سعيد الكفراوي بدأ ينشر قصصه القصيرة في الستينيات من القرن الماضي. هو من مواليد عام 1939، لكن كتاب الستينيات الذين أقاموا سورا حول بعض أسمائهم جعلوه خارج السور. لم يكن وحده طبعا، بل كان هناك من هو أقدم منه كتابة وجعلوه خارج السور، هكذا جرت الأمور في الحياة الأدبية المصرية.
وبالمناسبة ليست فاكهة أن تنتمي إلى أي جيل فيمكن أن تكون وحدك علامة، ومعذرة فهكذا شاءت المقدمة للحديث عن سعيد الكفراوي.
عرفته عن بعد هو ومحمد المنسي قنديل وجار النبي الحلو وهم من مدينة المحلة الكبرى، كما عرفت بعض شعراء منها مثل محمد صالح ومحمد فريد أبو سعدة مثلا. كنا ننشر قصصنا في مجلة «الطليعة المصرية» ومجلة «الهلال» و«روزاليوسف» و«مجلة المجلة» وغيرها، وكل في مدينته حتى كانت صدفة رأيت فيها ثلاثتهم. المنسي وسعيد وجار النبي، في محطة الرمل في الإسكندرية عام 1970 تقريبا. تقدمت إليهم فرحا ووقفنا سعداء باللقاء، ولم أنس دهشتهم من المدينة الجميلة.
تتابعت زياراتي للقاهرة وصارت الصدف تجمع بيننا، حتى أقام بها كل من المنسي قنديل وسعيد، ظل جار النبي حتى الآن في المحلة الكبرى. كانت قصص سعيد الكفراوي القصيرة مادة جميلة للنقاش في المقهى حين تظهر في المجلات. وبدا من وقت مبكر أن سعيدا معني بالهامشيين والغرباء والعابرين وبقضايا الخلود، متجلية في الموت الجميل. شخصياته كلها خارجة عن المألوف، فضلا عن لغة لم تتخل عن قدرتها التصويرية بأقل العبارات، فتمنح القصة شعرا وهي ليست بالشعر. ومضى الزمان الذي لاحظت فيه ملاحظة غير عادية عن سعيد، وهي أنه أبدا لا يضمر الشر لأحد، وإذا كان هذا متوفرا في الكثيرين ففيه هو أيضا ما هو أهم وأعظم وأكثر إدهاشا، وهو أنه لا يقف عند ما يفعله فيه الآخرون من شرور. كان انشغاله بالحياة مثلنا جميعا وبالكتابة قبل كل شيء. سافر مثل غيره إلى المملكة العربية السعودية وعاد بعد سنوات طويلة، ربما وصلت إلى ثماني سنوات كأنه لم يسافر ولم ينقطع عنا. منحه الله ولدين أدام الله سعادتهما هما حوريس وعمرو، الفنان التشكيلي البارز، لا يختلفان عنه في حبهما للبشر، وكذلك كانت زوجته أحلام. على وجه حوريس الطيبة كلها وعمرو تسبقه بسمته الطفولية. باختصار صار ولايزال سعيد الكفراوي استراحة المحارب لكل من تدهمه الحياة بشرورها. بيته أو اللقاء معه.
وكانت قصصه التي بلغت تسع مجموعات تتوالى مثل قطرات الندى في ليل حار للقراء ولنا ـ نحن أصدقاءه ـ وللنقاد، وتمسك الكتاب فتمسك بابتسامته. تُرجمت لسعيد مجموعة قصصيه إلى الفرنسية هي «كشك الموسيقى» بواسطة المترجمة البارعة ستيفاني دي جوليو وصدرت عن دار آكت سود منذ سنوات، وكذلك تُرجمت له مختارات قصصية إلى الإنكليزية بواسطة المترجم دينيس جونسون ديفيز، وصدرت عن الجامعة الأمريكية في القاهرة تحت عنوان «تلة الغجر».
وصدرت له عشرات القصص بلغات أجنبية في صحف ومجلات مصرية وأجنبية لم تُجمع في كتاب، تسع مجموعات قصصية حتى الآن من أبرزها «مدينة الموت الجميل» و«مجرى العيون» و«البغدادية» و«بيت للعابرين» و«شفق ورجل عجوز وصبي» و«دوائر من حنين» وكتابان في السيرة، والعلاقات الطيبة من جانبه ببعض الأسماء التي عاصرها مثل «حكايات عن ناس طيبين «و»حكايات من دفترالأحوال». وعبر هذا التاريخ لم ننقطع عن بعضنا رغم سنوات الغربة، بل كنت حريصا حين كنت أعمل مثله في السعودية في نهاية السبعينيات في مدينة تبوك في الشمال، أن أزوره حين أذهب إلى الرياض هو الذي يعيش في الرياض. طبعا أنا لم استمر غير عام، لكنه حين عاد إلى مصر واستقر فيها بدا كأنه لم يسافر. الروح الطيبة نفسها الحب للبشر جميعا. عرف سعيد الاعتقال مبكرا عنا وعاصرنا كل الأحداث السياسية منذ أيام السادات حتى ثورة يناير/كانون الثاني، وكم التقينا معا في ميدان التحرير مع غيرنا ومعنا زوجاتنا يحدونا الأمل. سعيد ظل دائما يعطينا الأمل، ولم يتحدث عن اليأس أبدا. والجلسة معه لا تخلو من الضحك بل الضحك روحها، فضلا عن الحديث عن الأدب والآداب وأزعم أنه أكثرنا قدرة على القراءة حتى الآن، ومتابعة لما يصدر في مصر وخارجها. بيننا دائما حب وبينا دائما شغب جميل. أذكر مرة كنت مدعوا في جامعة براون في ولاية رود آيلاند في أمريكا عام 1996.
كان معي كثير من أدباء العالم وكنا ننزل في بيت وسط الغابات في الولاية الصغيرة التي لا تجد فيها أحدا في الطريق منذ الساعة السادسة، وترى السحب فيها تكاد تلامس الأرض. كنا ننزل وسط الغابات في نُزل خاص بأساتذة الجامعة. رحل الجميع عن النُزل قبلي بيوم، لأنني كنت مسافرا إلى شيكاغو في قطار في اليوم التالي. صرت وحدي في النُزل وسط الغابات والظلام. ليل طويل لا يمر فأمكست بالتليفون واتصلت به من هناك وصرت أتحدث معه حتى يمر الليل. وأثناء الحديث أتظاهر أني أتحدث بالإنكليزية مع فتاة فأقول لها بالإنكليزية أن تنتظر لأني مشغول مع صديقي، ثم أتحدث مع فتاة أخرى باسم آخر أن تنتظر حتى انتهي من الحديث ثم فتاة ثالثة.
أقول جين وكاترين ومارلين ولا توجد جين ولا كاترين ولا مارلين، بل يوجد ليل طويل السواد حول النُزل ولا يبدو إنه سينجلي وهو يهتف على الناحية الأخرى «كل دول.. يا خرابي ياخرابي»، وأنا أمسك نفسي عن الضحك، وكلما قال لي أن انتهي وأتفرغ لهن أقول له إنني احتاج للحديث معك فهن لن يتركنني وهكذا. عدت إلى القاهرة فعرفت إنه صدّق الحكاية وقابلني الدكتور محمد برادة في المغرب وكان معه وقتها فقال لي أنت جننته.
وضحكنا ضحك السنين. مواقف كثيرة تحتاج مقالات من البهجة التي أرجو أن تظل، فسعيد الكاتب الكبير والإنسان النبيل فقد منذ شهر وعدة أيام زوجته وحبيبة عمره وأختنا أحلام التي لم تنجل بسمتها عن هواء القاهرة. أتحدث معه بالموبايل حقا والتقي به وأتمنى أن نلتقي دائما فنحن المحتاجون لسعيد الذي صار وحيدا، وأتمنى أن تكفيه محبتنا وتظل واضحة حوله في الفضاء. فليس من السهل أن يكون هناك كاتب ولا غير كاتب بهذا النقاء لأكثر من خمسين سنة لم تلوثه المدينة ولا تقلب الأحوال والعباد.
٭ كاتب مصري
إبراهيم عبد المجيد