بعد توقف عن الغناء استمر لمدة تقارب الأربعين سنة، أصدر فريق البوب السويدي «آبا» ألبوماً جديداً بعنوان Voyage يحتوي على عشر أغنيات، كتبها ولحنها كالعادة بيورن وبيني، لتغنى بصوت كل من فريدا وأنييتا، ولتنضم إلى قائمة طويلة من الأغنيات الرائعة التي أبدعها هذا الفريق منذ عام 1972 وحتى عام 1983، وظلت حية مدى السنوات المتعاقبة، يرتبط بها الجيل تلو الآخر، وتصير جزءاً من ذكرياته، وقد يكون هذا أهم وأخطر ما يميز فريق «آبا» حقاً، ويسبق حتى جمال الموسيقى والغناء، تلك القدرة على الوصول إلى عدد هائل من المستمعين حول العالم، باختلاف لغاتهم وثقافاتهم وأذواقهم الموسيقية وأمزجتهم الفنية، إلى درجة أن يشعر الفرد منهم بحنين قوي وانجذاب نحو زمنهم الغنائي، وإن كان من مواليد الثمانينيات أو بعد ذلك بكثير، لكنه يشعر بأنه عاش في تلك الحقبة، أو ربما يتمنى لو تمكن من العيش فيها، ويبدو الأمر كما لو أن له ذكريات مخفية في ذلك الزمن، وفي داخل تلك الأغنيات، تحاول الذاكرة البحث عنها، أما من عاصر فريق «آبا» في سنوات نشاطهم وأوج مجدهم الفني، فلا شك في أنه سيكون صاحب الحنين الأكبر، والذكريات الظاهرة الملموسة غير المتوهمة، التي لا تشقى الذاكرة في البحث عنها دون جدوى، وقد يكون للفرد أيضاً ممن لم يعاصروا هذا الفريق، تلك الذكرى الحلوة عندما قاموا باكتشافه، والاستماع إليه للمرة الأولى، والتعرف على موسيقى قديمة لكنها مفعمة بالحيوية والجدة الدائمة.
أما الموسيقى الجديدة في الألبوم الصادر مؤخراً، فهي لم تتخلص من ملامح الفريق القديمة وطابعه الخاص الذي يميزه، لكن هذه الملامح اكتسبت بفعل الزمن المزيد من النضج، والكثير من الحكمة والهدوء والتناغم مع الحياة وحركتها العبثية اللامنطقية بتقبل حلوها وتجرع مرها، هذا ما توحي به العودة بعد كل هذا الوقت، وما أجمل أن يعود هذا الفريق الذي لم يخيب التوقعات الحسنة، ولم يحقق مخاوف البعض من أن تكون هذه العودة مجرد محاولة بائسة ضعيفة وباهتة، تضر بصورة الفريق في المخيلة ومكانته في النفس، أو على أحسن الفروض تعتبر كأن لم تكن، لكن هؤلاء الأربعة أثبتوا أنهم يعرفون ماذا يفعلون ويحسبون خطواتهم جيداً، وأن الموسيقى في داخلهم لا تزال حية نابضة، وأنها الباقية بعد ذهاب الكثير من الأشياء، وهي أيضاً القادرة على جمع شملهم بعد تفرق طويل، فمن خلال الموسيقى كان اللقاء بينهم، وفي ظلها نشأ الحب الذي تحول إلى زواج في ما بعد، حيث تزوجت أنييتا من بيورن، وتزوجت فريدا من بيني، وعندما تحطم الزواج وتم الطلاق، توقفت الموسيقى وانفصل الفريق، وفشلت محاولات الاستمرار بشكل فردي التي أتى بها بعضهم، سواء في الغناء أو التأليف الموسيقي ولم تحقق أي نجاح ملحوظ، وبعد مرور وقت طويل على ذهاب الحب والزواج وآلام الطلاق والانفصال، عادت الموسيقى لتكون هي الرابط الذي يجمعهم ويشدهم للالتفاف من حوله مرة أخرى.

فريق «آبا» في متحف الشمع في ستكهولم
لا يحتوي الألبوم الجديد على أغنية تحمل عنوانه، لكن الرحلة تبدأ بأغنية I Still Have Faith In You التي تمهد للدخول في عالم «آبا» من جديد، بشكل هادئ غير متعجل أو قلق، يحاول إثبات شيء ما أو تأكيد حضور ما، وهي أغنية عن فريق «آبا» نفسه، وعن إيمانهم به وبالموسيقى، وبذلك الشيء الذي في داخلهم، عن توحدهم واحتياج كل منهم للآخر، وعن ذكرياتهم المشتركة، وكل ما مروا به من أمور جيدة وأخرى سيئة، والمدى البعيد من النجاح الذي وصلوا إليه. في بداية الأغنية يُسمع صوت الجمهور بطريقة غير مزعجة، ثم ينساب الغناء بطيئاً مع موسيقى خافتة تتصاعد تدريجياً، وقد تم تصوير هذه الأغنية بشكل توثيقي يعرض صوراً فوتوغرافية بالأبيض والأسود لأعضاء الفريق في مراحل عمرية مبكرة من حياتهم، ثم لقطات حية لهم في أماكن مختلفة، ومن كواليس تصوير بعض الأغنيات القديمة وكواليس الحفلات أيضاً، ولحظات القلق والتوتر التي تسبق الظهور على المسرح، يشعر المستمع بأن هذه الأغنية مجرد تمهيد وأنها تدور حول «آبا».
أما الدخول الحقيقي إلى الموسيقى المحببة والأجواء المألوفة، فيبدأ مع الأغنية الثانية When You Danced With Me حيث تنطلق إيقاعات توحي بأنها أيرلندية، ثم يزداد الشك في الأمر مع سماع مطلعها، الذي يقول «أتذكر عندما غادرت كيلكني» وبالبحث يتضح أن كيلكني منطقة في أيرلندا بالفعل، والأغنية عبارة عن مشهد قصير بين عاشقين قديمين لم يلتقيا منذ وقت طويل، ويسمع فيها جانب واحد من الحوار بينهما على لسان العاشقة التي تسأل عشيقها العائد إلى البلدة، بعد أن غادر إلى المدينة، هل يحب الحياة هناك، وهل هو سعيد لرؤيتها مرة أخرى، أم أن الأمر يحرجه؟ لكنها تقول دون أن تسأله وكأنها متأكدة من ذلك أنه يفتقد الرقص معها، هذه الأغنية تنقل المستمع إلى أجواء «آبا» بالفعل لكن بعد أربعين سنة، فالعشاق كبروا وباتت مواضيعهم وتصوراتهم عن الحب مختلفة، كما اختلف الغناء ووهنت الأصوات قليلاً، وصارت الموسيقى أكثر رزانة، وهو ما يلاحظه المستمع في جميع أغنيات الألبوم بشكل عام، وربما كان هذا مقصوداً خلال التنفيذ، أن تبدو الأصوات بعيدة بعض الشيء، أو معالجة بطريقة تجعلها تبدو على هذا النحو للشعور بالمسافة الزمنية التي استغرقتها رحلة العودة.
أما ثالث أغنيات الألبوم Little Things فهي من أغنيات الكريسماس اللطيفة بموسيقاها الرائقة ودقاتها المبهجة، وتبدو كأغنية للأطفال وعن الأطفال، وإن كانت تبدأ بحوار بين زوجين لا يزالان في الفراش صباح العيد، يحاولان الاستمتاع بوقتهما، قبل استيقاظ الأطفال وضوضاء السعادة التي يصنعونها، وفي نهاية الأغنية يكون هناك حضور للأطفال بالفعل من خلال الكورال، الذي يردد آخر مقاطعها، ثم تقوم الأغنية الرابعة Don’t Shut Me Down بإعادة المستمع إلى أجواء «آبا» الخالصة مرة أخرى، وهي من أجمل أغنيات الألبوم التي تعبر عن مشاعر عاشقة تعود إلى حبيبها بعد فراق، وتحكي له كم تغيرت أفكارها وشخصيتها، وتعلمت أن تتماشى وتأمل وتحب، بعد أن تفاجئه وتذهب إليه في شقته التي كانت غرفها شاهدة على حبهما، وتبدي سعادتها بأن الشقة لم يتغير فيها أي شيء، يستطيع فريق «آبا» أن يغني هذه المشاعر العادية بكلمات بسيطة، وأن يعبر عنها موسيقياً بألحان سهلة، ويصنع منها في النهاية أغنية رائعة، أما الأغنية الخامسة Just A Notion فكأنها تعود بالفريق إلى أيام الشباب، حيث تغني فتاة عن شاب على وشك التقرب منها ولحظات الشعور بالانجذاب قبل بداية التعارف، وهي أغنية لطيفة وبسيطة أيضاً لكنها قد تكون الأضعف موسيقياً بين أغنيات الألبوم.
وفي الأغنية السادسة I Can Be That Woman يوجد حزن وتذكر للخلافات بين الزوجين، ووصف المشاعر السيئة أثناء هذه اللحظات، وقد يشعر المستمع بأن الغناء فيها يتفوق على الموسيقى، نظراً لقوة التعبير الدرامي، وتنتقل الأغنية السابعة Keep An Eye On Dan من الخلافات إلى الانفصال، حيث تغنيها أم أوصلت طفلها إلى والده ليقضي معه عطلة نهاية الأسبوع، وتصف مشاعرها تجاه الطفل والأب الذي قد تكون لا تزال تحبه، رغم أن كل شيء انتهى، وعلى العكس من الأغنية السادسة تتفوق هنا الموسيقى بإيقاعاتها على الغناء وأسلوبه الذي قد يشعر المستمع بأنه لا يلائم المشاعر الموصوفة بالشكل التام، وتبدو الأغنية الثامنة Bumblebee مختلفة بأجوائها البعيدة عن البشر وخلافاتهم، وتأملاتها في عالم الطبيعة، حيث تجلس المغنية في حديقتها تراقب النحل والزهور، وهي أغنية هادئة بطيئة الإيقاع، لكن الإيقاع يزداد سرعة وحيوية في تاسع أغنيات الألبوم No Doubt About It التي تعود إلى الخلافات بين الزوجين والعصبية وعدم التحكم في الأفعال وإفساد الأمور، وينتهي الألبوم بنهاية رصينة إلى حد ما، كبدايته من خلال الأغنية العاشرة والأخيرةOde To Freedom بموسيقى شبه كلاسيكية وغناء حزين يردد كلمات قليلة عن الحرية، والرغبة في كتابة أغنية عنها، والتصور حول شكل وطبيعة هذه الأغنية، واليأس من أن تتحقق الحرية، أو حتى أن تُسمع أغنياتها، لكن نهاية الأغنية تقول: أتمنى أن يقوم أحدهم بتأليف أنشودة للحرية يمكن للجميع أن يغنيها.
كاتبة مصرية