أحلام مستغانمي في «أصبحتُ أنت»: سيرة روائية تقع باكراً في إرث الذاكرة

سارة سليم
حجم الخط
2

يقال إن الكتاب الناجح يبدأ حين تنتهي من قراءته، ففي الدقيقة الذي تغلقه فيها لن تعاود النظر إلى كل ما تعودت النظر إليه بالطريقة ذاتها، إذ يتسع أفق تقييمك للأمور، وفي تلك اللحظة بالذات تبدأ في طرح التساؤلات عن كل الأشياء التي صادفتها من قبل ولم تلق لها بالاً، خاصة إذا جمع الكتاب ما بين السيرة الذاتية الشخصية، والتوثيق لمرحلة مهمة من التاريخ، أي أنك تقرأ العام والخاص بالتوازي تماماً، وفي نفس الخط السردي الممتع.
وهذا ما سيكتشفه القارئ للسيرة الروائية «أصبحتُ أنت»، أحدث إصدارات الأديبة الجزائرية أحلام مستغانمي، التي تنطلق فيها من الخاص لتنتقل إلى العام بمتعة أدبية تبقيك على فضول، فلا أنت أمام سيرة أدبية خالصة، ولا أنت أمام نص أدبي يروي التاريخ من وجهة نظر الأدب.
وثقت أحلام مستغانمي الخاص من زاوية التاريخ، وجعلت القارئ يرافقها إلى تلك الفترة، ويعيش بعض التفاصيل التي ذكرتها، خاصة فيما يتعلق بأحداث مضت من تاريخ الجزائر، لربما نتعرف ونحن نقرأ على بعض الأحداث. لكن هذا العمل يجعلك لا تتوقف عند هذا الحد، بل تبحث في كل ما قرأته سابقا، قد نعرف الكثير من الشخصيات التي ذكرتها مستغانمي، ولا شك قرأنا عن كل واحدة منها ما قرأنا، لكن الكاتبة استحضرت تلك الشخصيات التاريخية وأخرى انطلاقا من البعد الشخصي، للحديث عن أبعاد وطنية شكلت تداخلاً بين سيرة أحلام وسيرة الجزائر.
نقرأ الكتاب على أنه سيرة روائية لكاتبة تعيد استحضار سيرة والدها، لكن النص لم يتوقف عند كونه سيرة روائية يتداخل فيها الواقع والخيال لدرجة يصبح الواقع هو ما يحكم الخيال بنسبة كبيرة، بل تتجاوزه إلى التوثيق لمرحلة مهمة من تاريخ الجزائر بعد الاستقلال.
وفي الواقع لا تأتي مستغانمي على ذكر الأشياء كنوع من التوثيق البحت، تلك حيلتها في تمرير التاريخ، إنها لا تسرد ماذا حدث ذلك الوقت، بل كيف حدث بتعبير أورهان باموك الذي يقول: «لا تُقرأ الرواية لمعرفة ماذا سيحدث، بل كيف سيحدث». لذا يلحظ القارئ أن النص مليء بالرمزيات التي عرفت مستغانمي كيف توظفها روائياً.
ومن المهم أيضاً الإشارة إلى نقطة ملفتة تحدثت عنها الكاتبة في سيرتها هذه، وهي كيف حوربت كشابة عندما كانت تقدم برنامجاً إذاعياً شهيراً ذلك الوقت، يبث ليلا، يحمل عنوان «همسات»، وكل ما صادفته من عراقيل في بداية طريقها كطالبة متفوقة منعت من إتمام دراستها العليا، رغم أنها كانت ضمن أول دفعة معربة في الجزائر المستقلة.
هل حوربت لأنها أول فتاة تكتب باللغة العربية؟ أم أنها حوربت لأسباب أخرى تتعلق بأسرتها ووالدها؟
حين ينهي القارئ هذه السيرة الروائية سيكتشف كل هذا وأسبابا أخرى شكلت شخصية أحلام مستغانمي الأديبة التي حازت على الدكتوراه من جامعة السوربون تحت إشراف شيخ المستشرقين جاك بيرك، نالت الدكتوراه لكنها لم توقع يوماً بذلك اللقب الأكاديمي لأنها أرادته هدية لأبيها وحده.
والدها الذي تخاطبه في سيرتها هذه قائلة: «كلُّ كتاباتي كانت تنقصها دهشتك. كلُّ نجاحاتي كان ينقصها زهوك. أيُّ شقاءٍ أن تكتب للقارئ الوحيد الذي لن يقرأك».
وعودة إلى رمزيات النص، إن للحمام على سبيل المثال في هذه السيرة وظيفة الشخصية الروائية التي عليها أن تقول شيئا في الأخير.
فحين عادت بالذاكرة إلى لحظات الاستقلال، ما بين دخول الثوار إلى العاصمة أو ما أسمته بفيلم مثير تحت عنوان «الاجتياح الكبير» وعودة الفرنسيين إلى فرنسا، أو ما عبرت عنه على أنه مسلسل كبير بعنوان «الهجرة الكبرى»، ذكرت الحمام الذي كان شاهدا من وجهة نظرها على التاريخ تقول: «تأملاتي الأولى حول الحرية، تشكلت وأنا أتأمل الحمام».
كما ذكرت رمزية المصعد الذي يلتقي فيه الفرنسي بالجزائري أثناء فترة الاستقلال، إذ لم تتقبل جارتهم الفرنسية مدام كوزيت مقاسمة المصعد مع عرب حتى أنها لم تكن ترد التحية على والدها كما يتوجب، لذا لم ينس والدها إهاناتها له، فبرغم أنهما افترقا، إلاّ أن كل واحد منهما ما زال يريد أن يقول شيئا للثاني. تقول: «تعلمت من الأدب الفرنسي الكياسة، ومن جرائم الاستعمار الشراسة، فقررت أن تكظم غضبك، وتعدَّ لها ردًّاً أكثر أذًى من الكلمات. لن تسمع منك كلمة بعد الآن، في الصمت إهانة تفوق كل ما يمكن أن يُقال، فالصمت أعلى درجات الاحتقار. ألم يقل ديغول: وحده الصمت كبير؟».
تعود مجددا للمصعد الذي توقف عن العمل لتقول: «ثم… سنة بعد أخرى، وأنا أكبر، غدا المصعد المرصد لوطن كثيراً ما توقف به التاريخ بين طابقين».
في الحديث عن توقف المصعد وساعة الأزهار التي نشفت من الماء وتوظيف الحمام الكثير من الرسائل التي عرفت مستغانمي كيف تنثرها في سيرتها هذه على نحو سردي ممتع.
تحدثت عن حلوى «الميل فاي «Mille feuilles أو «ذاكرة الزمن الصعب « بتعبيرها، التي كانت تأخذها لوالدها في المصحة. وعن طعم «الميل فاي» يقول والدها: «تدرين.. الإشكالية في كل ما هو حلو، هي أننا حال الانتهاء منه نحتاج إلى الماء، وعندها يذهب المذاق، فنريد المزيد منه».
سيتوقف القارئ عند تحايل والدها على الطبيب الفرنسي بذكاء وكبرياء، حتى لا يعرف ذلك الطبيب أن ما أوصله إلى المصحة هو الجزائر أي أنه مرض بسببها. هنا تبين كيف يخفي الرجل الحر مأساته الحقيقية عن الآخرين، حتى أنها أعادت روائيا كتابة رسائله، واستحضرت حتى حماس تلك الليالي التي كان يقضيها ساهرا لأجل بلاده، وكيف كان يدرس كل عاملة تأتي إلى البيت لإيمانه بقدرة التعليم على إحداث الفارق الحقيقي في حياة البشر، إذ تروي في سيرتها هذه ما كانت تعنيه المكتبة لوالدها، المكتبة التي خسر بسببها كل مدخراتهم.
تقول: «كنت تحب الكتب كما رجال زمنك، وكانت أمي تحب المظاهر كما هو المجتمع اليوم، أما أنا فكنت أحبك، كما كل البنات المفتونات بآبائهن».
وعن المكتبة تقول: «تلك المكتبة تختصر شخصيَّة عائلتنا فرداً فرداً، كما تختصر ما آلت إليه الجزائر جيلا بعد جيل».
وعن رجال ذلك الزمن، نقرأ عن عبد الحميد مهري السبب الرئيسي الذي دعاها لكتابة ذاكرة الجسد، نقرأ عن محمد إسياخم، أحمد بن بلة. نقرأ أيضا عن خالها الضابط المتقاعد سي عز الدين، وخالتها بديعة، ووالدتها التي نزعت الحايك مع الاستقلال، ثم بعد ذلك ارتدت الحجاب، ولهذا كله رمزياته، لكنها تتحدث عن والدتها الإنسانة بكل صدق، الصدق الذي تقتضيه السيرة الأدبية.
في هذه السيرة الروائية نقرأ عن مصر والمرحلة الناصرية، وعن عبد الحليم حافظ، إذ يكتشف القارئ أنها توثق بذكاء لتاريخ الجزائر انطلاقا من عدة تواريخ وأحداث متداخلة وصمت تلك الفترة.
في السيرة الكثير من الإشارات لجرائم فرنسا ضد الجزائريين أقلها ضررا الألقاب السيئة التي منحتها فرنسا للجزائريين، وتلك الألقاب كان فيها بتعبير مستغانمي «اغتيال معنوي للإنسان الجزائري.»
وذكرت في السيرة ثلاث فرنسيات، كل واحدة منهن تمثل نوعاً معيناً من الفرنسيين.
هناك الفرنسية التي لم تغفر للجزائريين استقلالهم، والفرنسية التي حاولت أن تعيش مع الجزائريين، لكنها لم تستطع. والفرنسية التي خافت وغادرت.
تستحضر مستغانمي أيضا الفرنسيين الذين كانوا مع الجزائر حتى أنهم عُذّبوا وماتوا لأجلها، وهؤلاء لا يجب أن يسقطوا من الذاكرة أبداً، وقد ذكرت أمثلة عن هؤلاء كالمناضل اليهودي إيميل شقرون، وفرانز فانون، والصحافي هنري علاق، وفيرناند إيفتون الذي أعدم لأجل الجزائر.
حين تنهي الكتاب تتساءل عندما تصادف فرنسيا هل هو مثل الطبيب الفرنسي الذي كان يعالج مجانين فرنسا والجزائر معاً؟ أم أنه مثل الفرنسي الذي قتل الجزائريين كزوج مدام كوزيت، أم تراه مثل الفرنسي الذي ضحى بحياته من أجل القضايا الإنسانية العادلة أمثال إيفتون؟ أم هو مثل مدام سيمون أو لربما مثل مدام تكسيه التي تمنت لو «تأخذ معها الأحياء»، أم أنهم مثل مدام كوزيت التي ودت «لو أخذت معها أمواتها»، حسب وصف الكاتبة.
شكلت هذه التساؤلات وأخرى كتاب «أصبحتُ أنت»، لكنك حين تقرأه لن تصبح كما كنت، وهنا تكمن المتعة السردية في هذه السيرة الروائية التي جمعت بين الشخصي والأدبي، بين السياسي والعاطفي، بين الواقعي والاجتماعي، وهي التي تقول: «صغيرة وقعت في قبضة التاريخ. أصعب من الوقوع في الحب، الوقوع باكرا في إرث الذاكرة.»
لتجيب أحلام مستغانمي عن السؤال الأهم كيف أصبحتُ أنت؟
أحلام مستغانمي: «أصبحتُ أنت»
نوفل، بيروت 2023
302 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية