■ عن دار النشر الإيطالية آليتي إيديتوري في روما، صدر للشاعر أحمد الشهاوي أنطولوجيا شعرية باللغة الإيطالية بعنوان «كل شيء يبدأ من وردتك» من إنجاز المترجم المغربي الرداد شراطي، الذي خصها بتقديم، في ما يلي نص ترجمته عن الإيطالية. أحمد الشهاوي شاعر مصري معاصر، خط لمساره الكتابي مسلكا مكنه من رسم ملامح خاصة لتجربته الشعرية؛ إنها الملامح التي بها تتفرد هذه التجربة، وتمنع تماهيها مع تجارب سابقة عليها أو معاصرة لها.
لعل أهم ملمح يبني تفرد هذه التجربة الشعرية هو رهانها على البُعد الصوفي بعد تحريره من الحمولة الدينية، ذلك أن استثمار الشاعر أحمد الشهاوي لهذا البُعد يقوم على إدماج المتخيل الصوفي في شعره، يقوم هذا الإدماج، بوجهٍ خاص على جعل العلاقة التي يبنيها الصوفي مع الله أساس العلاقة التي يبنيها الشاعر مع المرأة، على نحو مكن الشهاوي من العبور بالنفَس الصوفي من بُعده الديني إلى بُعده الجسدي، بما يسمح لهذا النفس بأن يشتغل شعريا.
في ضوء هذا العبُور من البعد الديني إلى البعد الجسدي، يمكن أن نفهم أيضا علاقة شعر الشهاوي بالقرآن. إن معرفة الشاعر بالقرآن، بِحُكم تربيته الأزهرية، هيأت له، بعد تشبعه بالشعريات الحديثة، أن يستند إلى تأويل خاص للقرآن عندما يستثمره في البناء الشعري. لا بد في هذا السياق، من التأكيد على الجُرأة الكتابية التي انطوت عليها أشعار أحمد الشهاوي، وهي الجرأة التي جرت عليها مضايقات من قبل الأزهر نفسه، وجماعة الإخوان المسلمين، والجماعات الأصولية التي تدعي الكلام باسم الله، حتى بلغت هذه المضايقات حد تكفيره، لأن من ينزع إلى التكفير يظل في منأى عن إدراك رهان الشعر، وعن إدراك المعنى الشعري والاقتراب من مجهول عوالم الشعر التخييلية.
لقد خاطر أحمد الشهاوي، من داخل ما يتطلبه الشعر من مخاطرة، في كتابة قصيدته من قلب العلاقة التي نسجها بين القرآن والشعر. من المعلوم أن لتاريخ هذه العلاقة في الثقافة العربية القديمة والحديثة، تشعباتها ومآزقها، وهي تنطوي على اختلافات بينة في تصور الشعراء لها؛ لذلك تحتفظ هذه العلاقة بسمتها الخاصة في كل تجربةٍ شعريةٍ تراهن على بناء المعنى من داخل هذه العلاقة.
وإذا كان أحمد الشهاوي يصر على إنتاج المعنى من داخل هذه العلاقة؛ فإنه يعي في الآن ذاته أن كل نسج لوشائج بين الشعر والقرآن يتوقف بالضرورة على التأويل الذي وفقه يتم هذا النسج، ولعل السمة المميزة للتأويل الذي به بنى أحمد الشهاوي علاقة شعره بالقرآن، هي ما جعل المعنى يتولد، في هذه المنطقة، من داخل الإيروسي متوجها إلى المرأة، يمكن التمثيل لذلك بقول الشاعر في إحدى قصائده:
«ما لي
لم أعد أفكر في الجنة
مذ ذقت فاكهتك الأولى».
فالجرأة التي ينطوي عليها شعر الشهاوي تكمن، بوجه رئيس، في الاستناد إلى القرآن لتوليد معنى إيروسي يحتفي بجسد المرأة، ومن ثم، فإن التناص القائم بين شعر أحمد الشهاوي والقرآن ينطوي على موجهات تكشف عن حرص الشاعر على العبور من الديني إلى الشعري، وذلك بجعل الديني يتراجع ويخفت كي يتيح للجسد أن يكون ضالع الحضور في الشعر. إن هذا التناص الذي عليه عوّل الشاعر بصورةٍ استراتيجيةٍ في بناء شعره، وفي توليد المعنى، هو أحد المواقع الأساسية المُسعفة في قراءة شعره والاقتراب من رهانات هذا الشعر.
ليس الجسد المُتولد من العبُور المشار إليه سابقا، مُجرد ثيمةٍ باردة أو متكررة في شعر أحمد الشهاوي، بل هو رؤية الحياة والوجود والكون، رؤية منفتحة ومتحررة تحتفي بالإنسان، وتمجد الحُب لا انطلاقا فقط من كونه علاقة بين جسدين يقتسمان التجاذب، بل أساسا من كونه موقعا لتفكيك تصورات دينية تقليدية منغلقة؛ بهذا المعني، يحضر الجسد الذي يُعد أس كتابة الشاعر أحمد الشهاوي. إن المعنى الحيوي والمنفتح الذي به يحضر الجسد في شعر أحمد الشهاوي يجعل الرؤية المشار إليها ذات مسالك وفروع عديدة، لعل أهم هذه المسالك الحضور القوي للأنثوي في شعره.
لا يكف أحمد الشهاوي في ممارسته النصية عن قراءة الأنثوي واستجلاء مجهوله، انطلاقا من جسد المرأة، بوصف هذا الجسد خزان معنى ومنبعا شعريا لا نهائيا. فالشاعر أحمد الشهاوي يعد جسد المرأة مهبطَ الأسرار. يقول في أحد نصوصه: «اللهم علمني قراءة الجسد، ففيه مهبط الأسرار». هكذا يبدو الجسد الأنثوي في شعر أحمد الشهاوي، كما لو أنه المدار الذي منه تنبثق كل الأسرار، وفيه تتخلق كل المعاني، وهو ما يجعل الجسد في تجربة أحمد الشهاوي الشعرية حمال معانٍ وجودية. لعل هذا المعنى الكتابي القائم على الاستثمار القوي لاحتمالات الجسد الدلالية، هو ما يكشف أيضا حرص شعر أحمد الشهاوي على الإنصات لأغوار الذات والنفاذ بعيدا إلى مجهولها، فغالبا ما اتخذ الشاعر من جسد المرأة منفذا لاستغوار ذاته والكشف عن أعماقها.
ثمة قصائد عديدة للشاعر تقوم أساسا على استجلاء هذه الأعماق. في هذه القصائد، يتم الكشف عن نُزُوع هذه الذات وعن انشغالاتها وقلقها وشغفها وحلمها، وعن المجهول الذي إليه تنجذب.
إلى جانب الرهان الكبير على الجسد، ينطوي شعر أحمد الشهاوي على هواجس الفعل الكتابي، وعلى القلق المصاحب لهذا الفعل والمتولد عنه في آن. كثيرا ما حول الشاعر أحمد الشهاوي أسئلة الكتابة وقلقها إلى ثيمة لقصائده، وبذلك يشرك شعره في تأمل التجربة الشعرية وفي إبراز قضايا الفعل الكتابي. إن تجربة أحمد الشهاوي الشعرية ممتدة في الزمن، إذ تجاوزت العقود الثلاثة، وهو ما تكشفه الأعمال الشعرية التي أنتجها الشاعر، لذلك لم يكن سهلا انتخاب قصائد من هذه الأعمال قصد ترجمتها إلى الإيطالية، فقد حرصت في الانتخاب على اختيار قصائد تكشف الجوهري في تجربة أحمد الشهاوي الشعرية، أي الرهان على استثمار البعد الصوفي في إنتاج كتابة شعرية تعول على الإيروسي بوصفه رؤية تحررية ذات أبعاد متعددة.
لم تكُن ترجمة هذه الإضمامة، التي انتقينا قصائدها من كتاب «أحوال العاشق» و«الوصايا في عشق النساء» و«سماء باسمي» و«باب واحد ومنازل»، أمرا يسيرا بل اعترضتها صعوبات عديدة، من بينها استناد نصوص أحمد الشهاوي الشعرية إلى خلفية صوفية، انعكست على معظم القصائد تراكيبها وصورها، وهو ما تطلب الانفتاح على المرجعية الصوفية بقصد فهم رهانات هذه القصائد؛ فالبحث عن مقابلات للمعجم الصوفي مثلا لم يكن يحسم أمر المعنى ما اضطرني، في العديد من الأحيان، إلى إضافة هوامش توضيحية؛ فترجمة شعر أحمد الشهاوي هي عبور بالحمُولة الثقافية الصوفية للنصوص نحو لغة أخرى «اللغة الإيطالية»، تملك أكثر من مقابل لمعجم هذه الحمولة.
إلى جانب هذه الصعوبة المركزية في ترجمة شعر أحمد الشهاوي، ثمة صعوبة أخرى تمس متخيل هذا الشعر. ذلك أن هناك صورا شعرية في أعمال الشهاوي ألزمتني، على مستوى ترجمتها، بالعود، إلى نصوص ثقافية إيطالية، وفي مقدمتها نص «الكوميديا الإلهية» لدانتي، ولاسيما ما يتعلق، في هذا النص وفي شعر أحمد الشهاوي، بمشاهد العالم الأخروي. وبالجملة، فإن ترجمة شعر أحمد الشهاوي إلى اللغة الإيطالية يتيح لهذه اللغة التعرف إلى شعرية حديثة ومنفتحة، شعرية انبنت أساسا على النفَس الصوفي وعلى استثمار هذا المُتخيل في الاحتفاء بالجسد واتخاذه مدارا ومركزا لتوليد المعنى ولإرساء رؤية مُتحررة.
٭ شاعر مغربي