أحمد حسب الله الحاج في “فشودة”: كيان سردي يتشكل من حكايات تؤدي إلى حكايات

سيد أحمد بلال
حجم الخط
1

يقدّم أحمد حسب الله الحاج في روايته “فشودة” سردية موازية للسردية “الرسمية” لتاريخ السودان الحديث. إذ تضع الرواية شخصية أحد الأرقاء “علي جفون” في مركز السرد والبطولة بينما تدفع بشخصيات “المهدية” إلى الوراء بعيداً عن المركز. وفي محاولة الكاتب لتأسيس تلك السردية سيستنطق عالماً موازياً يبدأ باختطاف طفل صغير من قبيلة الشلك، ومن بلدة فشودة جنوب السودان وبيعه في غربها لأسرة مزارعين – رعاة، ثم يتغير مصيره بعد أن أخذته الحكومة لينشأ كجندي – رقيق منبت الجذور يعطي ولاءه الكامل للحكومة. وفي ذلك المسار يكتسب هوية جديدة هي الجندي – المقاتل كبديل لهويته المفقودة. وعلى امتداد الرواية يحاول الكاتب أن يمنح حياة الجندي – الرقيق معنى يتجاوز الحدود المهنية، وذلك بدءاً من المقطع الشعري للشاعر الانكليزي اللورد بايرون والذي يثبته باللغتين الانكليزية والعربية في أول صفحة، ويقول بايرون:

لن يفشل أبداً الذين يموتون من أجل هدفٍ نبيل

وربما يمتص دماءهم الوهم

ربما تنتفخ رؤوسهم تحت الشمس

وربما تعلق أطرافهم على بوابات المدينة وعلى جدران الحصون

ولكن أرواحهم ستمضي عبر الحدود

ورغم مرور السنين ومشاركة الآخرين ظلمة القدر

سيعززون الأفكار العميقة وبعيدة الأثر

التي ستتغلب على كل فكر

وسيعود العالم أخيراً نحو الحرية

لا بد من قراءة الرواية أيضاً على ضوء مقال هام لمؤلفها أحمد حسب الله الحاج نشرته صحيفة “التغيير” قبل شهور تحت عنوان “التاريخ والسرد والوعي السياسي” والذي يركز فيه على أن “هناك مداخل متعددة للتعامل والتفاعل مع الخطاب ما بعد الكولونيالي (ما بعد الاستعماري)، ولعل أفضلها هو التعامل مع المنظور على أنه نقد للتاريخ”.

رواية “فشودة” كيان سردي يتشكّل من حكايات تؤدي إلى حكايات وقعت في فضاء تسري فيه الأنهار والقبائل والنبوءات والأهرامات والمدن المحاصرة والجنود – الأرقاء ويضع كاتبها مقاماً عالياً للسرد إذ يدرك “أهمية السرد في تشكيل الوجدان القديم”.

يقول أحمد حسب الله الحاج في مقاله بصحيفة “التغيير”:

“يُلاحظ أيضاً في الإطار الروائي التاريخي محاولة العديد من الروائيين الأفارقة العودة للاتصال بالنقطة التي مزّق عندها الاستعمار نسيج التطور التاريخي للقارة الأفريقية والتوقف عندها، وتأتي بعد ذلك محاولة رتق ذلك الفتق الذي أحدثته نصال التاريخ والميثولوجيا والايديولوجيا وتعتمد عملية الرتق بشكل كبير على السرد الذي تحاول بواسطته المستعمرات أن ترد على الحواضر الأوروبية (المركز)”.

وهكذا نجده يعلق على صمت علي جفون وصديقيه عبدالله العبد وبركه وهم في طريقهم من مدينة كسلا إلى مصوّع:

“لم يكن هناك شيء يُقال غير ما لاكوه فيما استدبروا من أيام. ولكن ماذا ملكوا في الماضي غير الحكايات. وماذا سيملكون غير ذلك في المستقبل؟ وماذا يملكون في الحاضر غير سرج وبندقية وحصان وذكرى رفاق وقفوا وقاتلوا وسقطوا؟”. (ص15)

ويقول علي جفون عن رفاقه في المكسيك:

“في بلادنا هذه من النادر أن يحيا الجندي ليبلغ ما بلغته أنا من عمر. لهذا من الممكن أن أقول أنهم ماتوا ولكن هذه المقولة لن تروي كل الحكاية”. (ص264)

ويقول الراوي معلقاً في موقع آخر “ليس لنا في نهاية المطاف غير الذكريات. قد يراها البعض مجرد طرف ونوادر. وقد تكون كذلك عندما ننظر إليها منفردة. ولكنها عندما تتجمع تصبح أكبر من ذلك، بل تصبح أكثر من محض فيض من حكايات وذكريات، تصبح الإنسان كما كان، وأحيانا كما ينبغي أن يكون”.

تطرح الرواية أيضاً تحدياً جديّاً بعدم استسهال كتابة الرواية إذ أنها تتطلب من الراوي بحثاً وتنقيباً وانتقاء ذكياً، فمقال المؤلف المشار اليه أعلاه، مثلاً، يتضمن الإشارة إلى عدد من الكتب لكُتاب انكليز من الواضح أنه قرأها قبل كتابة روايته “فشودة” مثل كتاب “السباق إلى فشودة” لمؤلفه ديفيد ميرديث و”حرب النهر” لمؤلفه وينستون تشرشل، و “الطريق إلى أم درمان” لمؤلفه جون بولوك، وغيرها من الكتب.

هناك عدة مسارات ترحال نهرية في الرواية فهي تبدأ بمسار رحلة نهرية من الخرطوم على النيل الأبيض لعدة سفن حربية تتجه جنوباً نحو فشودة، الموطن الأصلي لعلي جفون والتي تم اختطافه واسترقاقه منها. لكن الغرض من الرحلة ليس لإعادة علي إلى وطنه الأصلي وإنما لحل نزاع بين الاستعمارين الانكليزي والفرنسي، إذ أن فشودة كانت النقطة التي تقاطع فيها الاستعماران أثناء حملاتهما لاقتسام القارة الأفريقية. وهناك مسارات أخرى بعضها من الجنوب إلى الشمال وبعضها من الشرق إلى الغرب.

في منتصف الرواية (الفصل 17) يبدأ علي جفون في تذكر حادثة اختطافه واسترقاقه ثم بيعه وهو طفل يافع تبدأ تلك الرحلة باسمه القديم نيايو، ومعناه “على الدرب” وكأن اسمه القديم حدّد مسار حياته اللاحق. لقد اختطف نيايو وشول. كان نيايو مصابا بالحمى حين وقعت الغارة وأحرقت ديار أهله. يتذكر كيف حملته أخته شول على ظهرها لأيامٍ عدة ضمن قافلة المسترقين الجدد إلى أن وُضعا في مجموعتين مختلفتين ثم تم بيعه إلى أسرة ثم تحديد عمله فيها بجلب الماء وسقاية البهائم ثم إطلاق اسم علي عليه ثم ختانه واعتباره مسلماً.

رغم حضور الآلهة والأساطير والنبوءات والعشق في كل من أوديسا – هوميروس وفشودة – أحمد حسب الله إلا أن أوجه الخلاف بين العملين كثيرة، فالأوديسا ملحمة شعرية بينما فشودة نثرية والأوديسا رحلة بحرية بينما فشودة نهرية في الغالب وأوديسيا ملك قائد جيش بينما علي جفون عسكري – رقيق وقائد كتيبة، وبينما كان لأوديسيا من ينتظره وهي زوجته بنيلوبي لم يكن لعلي جفون من ينتظره.

ابتدع مؤلف الرواية هوية عسكرية لبطلها تجعلها بديلاً لما افتقده من هوية أسرية وعرقية، وجد فيها التعضيد من رفاق السلاح والمؤازرة والانتماء. وتتخلل الرواية مقاطع عديدة للتعبير عن هذه الهوية.

“هذا اللباس العسكري الذي حرره واستعبده في آن واحد، في أن يصنع لحياته معنى، وأن يضع لها غاية. لقد أفنت المعارك سنوات الشباب والرجولة. ولكن هل هناك شيء أفضل من ذلك لمقاتل من الشلك؟”. (ص11)

“عاش بلا أب، وبلا أم، وبلا أخ، وبلا ابن، وبلا ابنة، وبلا زوجة. ولكن ليس بلا أصدقاء يسكنون إليه عندما تكون النفس غالية يُبذل من أجلها كل نفيس، أو بلا أعداء يخشونه عندما تصبح الحياة رخيصة بقيمة قطعة معدنية”. (ص11)

لكنها هوية مأساوية:

“تملكه حزن عميق لما حدث لادريس وعثمان فايد. هذه هي الجندية وما حدث لهما اليوم كان سيحدث لهما في يوم آخر، لهذا فهذا قدر سيلحق بالجندي عاجلاً أو آجلاً”. (ص22)

تصف الرواية وضع الجنود السود حينما تسقط سلطة وتأتي أخرى في مقاطع درامية قاتمة في مدينة مثل القاهرة “تعاقبت عليها سلالات ودول، في تعاقب سريع ومعها كانت تعلو وتنخفض أقدار الرجال السود الذين ظلوا يفعلون ما يفعله الآن” وتمضي الرواية في سرد أحوال هؤلاء الجنود “لم يكونوا أهل زرع، أو رعاة ضرع، أو رجال دواوين، أو عملاء تجارة، وإنما مثله جنود عبيد أو عبيد جنود” وكان ما يميزهم وقتها هو ما يميزهم الآن “الولاء المطلق للحاكم السيد، ولهذا كان كلما سقط حاكم سقطوا معه. كان غيرهم يسقط أيضاً مع سقوط العهود ولكن سقوط الجنود السود كان دائماً مدوياً في عنفه وصارخاً في دمويته”.

لكن ما يجعل علي جفون بطلاً وقامة موازية لقامات أبطال التاريخ الرسمي في السودان، أن سيرته تحفل ببطولة تحرير أرقاء وتعرفه على الملامح الأساسية لعملية تجارة الرق مثل أسواق الرق وأماكن خِصاء الصبيان المسترقين؛ فقد عبّر عن غضبه الشديد لمشاهدة فتيات أرقاء مع سيدهن في السفينة الابراهيمية المصرية التي تنقل الركاب والبضائع والبريد من جيبوتي لتتوقف في سواكن وجدة في طريقها إلى السويس. رأى علي جفون على متن الباخرة زوجين ورجلا يبدو كخادم لهما وثلاث فتيات. وكان الرجل يمسك بمسبحة من الكهرمان تنزلق حباتها بين أصابعه “عرف أن الفتيات من قبائل الفرتيت” وقف ينظر إليهن وهن يلهون بالماء وسط الضحك والصيحات وللحظة فكر في أن يذهب إليهن ليسألهن عما يجعل فتيات مسترقات مثلهن يشعرن بكل ذلك القدر من الفرح؟ ولكنه لم يفعل لأنه أدرك أن سؤاله كان سيفسد عليهن بهجة لحظات نجحن في اقتناصها من بين براثن التعاسة. وحين سأل عن الرجل والفتيات عرف أن الأمر سينتهي بهن إلى سوق دكة الرقيق بمكة.

ثم تأتي بعد ذلك زيارته إلى دير في أسيوط حيث يقوم الرهبان الأقباط بخِصاء الصبيان، وذلك بعد عودته من المكسيك وزيادة ثقته بنفسه فذهب إلى الدير وطلب مقابلة من يقوم بذلك العمل واستجاب الرهبان لطلبه إذ أحضروا له الراهب الذي يقوم بذلك بعد أن قالو له أنهم لا يخرجون ليأتوا بالصبيان ولكن هم الذين يأتون لهم بهم. ونقلت الرواية وصفاً دقيقاً لعملية الإخصاء.

لكن هناك تجارب أخرى في تحرير الأرقاء تعطي الرواية بعدها الإنساني وذلك في تحرير علي جفون للصبية الشلكاوية لول وتبنيها كابنة له والتي صارت تناديه وبو “أبي” بلغة الشلك كما كان يناديها نيارا “ابنتي” ثم في تحرير نحو 30 من الأولاد والبنات كانوا في ثلاث رواكيب كبيرة عقب هزيمة جيوش المهدية على شاطئ النيل الشرقي عند شمبات.

يكتسب اسم الرواية “فشودة” رمزية خاصة فهو إلى جانب إنه اسم الموطن الأصلي لعلي جفون فإنه أيضاً نقطة التقاطع بين الاستعمارين الفرنسي والانكليزي ولم يكن الغرض وراء الرحلة إلى فشودة أن يزور علي جفون موطنه الأصلي ويقابل أهل قريته من قبيلة الشلك وإنما لرفع العلم الإنكليزي على قلعة البلدة بعد ان وضع الفرنسيون علمهم عليها بعد أن هزموا قوات الخليفة عبدالله التعايشي (خليفة محمد أحمد المهدي).

ولم تتقدم المفاوضات بين القائدين العسكريين للطرفين الفرنسي والانكليزي مارشان وكتشنر، إذ أن الجانب الفرنسي قال إنهم ابرموا اتفاقية مع رث الشلك (القائد الروحي للشلك) لكن رث الشلك نفى لعلي جفون توقيع اتفاقية مع الفرنسيين وقال “هناك مشكلة تفاهم بيننا. نحن لا نتحدث لغتهم ومترجمهم لا يحسن لغتنا” وعندما شكك روث الشلك في نوايا الانكليز كغيرهم من المستعمرين الذين مرّوا على بلاده وقف علي جفون أمامه وأخذ يرسم برمح على الأرض بينهما رسماً يشبه شجرة المانغو الضخمة ثم خطّ عليها خطين، الأول يمتد من أعلاها إلى أسفلها ويمتد الثاني من أقصى يسارها إلى أقصى يمينها ثم قال وهو يشير إلى الرسم الذي على الأرض:

“رث نياهنوك .. هذه هي أفريقيا، بلاد واسعة تزدحم بالأنهار والصحاري والغابات، وبالشعوب والقبائل والحيوانات والذهب والمعادن وأشياء أخرى. الانكليز يريدون أن يكونوا على طول هذا الخط الذي يمتد من الأعلى إلى الأسفل. من الشمال إلى الجنوب. والفرنسيون يريدون أن يكونوا على طول هذا الخط الذي يمتد من اليمين إلى اليسار، من الشرق إلى الغرب”.

سكت علي قليلاً ثم غرس الرمح عند النقطة التي يتقاطع عندها الخطان: وهنا فشودة.

أحمد حسب الله الحاج: “فشودة”

دار مدارك السودانية، الخرطوم 2018

340 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية