التوليدي الموسيقي التي لها تطبيقات في الذكاء الاصطناعي وعلم النفس المعرفي وعلوم التربية الموسيقية. أضيفي إلى ذلك دورها في تعريف الجمهور على تلك التقاليد. وقد أضحت كليتنا أكبر كلية موسيقية في لبنان. ولله الحمد.
○ عندما نطالع سيرتك الذاتية نجدك قد نهلت من علم الموسيقى شرقها وغربها ما يوازي دراسة الطب. ما هي ايجابيات دراستك مع أساتذة متنوعي المشارب؟
• أعرف الموسيقى الأوروبية في مختلف حقبها بعمق، كما أعرف التقاليد الموسيقية المشرقية، وهو ما يمكنني من المقارنة والتمييز ويجعلني متريثًا حيال الاختبارات التهجينية ومشجعًا على التحاور بين الموسيقيين من دون مركب نقص، بل في حكمة التنوع في عالم ما بعد الحداثة.
○ كيف اخترت طريقك الخاص ولماذا كان التزامك «الموسيقى الفصحى العربية»؟
• الموسيقى الفصحى العربية هي الموسيقى الكلاسيكية المشرقية العربية. أحببتها بقوة عندما استمعت إلى الأستاذ المرحوم فوزي سايب وإلى تسجيلات أساطين مدرسة النهضة العربي الموسيقية، خاصة سامي الشوا والشيخ علي محمود، ما جعلني أختار هذا الدرب عام 1985.
○ قرأت في سيرتك أنك درست الطب. أين يلتقي الطب مع الموسيقى؟
• أنا طبيب غير ممارس، تركت هذه المهنة من أجل تكريس نفسي للموسيقى. أما الطب يلتقي الموسيقى في موضوع المعالجة بالموسيقى، وهو كان موضوع رسالتي في الدكتوراه في الطب «المعالجة بالموسيقى عند العرب في العصر الوسيط» وقد أدرجنا هذا الاختصاص في كلية الموسيقى وعلم الموسيقى في الجامعة الأنطونية (إجازة وماستر) وفي أبحاثنا العلمية.
○ كيف تقرأ في أن تكون أول مدونة موسيقية في تاريخ البشرية مشرقية ومن اللاذقية وعمرها 1500سنة قبل الميلاد؟ أعني «النشيد الحوري السادس».
• هذا يعني أن الحضارة البشرية بدأت في ربوعنا وأن أرضنا تنضح بأولى موسيقى العالم الفنية في التاريخ، وأن أهل هذه الأرض لا يحق لهم أن يصابوا بمركب النقص حيال الغرب في الميدان الموسيقي.
○ هل يجد الباحث في الموسيقى مادة تساعده في بلوغ أهدافه؟
• الغاية من البحث في علم الموسيقى في شقه الأساسي التحليلي هو وضع نماذج تمكن من توصيف وافٍ لأسس الظاهرة الموسيقية المدروسة. هذا الهدف تحقق مرحليا في فريقنا البحثي من خلال نظرية السيمياء المقامية التي تبلور القواعد النحوية التوليدية، على أساسها يمكن وصفُ بنية التلحين في تقاليد المشرق ومحاكاة نماذجها وتوقعُ تلاحين جديدة في هذا المضمار، ربطًا بالبرمجة المعلوماتية والذكاء الاصطناعي والعلوم المعرفية. وقد توج ذلك المجلس الوطني للبحوث العلمية من خلال منحي جائزة التميز العلمي لعام 2017، وهو يمول مشاريع بحثية سنقوم بها في الجامعة الأنطونية في السنوات المقبلة في هذه المجالات.
○ كنائب لرئيس الجامعة الأنطونية وعميد لكلية الموسيقى ماذا تقول عن إقبال الطلاب على الدراسة الموسيقية المشرقية؟ وهل استقبلتم طلاباً من الدول العربية؟
• هناك إقبال جيد في الجامعة الأنطونية على دراسة التقاليد الموسيقية من زوايا متعددة، إن من قبل طلاب لبنانيين أو من فلسطين وسوريا والسعودية ومصر وحتى من كولومبيا.
○ لا بد من اسئلة معرفية استفسارية. مما يتألف تخت الموسيقى الفصحى عادة؟
• التخت الموسيقي المشرقي هو المنصة التي كان يجلس عليها المطرب والعازفون، على أساس ممثل واحد من كل صنف من الآلات: القانون، الكمان، العود، الناي و(أحيانًا الرق) شرط أن يكون قادرًا على تأويل الموسيقى وارتجالها على أساس القواعد النحوية الموسيقية الموروثة. أما في تخت الجامعة الأنطونية، فيشارك السنطور الذي أدخله الدكتور هياف ياسين إلى التقليد الشامي المصري المشترك (آتيا من العراق وإيران) بالإضافة إلى صوت وعود الأستاذ محمد عياش، وقانون الأستاذ غسان سحاب وكماني.
○ هل تأتي الموسيقى الفصحى كرد على الموسيقى الشعبية؟
• نعم، لكن بشكل تكاملي، كما تتكامل اللغة الكلامية الفصحى مع اللهجات العامية المحلية.
○ كيف لي كمتلقية تستسيغ نغم تخت الموسيقى الفصحى أن أدرك كيف لحنت «ألا يا حماماتِ الأراكَةِ والْبانِ» لإبن عربي على النسق العباسي؟
• هناك أسلوب تلحيني يمكن استشفافه من المدونات الموسيقية التي وصلتنا مخطوطةً من عند صفي الدين الأرموي البغدادي في نهاية العصر العباسي، وبعد دراسته، يمكن تلحين قصائد من الحقبة عينها، مثل تلك القصيدة الشهيرة للشيخ الأكبر محيي الدين بن عربي (معاصر الأرموي) المعروفة أكثر بـ«أدين بدين الحب أنى توجهَت ركائبه».
○ بين أعضاء تخت الموسيقى الفصحى خيوط تناغم غير مرئية أفضت لارتجالات رائعة. هل هو مفعول التعارف الطويل؟ أم أسباب أخرى ساهمت بموسيقى منسابة كجدول ماء؟
• عندما ينتمي موسيقيون متعددون إلى تقليد مشترك، أي باتوا خبراء في تأويله وتوليد الجمل الموسيقية على أساس نحوه الموسيقي الموروث، يمكنهم العمل معًا مباشرةً، حتى ولو لم يكونوا معتادين على ذلك، فكيف إذا كانوا رفاق الدرب منذ سنوات، وهو حال تخت الجامعة الأنطونية للموسيقى الفصحى العربية.
○ كتبت ولحنت في حفلك الأخير تحية للقدس «القيامة». كيف للحن ما أن يستدعيك؟ ولماذا «قدس القيامة»؟ بالمناسبة في اللحن ما يشبه رفع الآذان.
• في هذه اللحظات العصيبة التي تعيشها فلسطين وعاصمتها وعاصمة المشرق وعاصمة الأديان السماوية، لا يمكننا في سياق برنامج موسيقي يحاكي تاريخ هذا المشرق العظيم والممزق حاليا إلا أن ننحني أمام القُدس وأن نلبي نداءها، أقله موسيقيا. أما «قدس القيامة» فلهذه العبارة دلالات متراكمة، منها كنيسة القيامة التي تشكل قبلة المسيحيين اللاهوتية الصوفية الخلاصية، ومنها أن من القدس المحررة بإذن الله تأتي قيامة المشرق، فلا بأس من رفع آذان ودعاء مشترك مسيحي إسلامي من أجل تحرير نور المدائن على هذه الأرض، في انتظار حلول زمن القدس السماوية المنتظرة.

د. أبو مراد: من القدس المحررة تكون قيامة الشرق
أرضنا تنضح بأول موسيقى العالم ولا مركبات نقص حيال الغرب
زهرة مرعي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية