لماذا حقا يتحول بعض المجرمين إلى أبطال في التاريخ الشعبي. في طفولتي وصباي ما أكثر ما استمعت إلى مسلسلات إذاعية عن أدهم الشرقاوي وعن ياسين وبهية ثم رأيت أفلاما عنهم أيضا تمجدهم. كان ياسين مصدر رعب لأهالي جنوب الصعيد ولايستطيع البوليس أن يصل إليه حتى جاء الضابط محمد صالح حرب عائدا من مهمة عسكرية في وادي حلفا جنوب أسوان عام 1905 وأطلقت عليه ومن معه النيران من إحدى المغارات ففكر على الفور إنه ياسين وكان تفكيره صائبا واستطاع قتله. محمد صالح حرب سيصبح فيما بعد من أهم المناضلين ضد الاستعمار البريطاني ومن أهم من دعوا وأقاموا الجمعيات التعاونية لكن سيرة أدهم هي التي تغنى بها الشعراء. تقول الأغنية لشعبية:
يا بهية وخبريني يا بوي ع اللي قتل ياسين
قتلوه السودانية يا بوي من فوق ظهر الهجين
والحقيقة إنهم لم يكونوا السودانية بقدر ماكانوا حرس الحدود وكان أغلبهم من أصول سودانية. الأغاني الشعبية ثم السينما والمسلسلات جعلت من ياسين بطلا شعبيا استقر في وعي الناس فوجدنا غير الأغاني الشعبية أفلاما مثل «بهية» للبنى عبد العزيز ورشدي أباظة والسيناريو والحوار كان ليوسف السباعي الذي كان عسكريا ولابد يعرف حكاية ياسين لكن الأثر الشعبي كان أقوى من كل أديب أو كاتب حتى أن نجيب سرور كتب مسرحية رائعة عن ياسين وبهية. وطبعا لم يتأخر التلفزيون عن عمل ملسلسل عنهما. الأمر لا يختلف مع أدهم الشرقاوي الذي جاء من الشمال هذه المرة. البعض يقول من محافظة الشرقية والبعض من محافظة البحيرة. والصواب هو محافظة البحيرة. كان معروفا كمجرم ارتكب أول جريمة قتل وهو في التاسعة عشرة من عمره وسجن بسببها وفي السجن ارتكب جرائم أخرى منها القتل ثم هرب من السجن مع الفوضى التي حدثت أثناء ثورة 1919 وهنا تحولت أفعاله إلى بطولات وكانت في معظمها سرقة وقتل لكنه في نظر الناس العاديين ليس كذلك بل ضد السلطة والإنجليز. عن أدهم كانت الملحمة الشعبية وفيلم سينمائي بطولة عبد الله غيث ومسلسلان في التليفزيون الأول منهما عام 1983 بطولة عزت العلايلي.
رأت الإسكندرية أكبر عدد من المجرمين المشاهير في القرن الماضي أولهما ريا وسكينة في العشرينيات ثم سفاح كرموز سعد إسكندر في نهاية الأربعينيات وبداية الخمسينيات، ثم محمود أمين سليمان أو السفاح كما أطلقت عليه جريدة «الأخبار». وكذلك من فتواتها المجرمين الذين أصبحوا حالة شعبية حميدو الفارس الذي مات في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. طبعا لا أحد ينسي فيلم «حميدو» لفريد شوقي. بل صار اسم حميدو علامة على البطولة دائما. لاحظ أنهم كلهم غرباء عن الإسكندرية وفدوا إليها من الصعيد باستثناء حميدو الفارس إبن حي بحري الذي يقال عنه أنه أحرق قسم المنشية على من فيه من رجال البوليس، وأنه كان يمكن أن يثقب طرابيزة المقهى الرخامية بإصبعه وهو جالس. ليس هو وحده الذي نسجت حوله الأساطير بل حول الكثيرين من فتوات المدينة. لكن حميدو الفارس كان أكثرهم وظل اسمه «حميدو» اسما شعبيا اتسعت مساحته وصار اسما للفخر بين الناس . حميدو تعني البطل الذي لا يهزم. هكذا تداولتها حتى الأفلام. كيف إذن صار المجرمون أبطالا؟ هذا هو السؤال. لم أجد إجابة كافية لكن ماشاع عن الجميع أنهم دوخوا السلطات وهكذا فعلوا ما لا يفعله الآخرون. فمصر الدولة المركزية على طول التاريخ رسّخت في اعتقاد الناس أنه لايفلت منها أويقدر عليها أحد. «الحكومة عرجاء لكن تصيب الغزال» ومن ثم صار هؤلاء أبطالا لأنهم خرجوا من هذا الشرط . لكنهم كانوا مجرمين ارتكبوا الجرائم في حق غيرهم من الناس. ليس هذا مهما. المهم كيف غابوا عن أعين البوليس لوقت طويل وكيف لم يستسلموا بسهولة حين أراد القبض عليهم. وبعضهم كان أيام الاستعمار البريطاني ومن ثم ازدادت بطولتهم كأنها كانت في مواجهة الإستعمار وليس في مواجهة السلطات المصرية. كما أن الإشاعات التي شاعت عن بعضهم أعطتهم هذه القيمة. وخاصة إشاعات مهاجمة الأغنياء وسرقتهم. حتى ريا وسكينة مدمنتا القتل كان من أجل الحصول على الذهب الذي لايتوفر لمثلهما من الشعب. ولقد وضعتني الظروف لأرى يوما منزل سفاح كرموز على شاطئ ترعة المحمودية وأنا طفل. كان بعد جسر من الناحية الشمالية قريبا من باب شركة الغزل والنسيج باب صغير مغلق دائما أشار أبي لي وأنا طفل أمشي معه أن هذا باب منزل سفاح كرموز. لم يقل أكثرمن ذلك وظللت دائما أفكر في هذا السفاح وماذا كان يفعل وكيف كان يسكن في مكان ظاهر هكذا. ثم كبرت قليلا وصرت في الثانية عشرة من عمري وسمعت حكاية سفاح محطة مصر. محمود أمين سليمان الذي استوحى من حكايته نجيب محفوظ رواية اللص والكلاب. أذكر جيدا كيف كانت صحيفة «الأخبار» تنشر كل يوم عنه أخبارا ملفقة. يوما حاول قتل الموسيقار عبد الوهاب ويوما طلب من عبد الناصر السفر إلى العراق ليقتل عبد الكريم قاسم حاكم العراق. وهكذا حتى انتقم له الله من الصحيفة يوم أن نشرت خبر مقتله بعنوان «مصرع السفاح» وتحته عنوان آخر «عبد الناصر في باكستان». فقرأها الجميع مصرع السفاح عبد الناصر في باكستان . صودرت الصحيفة وأممت فيما بعد وظهرت القضايا ضد علي ومصطفي أمين. لم أعرف منزل محمود أمين سليمان لكني عرفت مكتب المحامي الذي قيل إنه كان وراء خيانة زوجته في أول شارع سيزوستريس من ناحية محطة مصر تحته مطعم سمك كنا نأكل فيه وأمامه بالليل زمان طبعا. كنا نذهب إليه في طريق عودتنا المسائية من السينما. أما منزل ريا وسكينة فكان دائما في طريقي في شارع السبع بنات جوار قسم اللبان الذي هدم فيما بعد في الثمانينيات وهدم البيت الذي ظل خاليا بعد القبض عليهما كل هذه السنين. كنت أندهش من بيت كهذا في منطقة تعج بالحركة والسهر وخلف قسم البوليس تقتل فيه كل هذه الضحايا. أما حميدو الفارس فلم أعرف له بيتا لا في المنشية ولا في رأس التين. ربما لأني لم أكن من سكان المنطقة ولا من المارين عليها دائما. لكنه كثيرا ما يقفز إلى ذهني كلما ذهبت إلى هناك أو سمعت اسم حميدو فابتسم.
لقد عشت أعجب من الدولة تستطيع أن تشوه السياسيين من معارضيها لكنها لا تستطيع أن تشوه المجرمين فالشعب يجد فيهم يأسا أو نكاية في الحكام ربما أبطاله المفقودين!
٭ كاتب مصري
إبراهيم عبد المجيد