«آخر الرجال المُحترمين « المُغامرة السينمائية الخاسرة لنور الشريف

ظل الفنان الراحل نور الشريف مُتمسكاً بقناعاته على مدار سنوات، بأن الفن الجيد لا بد أن يكون هو السائد، إذ لا بد من تفعيل دور القوة الناعمة، وعلى رأسها السينما، في إحداث التغيير المُجتمعي المطلوب للارتقاء بالشعوب، ووفق هذه القناعة خاض الفنان الكثير من التجارب ليُدلل على صحة ما يؤمن به.
ومن بين التجارب التي تحمس لها بقوة فيلم «آخر الرجال المُحترمين»، الذي أنتج عام 1984 وكتب له السيناريو الكاتب وحيد حامد، وأخرجه سمير سيف، ولأن الفكرة على الورق كثيراً ما تكون براقة وتُغري البطل قبل تجسيدها على الشاشة، فقد اعتقد نور الشريف وهو بطل الفيلم ومُنتجة أن الكتابة الجيدة وحُسن التناول والتوظيف الإخراجي هي الضمانة الحقيقية للنجاح.
لكن للأسف خاب ظنه بعد عرض الفيلم وعزوف الجمهور عنه، لأن الشريحة الجماهيرية الأكثر تأثيراً وهي شريحة الشباب، لم تقبل بفكرة الوعظ والإرشاد والنصيحة مُجرده، دون مُشهيات وتوابل حريفة، تدفع إلى المشاهدة وتُحسن من مذاق وطعم الفيلم في الإطار المرغوب فنياً، وهو لم يتوافر بالطبع لأن الموضوع الذي تم طرحه كان إنسانياً بامتياز خالياً تماماً من أي توابل أو مُشهيات.
الأحداث التي جرى تدشينها والعمل على توثيقها لتكون نموذجاً مثالياً لفن هادف وبناء، دارت حول شخصية الأستاذ فرجاني المدرس في إحدى المدارس الابتدائية في ريف مصر، الذي يؤمن تمام الإيمان بحق التلميذ القروي في الرفاهية ومساواته بتلميذ العاصمة، كما يؤمن أيضاً بمسؤولية كل مُعلم ومُربي تجاه تلاميذه، خاصة في المرحلة الابتدائية، باعتبارها المرحلة التأسيسية التي يقوم عليها مستقبل التلميذ في ما بعد. ومن بين ما أشار إليه الفيلم باهتمام بلا إثارة أو تخويف، جريمة خطف الأطفال قبل أن تتفشى الظاهرة نفسها وتنتشر وتُثير الرعب والقلق في قلوب أولياء الأمور. ويمثل الخطان الدراميان الأساسيان القوة الحقيقية في القصة والسيناريو، فمن خلال استعراض ما حدث أثناء الرحلة التي قام بها الأستاذ فرجاني إلى القاهرة مع مجموعة من تلاميذه، تبين للمُتلقي أهمية المحافظة على الأبناء وحمايتهم من عواقب الفوضى والإهمال، كبعد ثانٍ شديد الأهمية يُضاف إلى بُعد الرفاهية المُستحقة لطفل القرية المنفي والمُهمل في بعض الأقاليم النائية.
كتب وحيد حامد سيناريو الفيلم بإحساس الأب، فجعل كل التفاصيل مُتصلة بالحالة الإنسانية، بدءاً من وصول التلاميذ للقاهرة وخروجهم لحديقة الحيوان برفقة طاقم المدرسين والداده والمُشرف، وانتهاءً بحادث اختطاف الطفلة نسمة ابنة محمد أفندي الموظف في بنك التسليف الزراعي، عن طريق استدراجها بواسطة إحدى السيدات الأرستقراطيات (بوسي) التي تُعاني من أعراض نفسية مرضية حادة نتيجة وفاة ابنتها الوحيدة في سن صغيرة.


وحتى لا يكون حادث الاختطاف صادماً وموحياً بوجود ظاهرة مُتكررة، تم تغيير مسار الحادث وتعديله ليُصبح حادثاً عارضاً وشاذاً يختص بحالة مرضية وليس بواقع إجرامي مؤلم، وربما جرى الاتفاق بين الثلاثي وحيد حامد وسمير سيف ونور الشريف على تمرير حادث الاختطاف في سياقه الدرامي بهذه الطريقة، حفاظاً على الاستقرار الاجتماعي بعيداً عن دواعي الذعر والتخويف، ولفت النظر إلى وجود جرائم من هذا النوع. وبالطبع يندرج هذا التوظيف الحثيث والدقيق للقصة تحت بند المسؤولية الفنية والإبداعية، حيث لم يكن الهدف هو الإثارة بمعناها السلبي، بل كانت الغاية الأساسية هي التوعية، وهذا ما لم يستوعبه الجمهور الأقل نضجاً في حينه، وأدى بالفيلم إلى تحقيق معدل غير مسبوق من الخسارة، بدلاً من الاحتفاء به كنموذج استثنائي بين عشرات من الأفلام التجارية الاستهلاكية التي امتلأت بها دور العرض آنذاك.
جمع فيلم «آخر الرجال المُحترمين» بين أكثر من مُمثل محترف وقدير، علي الشريف وزين العشماوي وأحمد أبو عبيه ومحمد التاجي وأحمد راتب وسناء يونس، كل منهم كان مُضطلعاً بدورة في حدود المساحة المتاحة له كممثل ومبدع، لا فرق بينهم وبين الأبطال الرئيسيين على الإطلاق، كان الهدف واضحاً جلياً، توصيل رسالة السينما كوسيط ثقافي توعوي إلى عموم الجماهير، وإلى من يهمهم الأمر من كبار المسؤولين وصغارهم، وبالفعل وصلت الرسالة، لكن بعد سنوات طويلة من إنتاج الفيلم وإعادة قراءته مره أخرى بعيداً عن خسارته المادية التي مُني بها نور الشريف وحده كمنتج، ولم يكترث، كونه اهتم بجوهر الرسالة ومضمونها ومردودها الاجتماعي وليس الربحي.
لقد اعتمد المخرج سمير سيف على عنصر الإثارة والمفاجأة لتعزيز الحالة الدرامية للفيلم وتقويتها، بغرض استشراف الخطر عن بُعد والوقاية منه من الناحية الموضوعية للقصة والسيناريو، وفيما يخص حالة التصعيد فقد نجح سيف في جذب المشاهد لكل تفصيلة من الفيلم، سواء كانت إنسانية، أو وجدانية، أو غير ذلك من دلائل الانتباه واليقظة التي تربط عادة الجمهور بالأحداث، وبالطبع كان للمؤثرات الضوئية والسمعية والتصويرية دور مهم في تحقيق التفاعل المطلوب إذا استبعدنا عناصر الإغراء والتشويق وما يلزم شباك التذاكر من معطيات الترويج والتنشيط التقليدية التي لا يهتم بها غير المُراهقين.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية