في الأوركسترا وعلى الجانب الأيسر من المسرح، تجلس الأوبوا وسط عائلتها من الهوائيات الخشبية، خلف مجموعات الفيولينة والفيولا. ويكون ترتيبها الثاني من ناحية اليسار، في صف يضم الفلوت والأوبوا والكلارينيت، والكورنو الإنكليزي والباصون. ولا تتفرد الأوبوا بجمال صوتها ولا تميز قدراتها التعبيرية وحسب، وإنما تختص بدور مهم لا يقوم به سواها، فهي الآلة التي تضبط النغم قبل البدء في العزف، وتتبعها بقية الآلات، وتضبط نغماتها على صوتها، ويعود هذا الأمر إلى بعض الأسباب والتفاصيل التقنية، التي جعلت من الأوبوا الآلة الأجدر على القيام بهذه المهمة، ولا تنافسها في هذا أي آلة أخرى وإن كانت تنتمي إلى العائلة نفسها.
يعود تاريخ هذه الآلة الموسيقية إلى القرن السابع عشر، ومثلها مثل بقية المزامير، أو الآلات التي تصدر الصوت عن طريق النفخ فيها بالهواء، كالناي والفلوت وغيرهما. تطورت عن آلات قديمة جداً، تعود إلى ما هو أبعد من القرن السابع عشر بكثير، وتمتد إلى آلاف السنوات الضاربة عمقاً في التاريخ والزمن، وعرفتها الحضارات القديمة في مصر والهند وغيرهما من البلدان. وترتبط هذه الآلات التي تشبه الناي في الفكرة وأسلوب العزف وطريقة إخراج الصوت، بالرعاة والزهاد، وما كانوا يعزفونه في وحدتهم، ويتردد صداه في الفضاءات الشاسعة وسط الطبيعة. ودائماً ما تتمتع هذه الآلات بصوت جميل قريب إلى الروح، وقد امتزجت أنغامها بأنفاس البشر وحرارة قلوبهم.
الآلات الهوائية الخشبية
تنتمي الأوبوا إلى فصيلة الهوائيات الخشبية، وإن صنع بعض أنواعها، أو بعض أجزائها من المعدن، فلا يتغير المسمى وتظل من الهوائيات الخشبية. ويتكون جسم هذه الآلة من ثلاثة أجزاء، تنفصل عن بعضها ويعاد تركيبها، الجزء العلوي والجزء الأوسط والجزء السفلي، ولا يوجد فرق كبير بين أحجام هذه الأجزاء، وإن كانت غير متساوية تماماً، فهي تميل إلى الضيق نحو الأعلى وإلى الاتساع قليلاً نحو الأسفل. وإلى جانب القطع الثلاث، توجد قطعة رابعة، أساسية وعلى درجة كبيرة من الأهمية، وهي تلك القصبة مزدوجة الريشة، التي تثبت في الجزء العلوي من الأوبوا، وعليها يطبق العازف شفتيه ليتمكن من نفخ الهواء وليبدأ في العزف. هذه القطعة تحديداً تعد أكثر ما يميز الأوبوا، من ناحية الشكل والصوت عن بقية الآلات القريبة منها، بالإضافة إلى الكم الكبير من المفاتيح الأمامية والخلفية، المثبتة على جسم الآلة. وبعد كل هذا يأتي دور المهارة البشرية بالطبع، ومدى إتقان العازف وحساسيته، وفهمه لطبيعة الأوبوا ومدى انسجامه معها. ومهارات تنظيم التنفس والتحكم فيه، خاصة أن تقنيات العزف المتعددة تتطلب طرقاً مختلفة من التنفس. أما الموسيقار، فإن الأوبوا تكون أمامه وفي مخيلته، عندما يقوم بالتأليف الموسيقي والأوركستراسيون، ويمنحها الجمل الموسيقية التي ستؤديها منفردة، أو مع أخواتها من العائلة نفسها، أو مع آلات من عائلات أخرى كالوترية والإيقاعية.

فالآلات الموسيقية في الأوركسترا، تكون كالممثلين في المسرح، وكما أن هناك الممثل البطل الذي يلعب الدور الرئيسي، وهناك الممثلون الذين يؤدون الأدوار المساندة، وهناك الأدوار الهامشية العابرة، التي توجد كإضافة لإثراء المشهد وتزيينه، وهناك الممثل الذي يدخل ليقول جملة أو جملتين، لكن دوره يكون على قدر كبير من الأهمية، ولا يمكن الاستغناء عنه أو حذفه، وإلا اختل العمل بالكامل، لأن ما يقوله يكون هو ما يربط بين أجزاء الدراما، أو يضيء جوانبها ويكشف أحداثها ويحل عقدتها. كذلك هي الآلات الموسيقية في الأوركسترا، لكل آلة اسم وصوت، وطبيعة خاصة وشخصية مستقلة، ودور تلعبه ومشاعر توصلها، وأحاسيس تخلقها في نفس المستمع، وما تقوله آلة ما، لا تستطيع أن تقوله وتعبر عنه آلة أخرى بالدقة والحساسية نفسها. وهنا يكمن بعض جماليات وأسرار الموسيقى، ومهارات الموسيقار في اختيار الآلات وتوزيع الأدوار عليها، وإدراكه للفروق الدقيقة جدا التي تميز الواحدة منها عن الآخرى، وتؤهلها للتعبير عن الحالة العاطفية والنفسية والدرامية للقطعة الموسيقية. وخصوصاً الفروق بين الآلات التي تنتمي إلى عائلة واحدة، ليس فقط من ناحية حدة الصوت أو غلظته، لكن من ناحية إحساس هذا الصوت ونبرته، وطبيعته التي تميل إلى الرقة أو الحزن أو القوة، وإلى ما هنالك من طباع وأحوال. فما تقوله الفيولينة على سبيل المثال، وما تستطيع أن تعبر عنه صوتياً، يختلف عما يعبر عنه كل من الفيولا والتشيللو والكونترباص، على الرغم من أنها تنتمي إلى عائلتها الوترية، وللهارب بأوتاره الطويلة الهائلة، قدرات تعبيرية تختلف تماماً عن جماعة الوتريات، على الرغم من أن الهارب آلة وترية. وكذلك هو الحال أيضاً في الهوائيات الخشبية، فالفلوت الذي يعد الآلة الأقرب إلى الناي، أو الناي الإفرنجي كما يقال، له صوته وتعبيراته النغمية، التي تختلف عن كل من الأوبوا والكلارينيت، والكورنو الإنكليزي والباصون والبيكولو، ولهذه الاختلافات الفضل في خلق المتعة، التي يشعر بها السامع وهو ينتقل من آلة إلى آلة أخرى، ومن نغم إلى نغم آخر، ويتقلب بين الحالات الشعورية المختلفة.
حضور الأوبوا في موسيقى العظماء
نسمع صوت الأوبوا في أعمال عظماء الموسيقى الكلاسيكية، كبيتهوفن وموزارت وتشايكوفسكي وغيرهم الكثير، ونصغي إلى انفراداتها التي لا تنسى، وإن كانت قصيرة زمنياً، في السيمفونيات والباليهات المشهورة، وفي بعض القوالب والأشكال الموسيقية الأخرى التي تم تأليفها في العصور الفنية المتعاقبة كعصر الباروك، والعصر الرومانتيكي والعصر الكلاسيكي. وهناك من الموسيقيين الكلاسيكيين، من اهتم بالأوبوا وعمل على منحها مساحة أكبر، لكي تظهر جماليات صوتها، وتمتع السامع بسحر أنغامها، فألفوا لها القطع الموسيقية الموضوعة في قوالب فنية، تعتمد على مجموعة قليلة من الآلات تتزعمها الأوبوا، أو آلة واحدة فقط تصاحب الأوبوا، ومن هذه القوالب الكونشرتو والسوناتا على سبيل المثل. للأوبوا صوت ساحر، يميل إلى الحزن والشجن، أكثر قوة وحدّة من صوت الفلوت، وأقل غلظة من صوت الباصون، ويظهر صوت الأوبوا في اللحظات الشاعرية، أو لحظات الهدوء وسط الصراعات الكبرى، وبالطبع يعتمد عليها الكثير من الموسيقيين في تصوير لحظات الحب والغرام، ومشاهد التقاء العشاق.
ومن أجمل الأعمال التي يمكن الاستماع من خلالها إلى صوت الأوبوا، كونشرتو الأوبوا الثنائي، للموسيقار الإيطالي توماسو ألبينوني، صاحب الأداجيو المشهور الذي تحول إلى أغنية بلغات متعددة، كالإيطالية والإنكليزية وغيرهما، ويعد ألبينوني من أكثر الموسيقيين اهتماماً بآلة الأوبوا، وألف لها عدة أعمال منفردة ومع آلات أخرى. يستغرق عزف الكونشرتو عشر دقائق تقريباً، وبما أن هذه القطعة تنتمي إلى عصر الباروك، فهي لا تخلو من حسن التنميق والزخرفات الجميلة، وفي بداية الكونشرتو يسمع صوت الأوبوا، في عزف سريع متلاحق في طبقة مرتفعة بعض الشيء، لكن الوتريات هي التي تمسك بالخط الميلودي الرئيسي، وتتقطع تداخلات الأوبوا، وتتراوح الحركات بين البطء والسرعة، والجمل الطويلة والقصيرة، وانسجام آلتي الأوبوا في قول اللحن الواحد، أو تعارضهما، حين تقول كل منهما لحناً مختلفاً، أو اللحن ذاته بتنغيمات متعددة وتلوين آخر. ومن عصر الباروك أيضاً، نستمع إلى سوناتا الأوبوا في سلم سي صغير، للموسيقار الإيطالي أنطونيو فيفالدي، ومن أشهر أعماله الفصول الأربعة، وتمتد السوناتا إلى نحو تسع دقائق، وفيها تعزف الأوبوا بمصاحبة البيانو فقط، الذي يبدأ بنغمات رقيقة، ثم تدخل الأوبوا بنغم شجي حزين، وامتدادات توحي بشحنات عاطفية ورغبة في البوح، مع انتهاء الجمل الموسيقية بارتعاشات خفيفة، واللحن المتصل لفترات طويلة يتخللها الصعود والهبوط، وأحياناً تتوقف الأوبوا قليلاً من أجل الراحة، ويواصل البيانو العزف، ثم تدخل من جديد بحركة سريعة وأكثر نشاطاً.
وللأوبوا انفرادات رائعة في بعض السيمفونيات، كالسيمفونية الثالثة لبيتهوفن، وتحديداً في حركتها الثانية، حيث تغني الأوبوا لحنها الخلاب، بينما تصاحبها في الخلفية بشكل خافت منخفض، إيقاعات المارش الجنائزي. وفي سيمفونية تشايكوفسكي الرابعة، نسمع صوت الأوبوا منفرداً في الحركة الثانية، من خلال جملة موسيقية بديعة تتكون من نغمات متلاحقة، وتتكرر لثلاث مرات، وتكون المرة الثالثة بتنويع جديد كما هي العادة، إلى أن تسلم اللحن للوتريات. وفي باليه بحيرة البجع لتشايكوفسكي أيضاً، توجد أجمل الألحان للأوبوا في الثيمة الرئيسية للباليه، وهي من أشهر الثيمات الموسيقية على الإطلاق، وعلى الرغم من أن الأوبوا لا تنفرد وحدها بعزف هذه الثيمة، وتصاحبها بعض الآلات الأخرى، إلا أن الأوبوا هي البطلة، لأنها تمثل صوت البجعة، بينما يقوم الهارب بالتعبير عن صوت المياه وتموجاتها. وعند ريمسكي كورساكوف، في موسيقى شهرزاد، تتألق الأوبوا، التي يأتي دورها بعد كل من الكمان والباصون، فالكمان يبدأ العزف بطابعه الكلاسيكي النقي، ثم يدخل الباصون ليمنح الموسيقى لمسة شرقية خفيفة، بينما تؤكد الأوبوا هذه اللمسة الشرقية الخيالية بشكل كبير، وتغرق السامع في أجواء الحكايات وألف ليلة وليلة.
كاتبة مصرية