أجواء خانقة وظروف صعبة تحيط بنسور قرطاج قبيل المونديال

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس -” القدس العربي“: يستعد نسور قرطاج لخوض نهائيات كأس العالم لكرة القدم قطر 2022 في ظروف صعبة، إذ تحيط المشاكل بهم من كل حدب وصوب وهو ما دفع البعض إلى الخشية من مشاركة كارثية في ظل المجموعة الصعبة التي يوجد فيها المنتخب وتضم فرنسا بطلة العالم والدنمارك وأستراليا.

 كما يُخشى من أن تؤدي كل تلك المشاكل إلى الإضرار بمستقبل كرة القدم التونسية خلال السنوات القادمة، سواء على مستوى المنتخبات أو الأندية التي اعتادت على لعب الأدوار الأولى في قارتها بالرغم من الظرف الاستثنائي الذي مرت به تونس طيلة العقد الماضي.

فالخلاف على أشده بين وزارة الشباب والرياضة التونسية من جهة والإتحاد التونسي لكرة القدم أو الجامعة كما تسمى في تونس، وهو ما استدعى تدخل الفيفا التي راسلت الاتحاد لتستفسر عن حقيقة ما يحصل في موطن القرطاجيين وتحذر من مغبة تدخل السلطات في استقلالية الاتحاد وسائر الهياكل الرياضية. ويؤدي ثبوت التدخل كما هو معلوم في حرمان المنتخبات والأندية التونسية من المشاركات الخارجية سواء القارية أو الإقليمية او الدولية لمدة سنتين وهي مدة طويلة نسبيا تؤدي بعد انقضائها إلى تراجع المستوى وإلى تدحرج المنتخبات والأندية التونسية من فئة إلى فئة في ترتيب الفيفا، وتؤدي أيضا في المستقبل إلى عدم ترؤس المنتخبات والأندية التونسية للمجموعات في عمليات القرعة المتعلقة بالمسابقات القارية والإقليمية وإلى النزول إلى مستوى أدنى في عمليات القرعة المتعلقة بالمسابقات الدولية.

كما كانت تحضيرات المنتخب واستعداداته لهذا الموعد المهم دون المأمول وهو ما تؤكده النتائج الحاصلة في المباريات الودية وخصوصا مباراة البرازيل الأخيرة التي جاءت قبل انطلاق الدوري التونسي، وما زال كثير من اللاعبين الناشطين في أوروبا لم يعودوا بعد إلى نسق المباريات بالإضافة إلى أخطاء المدرب الذي ترك المساحات في الخط الخلفي وكأنه يتبارى مع منتخب من الدرجة الثالثة. ويدرك القاصي والداني أن أسباب تعطل انطلاق الدوري التونسي قبل مباراة البرازيل هي المشاكل التي اختلقها رئيس الاتحاد التونسي لكرة القدم وديع الجريء مع نادي هلال الشابة للمرة الثانية، وذلك بعد أن تدخل الفيفا في وقت سابق وحسم خلافا بين الطرفين لصالح هلال الشابة الذي يسقطه الجريء في كل مرة إلى الدرجة الثانية فتعيده الفيفا إلى مكانه الطبيعي في الرابطة المحترفة الأولى.

لقد تمكن نسور قرطاج قبل حصول هذه المشاكل ومع نهاية الموسم السابق حين كان النسق في أوجه، من الفوز بدورة دولية ودية في اليابان، انتصر فيها على منتخب التشيلي وعلى المنتخب الياباني في عقر داره بثلاثية نظيفة، لكن كثرة المشاكل أثرت لاحقا على التحضيرات وعلى تركيز عناصر المنتخب الذين ليسوا بمعزل عما يحصل من تجاذبات ومن مشاكل. حيث كان بالإمكان الخروج بنتيجة أفضل بكثير ضد البرازيل لو كان المنتخب يعيش ظروفا طبيعية مثل كل المنتخبات المشاركة في مونديال قطر والتي تستعد لهذا الحدث بشكل جيد لرفع رايات بلدانها.

ولعل ما زاد الطين بلة تصريحات بعض اللاعبين القدامى التي تشكك في قدرات هذا المنتخب، حيث يقال إنه يعاني في مركزين مهمين، وهما حراسة المرمى وقلب الهجوم الهداف القادر على إسكان الكرة في الشباك، وبالتالي لا يمكن للمنتخب الذهاب بعيدا من دون حارس مرمى عملاق وهداف ماهر. كما طالت الإنتقادات المدرب جلال القادري باعتباره كان مساعدا للمدرب الأول المنذر الكبير الذي تمت إقالته بعد كأس أمم أفريقيا بالكاميرون وكان يفترض أن القادري سيحل مكان الكبير لفترة زمنية محدودة حتى يتم التعاقد مع مدرب أجنبي أو محلي لكن الإتحاد التونسي قام بتثبيت القادري على رأس المنتخب من دون أن تكون له الخبرة الكافية لتدريبه.

وعلى ما يبدو فإن هذه المشاكل هي التي دفعت بأحد قدامى اللاعبين الدوليين التونسيين الكبار، إلى توقع خروج نسور قرطاج مبكرا من المونديال وهو ما أثار سخط أطراف عديدة وتأييد أطراف أخرى رأت في ما قاله هذا اللاعب السابق عين الصواب نظرا لاختلال موازين القوى بين تونس ومنافسيها في المجموعة الدنمارك وفرنسا. فهل كان من الضروري إطلاق هذه التصريحات المحبطة قبيل المونديال القطري الذي تتوق أمم عديدة إلى المشاركة فيه من دون أن يسعفها الحظ لتنال هذه الشرف الذي بدا وكأن التونسيين لا يعيرونه الإهتمام اللازم من خلال تصريحاتهم وتحضيراتهم؟

ووسط هذا الجو الخانق لكل أمل في تقديم نسور قرطاج لمستوى لائق في المونديال، يخرج كل محلل في البرامج الرياضية التونسية للدفاع عن لاعب ينتمي إلى ناديه مؤكدا على أحقيته بأن يكون ضمن قائمة المنتخب. حيث أصبح كل واحد من هؤلاء المحللين يغني على ليلاه آملا بأن يحصل ناديه على مبلغ مهم من المال من الفيفا التي تمنح مليون دولار عن كل لاعب يشارك في المونديال لناديه. وبالتالي تحولت هذه البرامج إلى ساحة للدعاية للاعبي هذا النادي وذاك، أملا في جني المال من الفيفا وذلك على حساب مصلحة المنتخب الذي سيمثل تونس في أهم تجمع رياضي عالمي في لعبة كرة القدم.

وقد دفعت كل هذه المشاكل بالبعض إلى القول أن منتخب نسور قرطاج هو منتخب عظيم، فرغم كل هذه الظروف القاهرة التي يضاف إليها سوء الوضع الإقتصادي والإجتماعي والسياسي في تونس، استطاع أن يترشح إلى نهائيات كأس العالم، وقبل ذلك إلى ربع نهائي كأس أمم أفريقيا رغم الإصابات بكورونا  والإقامة في مدينة تشهد اضطرابات مسلحة وفي رطوبة خانقة، وقبل ذلك أيضا لعب هذا المنتخب التونسي نهائي الكأس العربية في الدوحة، ولولا غياب الدهاء عن المدرب المنذر الكبير في نهاية المباراة حين انهار المنافس بدنيا لكان اليوم التونسيون أبطالا للعرب. ألم يستطع هذا المنتخب رغم الظروف القاهرة أن يبقى تونسياً في الخارطة الكروية الإقليمية والقارية والدولية؟ فما الذي يمنعه من مواصلة التحدي وتجاوز العقبات والصعوبات لتحقيق الأفضل لكرة القدم التونسية؟

وتجدر الإشارة إلى أن الفيفا لن تعاقب المنتخب التونسي ولن تحرمه من المشاركة في مونديال قطر لأن الجامعة التونسية ردت على المراسلة بما مفاده أن الوزارة لا تتدخل في عملها، وحتى لو ردت بخلاف ذلك فإن هناك إجراءات يتم القيام بها، تأخذ الكثير من الوقت إلى ما بعد المونديال. وهناك أطراف عديدة تؤكد أن رئيس الإتحاد التونسي هو من سعى لكي يبعث الفيفا تلك المراسلة حتى يخفف من الضغوط التي تطاله من وزارة الشباب والرياضة ومن التتبعات القضائية التي أثيرت ضده.

وبالتالي ستشارك تونس في مونديال قطر في ظرف صعب واستثنائي وغير معتاد بالمرة وكأن المشاكل جميعا قد اتحدت ضد هذا المنتخب. فهل يفعلها نسور قرطاج ويصنعون من الضعف قوة ويتحدون الصعوبات يساعدهم في ذلك عاملا الأرض والجمهور باعتبارهم سيلعبون في بلد عربي وأمام جمهور تونسي غفير مقيم في دولة قطر؟

ألا ينعت الأوروبيون تونس بإيطاليا أفريقيا بسبب قدرتها على التقدم والتواجد في دائرة الضوء باستمرار رغم الظروف الصعبة ورغم عدم ارتقاء الأداء وعدم الإقناع. إنها كرة البراغماتية والقدرة على التأقلم مع ما هو موجود وتحدي الصعاب. فهل يكون القائد القرطاجي حنبعل أو هنيبعل الذي رُسم درعه على القمصان الرسمية لنسور قرطاج التي سيخوضون بها مباريات المونديال، ملهما لأحفاده لتحدي الصعاب وهو الذي غزا روما وعبر جبال الألب في البرد القارس بجيوشه ووضع نصب عينه مقولته الشهيرة “إذا لم نجد طريقا للنصر فلا بد أن نصنعه لأنفسنا”!

 

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية