ظهر المُطرب الشعبي أحمد مُرسي العدوي الشهير بأحمد عدويه في فترة السبعينيات مؤدياً للون جديد ومُختلف للأغنية الشعبية، وارتبط ظهوره بالانفتاح الاقتصادي، فاعتبره النُقاد انعكاساً سلبياً لمرحلة سياسية وفنية اختلط فيها الحابل بالنابل، ومن ثم أثار ظهور عدويه ونجاحه جدلاً واسعاً ورآه البعض عنواناً لثقافة عشوائية فقدت الأغنية المصرية على إثرها أصالتها وتراثها التاريخي العريق.
وأمام هذا الحُكم الجائر صارت أغنيات أحمد عدويه تُمثل من وجهة نظر البعض ذائقة خاصة بالحرفيين وأبناء الطبقة العاملة من أنصاف المُتعلمين والأميين، ولم يكن عدويه نفسه يكترث بهذا التصنيف الطبقي المعيب لأغنياته، وظل يغني ويغني، وفي كل يوم يزداد انتشاره وتتسع قاعدته الشعبية والجماهيرية ويتهافت عليه مُتعهدو الحفلات في مصر والوطن العربي.
وذات يوم قابلته الإذاعية الكبيرة آمال فهمي واستضافته في برنامجها الشهير «على الناصية» الذي كانت تقدمه يوم الجمعة من كل أسبوع، وفوجئت بأن صوته المرفوض من النخبة المُثقفة في مصر قد وصل إلى الولايات المُتحدة الأمريكية، حيث أحيا في مدينة شيكاغو حفلاً غنائياً كبيراً حضرته أعداد غفيرة من أبناء الجالية العربية هناك.
وفي سياق الحوار الإذاعي الذي امتد لنحو نصف ساعة تقريباً سألته آمال فهمي عن أسباب عدم اعتماده في الإذاعة المصرية كمطرب شعبي إسوة ببقية المُطربين الآخرين المُعتمدين، فلم يجد الفنان جواباً شافياً لسؤالها وانتهت الحلقة بوعد منه بأن يداوم على الغناء بلا انقطاع مهما بلغت التحديات.
ومرت الأيام سريعاً وتطور أداء أحمد عدويه وبدأ ظهوره في الأفلام السينمائية بشكل لافت كمغني ومُطرب للاستفادة من شعبيته واستقطاب جمهوره العريض بعد أن بات مؤثراً بقوة من الناحية الدعائية والإعلانية، وأصبح نجاح الفيلم في بعض الأحيان يتوقف على وجوده من عدمه.
وفي هذا الإطار شارك المطرب الشعبي الكبير في العديد من الأفلام مع أهم النجوم، عادل إمام ومحمود عبد العزيز وسعيد صالح وسمير غانم ويونس شلبي وسهير رمزي وإسعاد يونس وهياتم وليلى علوي وآخرين كُثر، فقد وثق المنتجون والمخرجون في أدائه الشعبي الخاص وبدأت عن طريقه مُغازلة نوعية بذاتها من الجمهور المُحب للموال والأغنية الشعبية، ويُمكن القول بأن وجوده أسهم في زيادة إيرادات أفلام مثل «البنات عايزه إيه» و«المتسول» وغيرها من الأفلام التي شارك فيها بصوته الشجي وأغانيه المُتميزة.
اختلافه عن الأصوات الشعبية
اعترف الموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب بموهبة أحمد عدويه ووصف صوته وصفاً حسناً مؤكداً على حلاوته وتأثيره واختلافه عن الأصوات الشعبية الأخرى.
كذلك أثنى عبد الحليم حافظ على أداء عدويه وسمح له بأن يُغني أغنيته الشهيرة خسارة ـ خسارة في محاولة منه لدعمه والوقوف بجانبه. وبمرور الوقت وبعد رواج أغانيه وذيوع صيته شكل المُطرب الشعبي صاحب النبرة الشجية الخاصة اتجاهاً في هذا الخصوص فظهر جيل آخر تشبه به وحاول تقليده، فالمطرب الراحل حسن الأسمر كان واحداً من الذين أحبوه وقلدوه بالفعل، ويعد هو الأقرب لصوته من غيره.
هناك أغنيات شهيرة لأحمد عدويه ارتبط بها الجمهور وتم توظيفها في بعض الأفلام، من بينها أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» التي غناها في مطلع الثمانينيات واستخدمها المخرج محمد خان في فيلمه «خرج ولم يعد» بطولة يحي الفخراني وفريد شوقي وليلى علوي وعايدة عبد العزيز، للتعبير عن زحام القاهرة الشديد وهدوء الريف وبساطته، وكانت صيحة عدويه المدوية في الفيلم دعوة للخروج من الجو الخانق بالعاصمة والفرار إلى براح الطبيعة ونقائها بالريف المصري، حيث الخُضرة والزرع والماء والوجه الحسن.
كما أن هناك أغنيات أخرى ارتبط بها جمهور الأغنية الشعبية وما زال يرددها كأغنية «بنت السُلطان» و«كله على كله» و«حبة فوق وحبة تحت» و«سلامتها أم حسن» و«سيب وأنا أسيب» و«راحوا الحبايب» و«كركشنجي دبح كبشه»وكلها مأخوذة من الفولكلور المصري ولها مذاق خاص يُناسب جمهور العامة من مُحبي عدويه ومُريديه.
توقف المُطرب الشعبي الذي تجاوز عمره السبعين عاماً لفترة عن الغناء ثم عاد بأغنيات جديدة في عام 2010 مع المطرب رامي عياش، حيث غنى أغنية «بحب الناس الرايقة» التي تم الترحيب بها جماهيرياً وحققت نسبة مبيعات كبيرة في سوق الأغنية العربية.
ولعدويه ابن يعمل في مجال الغناء الشعبي هو محمد عدويه الذي يحاول استكمال مسيرة أبيه والمحافظة على تراثه الغنائي الشعبي الأصيل.