يطرح الصحافي والكاتب آندرو فاولر قضية ذات أهمية كبرى في هذه المرحلة من تاريخ العالم وهي إذا كان التشدد في مراقبة وسائل الاتصالات والإعلام والتواصل الاجتماعي يساهم بفعالية في مكافحة الإرهاب، أو أن المبالغ المالية الهائلة التي تصرفها الدول الغنية على تطوير تقنياته وتصديرها إلى دول العالم الثالث تؤدي إلى عكس ما تبتغيه هذه الدول، ونتيجتها توجيه ضربة قاسية ضد الديمقراطية في العالم.
فاولر الذي عمل مراسلاً دولياً في هيئة الإذاعة الأسترالية وحقق برامج تلفزيونية وكتابات واسعة الانتشار حول موضوع الإعلام والإرهاب، أصدر في نهاية العام الماضي كتاباً هاماً بعنوان “إخراس ناقلي الحقيقة” كشف فيه الوسائل التي تستخدمها الدول الكبرى لإدانة وتجريم الصحافيين والإعلاميين بدلاً من العمل على القبض على الإرهابيين الذين يرتكبون الجرائم في شوارع أوروبا وأمريكا ودول أخرى في العالم.

ويقول فيه إن الأجهزة والوكالات الأمنية في هذه الدول متطورة إلى درجة ان لوائحها السرية تتضمن أسماء وعناوين ثلاثة أرباع الأشخاص الذين يرتكبون مثل هذه الجرائم، ولكنها تتركهم يسرحون في الشوارع ويخططون لعمليات بحجة انهم تحت المراقبة، فيما هي تركز على المراقبة والتنصت والتجسس على المواطنين العاديين في منازلهم وأماكن عملهم وترصد هواتفهم وأجهزة كومبيوتراتهم ورسائلهم النصية! كما تنشط في نقل أجهزة التنصت والمراقبة المتطورة إلى الخارج وبيعها إلى دول ديكتاتورية لتستخدمها ضد مواطنيها. وبالتالي، تساهم في قبض هذه الدول على أصحاب الآراء الحرة فيها والتنكيل بهم وقمعهم:
ويذكر فاولر في هذا المجال ان الصحافيين الملتزمين مهنتهم وقيمها وأصحاب الآراء الحرة الذين يقدمون خدمة كبيرة للعالم في مكافحة الإرهاب بأشكاله المختلفة (بعد ما يكشفون عن مجريات وحقائق الأوضاع) يتم كمّ أفواههم والاعتداء عليهم وحتى قتلهم في بعض الأحيان مما يساهم في نشر الإرهاب وازدياده وتقويته.
ويرفض الكاتب المقاربة القائلة ان الصحافة والإعلام والإنترنت الحر تساهم فقط في تسهيل عمليات الإرهاب، كما تدعي بعض قيادات هذه الدول للتشدد في شرائعها وقوانينها الموجهة ضد الحريات، وإلى جانب زيادة التنصت والمراقبة على الشعوب عموما، والإعلاميين خصوصاً.
ويذكر فاولر في الفصل (12) أسماء شركات أمريكية وأوروبية باعت قدرة استخدام تكنولوجيا الأجهزة المتطورة في التنصت إلى دول في الشرق الأوسط استخدمتها للإيقاع بالأصوات الحرة والقبض عليهم وقمعهم. ومنها شركات بريطانية وأوروبية وأمريكية تابعة للشركات العالمية الكبرى المتخصصة في صناعة وبيع الأسلحة (ص 221). كما يتحدث بالتفصيل عن استهداف هذه الدول وأجهزتها الأمنية لمؤسسات إعلامية تلفزيونية عربية كقناة “الجزيرة” تفضح مخططات تلك الدول المشجعة والمحرضة على الخلافات السياسية والحروب بين دول الشرق الأوسط خصوصاً. وان “الجزيرة” استهدفت وهوجمت أثناء غزو العراق عام 2003 وفي مناسبات دعمها للانتفاضات والمقاومة العربية. كما يضيف أن أحد شروط أمريكا وحلفائها لإحقاق السلام وتسهيله بين دول خليجية هو ضبط أو وقف بث قناة “الجزيرة”.
ويتساءل كيف يمكن ان تنتشر الديمقراطية في الشرق الأوسط عندما يتم تزويد الدول الأكثر قمعية فيه بأجهزة التنصت والمراقبة المتطورة جداً والتي تستخدمها لاعتقال مواطنيها وقمعهم؟ أو كيف سيستطيع أي إعلامي الحصول على معلومات مفيدة للجميع من مخبرين مالكين لهذه المعلومات والوقائع عندما يخشى الجميع على حياتهم إذا أفشوا بهذه المعلومات؟
ويشير في هذا المجال إلى ان قمع الإعلاميين الأحرار تم في معظم عهود الإدارات الأمريكية المتعاقبة، ومن دون استثناء، إذ يقول انه حتى عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما استهدف وحاكمَ العدد الأكبر من المخبرين من أي عهد أمريكي آخر، منذ منتصف القرن الماضي (ص 230). كما أن العهد الأمريكي الحالي استهدف البند الأول من الدستور الأمريكي الذي يحمي حرية الرأي وخالفه عندما اعتبر المدعي العام الأمريكي في مطلع عام 2017 ان المشرف السابق ومؤسس منظومة “ويكيليكس” جوليان أسانج يستحق المحاكمة في أمريكا لأنه فضح أسرارا (من دون ان يقدم الأدلة الكافية ضده) وكأن استهداف آسانج وادوارد سنودون وتشلسي ماننغ قانونياً كان هدفه الأساسي ترويع كاشفي الأسرار وإخراسهم في سائر أنحاء العالم وإخضاع الرأي العام العالمي لمشيئة الحكام المستبدين الذين قد يتجاوز بعضهم حقوق الإنسان والشرائع الدولية.
ويؤكد فاولر ان الصحافي أو الإعلامي أو أي مسؤول آخر لا يكشف عن الأخطاء في قرارات القيادات العالمية يكون بالفعل متقاعساً عن القيام بواجبه ومهمته.
ويشير في هذا المجال إلى التقاعس الذي حدث في عامي 2002 ومطلع عام 2003 قبل الغزو الأمريكي للعراق الذي يعتبره الكاتب فاشلا وأحد الأسباب الرئيسية لانتشار الإرهاب في العالم. والمسألة، في رأيه، ليست التقاعس فقط بل في كثير من الأحيان تشجيع بعض الإعلاميين لقيادات بلادهم للقيام بمخالفات للشرائع الدولية والتحريض على الحروب ونقض الاتفاقيات والمعاهدات الأممية. وبدلاً من ان تراقب الأجهزة الأمنية الأمريكية والأوروبية الأشخاص الذين ارتكبوا وقد يرتكبون جرائم إرهابية فهي تقضي وقتها في مراقبة آسانج وسنودون وماننغ والدعوة إلى محاكمتهم وإصدار العقوبات والإدانات ضدهم وسجنهم، وبالتالي، فهدفها اخراس كاشفي الحقائق والإعلاميين الأحرار في بلدانها وفي البلدان التابعة لها وفي العالم عموماً.
وتبين مؤخراً ان آسانج كان تحت المراقبة اليومية لدى لجوئه في السفارة الاكوادورية في لندن بين عامي 2012 و2019.
وفي الفصول الأولى من الكتاب، الثالث والرابع، يفضح فاولر أشخاصاً من المحافظين الجدد في أمريكا الذين ساهموا في التحريض على غزو العراق عام 2003. عادوا إلى مناصب المسؤولية مؤخراً في الإدارة ويحرضون حاليا على نشوب حروب أخرى في المنطقة.
ويذكر أن أحد هؤلاء (مستشار الأمن القومي الأمريكي الحالي جون بولتون) اعتبر في مقابلة معه في صحيفة “الغارديان” البريطانية عام 2013 ان حرب أمريكا في العراق كانت ناجحة وضرورية وحققت أهدافها. كما يشير المؤلف إلى أن صحف الناشر الأسترالي روبرت ميردوخ ووسائل الإعلام المتلفز التي يمتلكها، شجعت بدورها حرب أمريكا على العراق ويحرض معظمها حاليا على حروب أخرى في المنطقة (ص 38 ـ 39). وهذا الأمر، في رأي فاولر، يساهم في دفع قادة دول العالم الكبرى إلى شن المزيد من الحروب بدلاً من الحذر من امكان محاسبتها على ما فعلته سابقاً. ويتطرق إلى ما كتبه وبثه صحافيون آنذاك عن امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وإلى ارتباط النظام العراقي السابق بمنظمة “القاعدة” وطلب الرئيس جورج بوش الابن وأعوانه من الصحافيين (في عام 2002) التركيز بشكل أكبر على خطورة النظام العراقي السابق من إبراز الدور الرئيسي لمنظمة “القاعدة” التي كانوا يعرفون انها كانت وراء هجمات الحادي عشر من أيلول (سبتمبر) عام 2001 على نيويورك وواشنطن.
وخطأ ادوارد سنودون، الذي كان يعمل في “وكالة الأمن القومي” الامريكية (في رأي الكاتب) انه لاحظ من منصبه الأمني ان الإدارة الأمريكية تركز أكثر مما يجب على مراقبة أبناء الشعب الأمريكي في منازلهم وأمكنة عملهم بدلاً من مراقبة وإيقاف المجموعات التي تحوم الشكوك حولها وأنها تستخدم الحجج بوجود خطر قومي للمبالغة في المراقبة والتجسس والتنصت على الناس. وحتى عندما تكتشف بعض الإشارات الهامة، فهمها الأكبر كان مراقبة منتقديها في الإعلام والإنترنت.
ويقول فاولر انه يجب عدم الثقة إلى درجة كبيرة بان قيادات الحزب الديمقراطي في أمريكا ستكون أكثر انفتاحاً في تعاملها مع كاشفي الحقيقة، فالمرشح للانتخابات الرئاسية لعام 2020 عن هذا الحزب، نائب الرئيس السابق جوزف بايدن، وصفَ كاشف الحقيقة جوليان آسانج في إحدى مقابلاته السابقة بـ”إرهابي التكنولوجيا المتطورة” (ص 47). كما قاد روبرت ميردوخ وصحفه ومؤسساته الحرب الإعلامية ضد آسانج، وعدم معارضة تسليم بريطانيا له ليحاكم في أمريكا على جرائم مفبركة لم يرتكبها على الأرض الأمريكية. وساهم في هذه الحملة رئيس وزراء أسترالي سابق في دعوته إلى سحب جنسية آسانج الأسترالية منه. وبالتالي، فان كل من ينتقد التجاوزات لحقوق الإنسان والشرائع الدولية ويكشف الحقيقة أصبح متهماً بالخيانة العظمى في النظام العالمي الجديد!
وعندما حاول رئيس التحرير السابق لصحيفة “الغارديان” البريطانية آلان روسبردجر الدفاع عن حرية الصحافة في بريطانيا والعالم ودعا إلى عدم التعرض لكاشفي الحقائق كادوارد سنودون وجوليان آسانج ووقف ضد تعاون الأجهزة الأمنية الأمريكية والبريطانية لإدانة أصحاب الآراء الحرة، فُبركت له عملية ورطته واضطر بنتيجتها إلى الاستقالة من منصبه بعد عشرين عاماً من قيادته لهذه الصحيفة بحرية، وتسلم المنصب من بعده أشخاص أقل كفاءة وأقل جرأة منه.
وكان روسبردجر اضطر إلى تمزيق أوراق ومستندات متعلقة بقضية ادوارد سنودون قبل استقالته. وقد صرح آنذاك (في عام 2013) انه سيأتي في وقت لن يعود فيه بإمكان الإعلام ان يستعين بمخبرين وكاشفي حقائق بسبب الأجواء القمعية التي تفرضها الأجهزة الأمنية على الصحافة في العالم”. (ص 60 ـ 61).
ويوضح فاولر بان صحيفة “الغارديان” وبرغم انها ممولة من هيئة وصاية تعهدت بتأمين حريتها الصحافية، لم تستطع إكمال رسالتها، كما كان يأمل رئيس تحريرها السابق، فيما تستمر صحف ميردوخ وأمثاله في تشويه الحقيقة وبث التحريض على الخلافات والحروب. فإذا لم تنجح “الغارديان” في ذلك، يسأل فاولر، من هي الجهة التي ستنجح؟ (ص 64). ويضيف، من هي الجهة التي ستحمي الصحافيين والإعلاميين وكاشفي الحقائق الشجعان في العالم، وخصوصاً أن مصادر التمويل والدعم للمؤسسات الإعلامية الحرة تتقلص أكثر فأكثر مع مرور الزمن؟
Andrew Fowler: “Shooting the Messenger”
Routledge, London 2018
244 pages.