لوقيان الشاموشطي الأديب والفيلسوف الآشوري الساخر: أعمال تاريخية وأدبية وتراث مضيّع

في القرن الثاني الميلادي، ظهر في عالمنا المشرقي أديب، فيلسوف، كاتب ساخر، يكاد لا يعرفه، بل لم يسمع به، كثير من أدبائنا المعاصرين. ذلك هو لوقيان الشاموشطّي، الآشوري الأصول، الذي ولد عام 120 وتوفي عام 180 ميلادية. كان مولده، ونشأته في مدينة «شاموشطّة» في ولاية الرها (شمال الفرات) الإغريقية ـ الرومية، وهناك تعلم الفلسفة وأتقن اللغة الإغريقية القديمة، وقرأ أرسطو وأفلاطون وتاريخ الإغريق القديمة وآدابها.
كانت لغة لوقيان هي السريانية الشائعة في المنطقة، ومدينته اسمها بالسريانية: شاموشطّه، أي شام الشط، أي الفرات. وكان لوقيان يتقن اللاتينية كذلك، لكنه يتجنب استعمالها لكراهيته الاستعمار الرومي، الذي انتهى بموت القيصر انتونيوس بيوس عام 161 وقيام الثورة بقيادة بارتيرنا لتحرير الوطن السوري من الاستعمار الرومي. ونرى في العصور الحديثة الأدباء السوريين، دون غيرهم، يحتفلون بالأديب الكبير لوقيان الساموساطي وليس الشاموشطّي.
كان لوقيان كثير السفر والتجوال في العالم الإغريقي – الرومي القديم، وفي حوض البحر المتوسط. وقد عمل في عدد من تلك البلاد في التعليم أو الإدارة: في أثينا ومصر وسوريا وغيرها. نشأ في أسرة فقيرة، وقد كتب كثيراً عن الفقر والجوع والإهانة التي تلحق بالفقير، دون أن يشغله ذلك عن الاستزادة من المعرفة بآداب الإغريق وفلسفتها. ويرى بعض الباحثين أنه استعمل حوالي عشرة آلاف كلمة في كتبه ورسائله، مُقترِباً مما كتبه أفلاطون نفسه.
كتب لوقيان الكثير من الأعمال الأدبية من قصص الخيال والوجود والفلسفة والرواية والحكاية، بلغت 27 قصة، وحوارات في البحر: 15 قصة، و26 قصة حوار مع آلهة الأولمب، ومع زيوس كبير الآلهة. وكان بذلك أول من استعمل القصة في تاريخ الأدب العالمي. وقد اشتُهر كذلك بقصص الرحلات الأسطورية إلى عوالم خيالية، محلِّقاً في عوالم الغرابة في وصف مخلوقات ونباتات مسحورة وجزر وأنهار وبحار، وكان بذلك أول من وصف حرب النجوم والعوالم الخيالية. وتوحي محاوراته مع آلهة الأولمب بالتشكيك في المقدّس والمتَعارف عليه. وقد عُرفت أعمال لوقيان بترجمتها اللاتينية في عصر النهضة الأوروبية، فعرفها وتأثر بها أدباء فرنسا الكبار مثل فولتير وموليير فأوحت لهما ولأمثالهما بأسلوب الشك والهجاء.
وليس لدينا ما يثبت أن شكسبير قد قرأ أعمال لوقيان باللاتينية، وهو الذي «يعرف قليلاً من اللاتينية وأقل من ذلك من الإغريقية» كما كان يقول حسّاده من «المسرحيين الجامعيين». ولكن هذا لا يستبعد اطّلاع شكسبير على أعمال لوقيان التي كانت موضع اهتمام معاصريه من أدباء عصر النهضة امتداداً إلى القرن السادس عشر. نجد أوضح أثر من استعمال شكسبير قصة لوقيان عن تيمون الأثيني، كارِه البشر، في مسرحيته بعنوان «تيمون الأثيني».
إضافة إلى موقفه المتشكِّك من الآلهة الإغريقية والمسلّمات، كان لوقيان يسخر من كثير من الفلاسفة وتناقضاتهم، وقد انتقد المجتمع من حوله انتقاداً لاذعاً، وسخر من الإنسان وجنونه في بعض الأحيان. كما أن المؤرخين لم يسلموا من انتقاداته، فكان يرى ان المؤرخين يقومون بنشر الأكاذيب دون تحليل أسباب الحوادث، بل يحوّرونها. والمؤرخون لا يكتبون إلا عن الأقوياء والملوك. وسبب هجومه على المؤرخين هو ما كتبوه عن حرب الروم ضد حركة تحرير البلاد. التي قادها في زمان بارتيرنا. وهجوم لوقيان على المؤرخين بسبب ما وجده في أعمالهم من متناقضات، لم يسلم منها هوميروس نفسه في عمله الشعري الكبير في «الإلياذة والأوذيسا». فالشعراء، في نظر لوقيان، مثل المؤرخين، لا يكتبون إلا عن الآلهة والأبطال والمعجزات. كان هذا الفيلسوف الشكّاك الساخر يريد أن يكون الإنسان مركز الاهتمام في الأعمال التاريخية والأدبية. وبهذا يكون لوقيان قد سبق الأزمنة الحديثة بكثير في الدعوة إلى المبدأ الإنساني في الكتابة.
من أجل ذلك ألف كتاباً عن كيف يُكتب التاريخ. وكان يصرّ على التعليم والدراسة ووجوب تقديسهما، ويصرّ على تسهيل التعليم أمام الفقراء، وهو منهم، فيقول إن الذين اختاروا الحكمة والعلم يبقون أحياء، حتى بعد موتهم الجسدي، لكن الأغنياء مصيرهم النسيان. وفي كتابه «سلطة الكذب» يتساءل: لماذا للكذب جاذبية كبرى للإنسان في هذا العالم؟ ويجيب إن سبب الكذب هو الانتهازية وقضاء المصلحة الخاصة. فاذا كذب الشاعر أو الكاتب فهذا غير مهم، ولكن عندما تركع الشعوب والدول لقضاء مصالحها وتؤمن بتلك الأكاذيب فتتحول إلى ضحية فتلك هي الطامة الكبرى. والأكبر من ذلك أن من يقف ضد تلك الأكاذيب يتهمونه بالكفر والمروق. وينتهي لوقيان إلى القول إننا في الشكّ بالأساطير الإغريقية الدينية لا يبقى للإغريق ما يفاخرون به، موحيا أن كل ما فعله الأغارقة نقل الفكر الفرعوني والبابلي.
على الرغم من كل هذا الإنتاج الأدبي والفلسفي الغزير، الذي بلغ 84 كتاباً في النثر وكتابين في المسرح الشعري، لا نجد ترجمة لأعمال لوقيان إلى العربية بالقدر المطلوب نوعاً وكماً، باستثناء ترجمة إلياس سعد غالي لكتاب «مسامرات الأموات واستفتاء ميّت» عن الأصل اليوناني (بيروت 1967) و»مختارات من أعمال لوقيانوس الساموساطي» (بغداد، وزارة الثقافة، 1979). لكن أوروبا قد نشرت الأعمال الكاملة بالأصل الإغريقي تقابله الترجمة بلغة أوروبية حديثة، في الغالب.
ثمة الكثير في أعمال لوقيان مما يمكن أن يفيد منه الأديب العربي، وقد سبقه إلى ذلك أدباء فرنسا على الخصوص. ومن الغريب أن يضطر الأديب العربي إلى نقل ما نقله الأديب الأجنبي عن تراثنا، ونحن أحرى بنقل ذلك التراث إلى لغتنا مباشرة، كما فعل المرحوم الياس سعد غالي. ثمة الكثير في أعمال لوقيانوس مما يذكّرنا بأوضاع عالمنا المعاصر، مثل المسلّمات التي يجب التشكيك بها، على المستوى الاجتماعي والسياسي مثلاً. وثمة الكذب، على المستوى الشخصي والحكومي، الاجتماعي والسياسي. وثمة الإصرار على أهمية التعليم والانفتاح على ثقافات الآخرين، وهو ما ينقص عالمنا العربي الراهن. كان الأغارقة ينظرون إلى غيرهم نظرة دونية، لأنهم لا يتكلمون الإغريقية، فهم «يُبَربِرون» أي يتكلمون لغة غير مفهومة، وهذا أصل كلمة «البربر». لذا نجد لوقيان، على الرغم من نشأته في ظروف الفقر، يتقن اللغة الإغريقية القديمة، لغة سقراط وأفلاطون، ويكتب بها، ليبرهن للأغارقة أن «البربري» بوسعه أن يكتب ويتكلم بلغتهم. ويتمسك لوقيان بقوميته، ويأبى أن يستعمل اللغة اللاتينية، لغة المستعمر الرومي لبلاده، ولو أنه كان يتقنها. ألا يحملنا هذا على السخرية من بعض أبناء بلادنا الذين «يتشاطرون» بتطعيم لغتهم العربية بكلمات وعبارات فرنسية أو إنكليزية، هم في الغالب لا يحسنون نطقها؟ ولكنها «لزوم الشيء» في الحفلات وعلى شاشات التلفزيون، وفي المهرجانات الخطابية، و»الذي منه» ولله في خلقه شؤون.
11ADA

لوقيان الشاموشطي الأديب والفيلسوف الآشوري الساخر: أعمال تاريخية وأدبية وتراث مضيّع

عبد الواحد لؤلؤة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية