بيروت ـ «القدس العربي»:بدأت تانيا صالح مسيرتها في عالم الموسيقى البديلة بخطوات واثقة وتركت أثراً يقول بتميزها. في نهايات 2017 صدر ألبوم «تقاطع» وهو الخامس في أرشيفها. وبين البدايات والآن حققت مزيداً من النضوج في اختياراتها على صعيد الشعر، وفي الموسيقى كذلك. والظاهر أنها دخلت ورشة اختيارات بين حديث الشعر وقديمه من بيرم التونسي وجبران خليل جبران، إلى بدر شاكر السياب وأحمد فؤاد نجم، وجمانة حداد.
وفي تصويرها للأغنيات جمعت صالح بين مواهبها جميعها فأضافت الغرافيتي إلى الغناء والموسيقى وكانت لافتة. معها كان هذا الحوار حول «تقاطع»:
■ جديدك ألبوم «تقاطع» هو الخامس لك مع الموسيقى والغناء. كيف تصفين الرحلة وصولاً لتأكيد حضورك في الفن البديل؟
■ في الجديد من أعمالي وما سبقه كنت في حال من التحدي. لم أساير، ولم أقدم ما يشبه الواقع القائم في لبنان والوطن العربي، ولا حتى في العالم. قدمت أغنيات أحبها وتسعدني بعيداً عن حسابات السوق. وهنا كان التحدي الكبير. حققت حضوراً في الألبوم الأول، ونظراً لوجود الإنترنت انتشر أكثر من المتوقع. والأهم أني حققت وجودي في البلدان العربية، وهذا ما أعتز به. فلست أغني للبنان فقط، بل أن المواضيع التي أغنيها تمس كافة الشعوب العربية. فرحت للغاية بما تحقق، حيث قلة اخترقت مجتمعات أخرى من خلال الموسيقى المختلفة، أو من خلال الأغنية اللبنانية في حد ذاتها. لم يكن المشوار سهلاً، بدأ سنة 1990 كتسلية وبات جدياً في 2002. ولأني أتحدى نفسي دائماً تأكدت من أن أفكاري يمكن أن تصل.
■ «تقاطع» غني شعراً وموسيقى وكأنك حشدت فيه كماً من الموضوعات التي تناديك. هل تنفست الصعداء بعد إنجازه؟
■ تعرفين والديَ وكيف نشأت على أننا وطن عربي واحد، تجمعنا اللغة والثقافة وأن فننا والفنانين في وطننا يزنون ذهباً. رحل والدي وحتى آخر لحظة من حياته كان شغله الشاغل حل القضية الفلسطينية ووحدة العرب، خاصة وأنه عاصر النكسة وما تلاها من قهر. كل تلك المشاعر عشتها مع أهلي، وأعرف أن العديد من الأسئلة لم تجد جواباً. مشاعري لا تزال خفاقة حيال عروبتي، في حين يخجل البعض من الأجيال الجديدة من الإفصاح عن انتمائهم هذا. حتى أن بعضاً من اللبنانيين يتشاوفون على غيرهم من العرب مستندين إلى معايير تافهة وأحكام مسبقة. مجتمعنا يعيش مشكلات كبيرة، وجدت ضرورة للإضاءة عليها والتوجه للشباب، فالأمل معقود عليهم. غنيت العديد من الموضوعات، وشعرت أن «تقاطع» يمثل عملاً موسيقياً غنائياً يصلح ليكون درساً في المدارس. ليس لأنه غنائي، بل لأن الشعر الملحن وفق الموسيقى المرغوبة من الشباب توصله أكثر من دعوة الأجيال الجديدة لقراءته في كتاب. يقول الواقع بعدم تآلف الأطفال مع اللغة العربية في مدارسهم. وإن لفتهم الشعر الملحن قد يبحثون للتعرف مثلاً إلى جبران خليل جبران، نزار قباني، محمود درويش وآخرين.
■ يمكنني وصف عملك برحلة بحث جابت القسم الأكبر من الوطن العربي لتحكي حاله. فكم توقفت عند بيرم التونسي في قصيدة «الشرق»؟
■ أعرف بيرم التونسي من خلال أغنيات «غنيلي شوي شوي. ليه يا بنفسج. إلخ» ولم أعرف مرّة أنه كتب عن الوضع السياسي في مصر والعالم العربي. عاش بيرم التونسي في مصر أكثر من تونس، عالج التطرف الديني الذي نشأ فيها، ونفي منها، وثمّ نفي من تونس وكانت له حياة مُعذّب. وعندما قرأت قصيدة «الشرق» قلت انها مكتوبة لهذه اللحظة التي نعيشها، فوضعنا يتقهقر منذ أكثر من 80 سنة. شعره يضيء على المرحلة، ويكتسب مزيداً من الأهمية لأنه لبيرم التونسي صاحب المصداقية.
■ عندما تكونين بصدد إعداد عمل غنائي ما هي أولويات البحث لديك؟
■ في «تقاطع» كنت في بحث عن شعراء كتبوا عن أوطانهم إلى جانب قصائد الحب. رحلة البحث عن القصائد استغرقت في حدود السنتين. والقصائد المختارة تشي بما كان يعالجه الشعراء والكتّاب منذ مئة سنة. هم الموثوقون عبر التاريخ أكثر من أي إعلام آخر لا يحمل صفة المحايد. الفنانون والكتّاب يقدمون اللحظة بصدقها. بدأت عملي بأغنية «كيف بروح» وفي الواقع نحن مستمرون في التيه، ولا ندري إلى متى؟ عندما قررت الكتابة عن العالم العربي وجدت أن شعراء كل بلد هم الأقدر في التعبير عنه. فبحثت عنهم.
■ في «تقاطع» ثمة خريطة واسعة من المواضيع. المرأة. العاملات المنزليات. الربيع العربي. حلب والشام. وإصرار على الغناء. ما هو الخيط الذي يجمع بينها؟
■ العالم العربي هو الذي يجمع بينها. عنوان الألبوم «تقاطع» حيث نقف نحن كعرب ولا ندري إلى أين نتجه. وفي الوقت عينه هناك تقاطع أفكار بين الشعراء الذين كتبوا عن العالم العربي. كما سبق القول ما زلت على مقولة والديَ أن العالم العربي واحد، وهو العالم الذي أنتمي له عاطفياً. مع تشكل وعيي سألتهما أين هو العالم العربي الذي تحدثاني عنه؟ لم أر غير الحروب؟ ومع ذلك أصرّ أن قوتنا في وحدتنا.
■ اختياراتك من الشعر العربي قديمه وحديثه تقول بسعة إطلاع. بمن انت متأثرة من الشعراء؟
■ تجذبني الفكرة الجميلة. كنت أسعد بحصص الأدب العربي حين كان الاستاذ يفسر الشعر ومعاني الكلمات. شعر محمود درويش هو الذي يمسني بقوة. كافة الشعراء الذين اخترت كلماتهم هم على درجة كبيرة من الأهمية. ومن الشعراء الحديثين أخترت جمانة حداد من لبنان. ومن المؤكد أن الشعراء الشباب في مصر وسوريا لديهم ما هو جميل للغاية. فمن فضائل الثورات القليلة أنها أنتجت فنانين رائعين في العالم العربي من الغرافيتي، إلى الموسيقى والغناء والسينما والشعر.
■ ما هو حافزك الخاص للكتابة؟ كما في أغنية «لا سلام لا كلام»؟
■ الفكرة تشكل الحافز الأساسي. في الحاضر تتقاطر أفكاري حول موضوع الحب. لهذا الحب مهم وملهم. موضوع يستدعي أن نحكي عنه في عمقه بعيداً عن سطحية الغناء التجاري. كل إنسان يرى الحياة من خلال المحبوب وعندها تتقاطر الأفكار عنده. لهذا الحب مهم، له أفكار لا تنضب، وشوق دون حدود. أردت إنجاز هذا الألبوم الذي يدور في غالبيته حول العالم العربي وبالتالي اهدائه لوالدي وتخفيف وطأة القهر في نفسي. فما يحز في قلبي أني لا أتذكر والدي خارج القضية الفلسطينية وقضايا العالم العربي والسيجارة. رحل والأمور تسير إلى الأسوأ. لكن الأطفال في غزة وكامل فلسطين يعلموننا يومياً مزيداً من الدروس في الوطنية، رغم انزعاج القسم الأكبر من العرب الذين يرون في الشعب الفلسطيني مصدراً لوجع الرأس.
■ تميز «تقاطع» بصرياً بمزج الغناء مع الغرافيتي. أظنها خطوة مشجعة جداً للإنتشار؟
■ هذا صحيح. عبر الانترنت ننتشر بقوة. مع هذا الإصدار يكون المتلقي حيال عمل سمعي بصري، إنما يستمر في الإطار الثقافي وليس التجاري، وانتشاره أقل من العمل التجاري الذي يستعين بمعايير أخرى بهدف التسويق. فحفلاتي في الغالب تتم من خلال جمعيات أو مسارح ثقافية.
■ غنيت «الجيلُ الجديدُ». هل تعرفين ماذا يريد هذا الجيل من الفن؟
■ ثمة فرق فنية جديدة لم تحقق شهرة بعد ولا تزال محسوبة في خانة الموسيقى البديلة. هذا التعريف للموسيقى كان له دور لمدى معين وبات لزاماً تغيره، فقد بات هذا النوع المسمى «بديل» هو الموسيقى الشبابية المعاصرة. في تونس شاب وفتاة «فرقة يوما» يكتبان، يلحنان ويغنيان «مكسرين الدني». وهما سيصبحان بعد عشر سنوات الأساس وما من أحد سيقف في وجههما. وفي مصر فرقة تجمع في كل حفل بين 6 و7 آلاف شخص. وعليهم ستسلط الأضواء. فالبديل اليوم سيصبح تجارياً غداً. سوق التلفزيون والإذاعة إلى تراجع والإنترنت هو الحاكم، وبالأرقام التفصيلية. إذاً ما تسمى بالموسيقى البديلة ستصبح معاصرة في المرحلة المقبلة.
■ ما هي إيجابيات الجمع بين الكتابة والتلحين والغناء والرسم لدى الفنان؟
■ ليس هناك أجمل من قدرة التعبير بكافة تلك الوسائل. هو اصراري، بهدف الإختلاف عن السائد في الفن. لو اشتريت الكلام واللحن لكنت كما الآخرين. أفضل الكتابة من منطلق أني امرأة وليس بقلم وفكر رجل. تحتاج المرأة للتعبير عن أفكارها، شعراء الأغنية يكتبون بشكل متواصل وكأنهم امرأة.
■ كم يلتقي حال الفن البديل الذي بدأ يزدهر من أواخر القرن الماضي مع المرحلة التي غناها وعاش فيها سيد درويش؟
■ نعيش حالياً تعدد فرق وأفكار فنية وموسيقية. سيد درويش كان سيد عصره، ولم يكن هناك سواه. ملاحظة لابد من ذكرها أن غالبية الفرق لا تعمل لتطوير الموسيقى الشرقية بل معظمها يتجه للغربي، باستثناء قلة في مصر وسوريا، وبالطبع زياد الرحباني وهو استاذ الجميع. هؤلاء جميعاً يأخذون الموسيقى الشرقية إلى مكان متطور، وما بقي يتشابه مع الغرب. هم صادقون ويعبرون عن المجتمع حتى وإن لم أكن محبذة للمنحى الغربي. كافة الفرق تسعى للاختلاف عن السائد، والمقارنة غير واردة. فسيد درويش أخذ الموسيقى الشرقية إلى مكان تعلّم منه الجميع. وما من موسيقي يسمح لنفسه بالقول أن سيد درويش ليس الأساس. منه تعلم القصبجي، عبد الوهاب، الأخوين رحباني، زياد الرحباني وكل من هو موجود في الفن اليوم.
■ ماذا عن إنتاج وتوزيع «تقاطع» وغيره؟
■ في الألبومين الأخيرين وهما «شوية صور» و»تقاطع» كنت مع الشركة النرويجية «كي. كي. في». تولت تكاليف التسجيل، والتوزيع الذي يشمل أوروبا، وبعض العالم العربي، وما يلي ذلك يقع على عاتقي. في المبدأ صارت الأغنيات ملك المنتج، وليس لي قرار منح أغنية لفيلم. ولا حق ضم أغنية منه إلى البوم جديد، أو تسويقها على حساباتي على الإنترنت. في المحصلة لا أملك هذا العمل في المدى البعيد. لهذا أهمية بقاء الفنان مستقلاً.