يعيدنا كتاب أديب صعب الشعري «حيث ينبع الكلام» (الدار العربية للعلوم ناشرون، طبعة أولى 2019) إلى سؤال الشعر في علاقته بالفلسفة والميتافيزيقا عامة. وثمة دائما وشائج قربى خفية، وضغينة مكتومة بين الفلسفة والشعر؛ كما كتب لويس لافيل في مقالته «تعقلية بول فاليري» معاصره الكبير. وثمة سحر خبيء متبادل بين الشعراء والفلاسفة، نجمت عنه غيرة شديدة، كما يقرر لافيل بنبرة قاطعة. ولعلها غبطة وليست غيرة ولا هي بالعداوة المضمرة، فكل منهما يرغب في أن يكون له ما للآخر، أو أن يكون القرين؛ فالفيلسوف ينشد عالما مرتبا منظما بصورة أفضل من الماثل للعيان. وهو يدفعنا إلى التفكير فيه، إذ ليس بميسوره أن يطلعنا عليه. أما العالم الذي يطلعنا عليه الشاعر فهو يباين، بل يضاد إلى درجة عالية، العالم الذي مُنحناه عالمنا المعيش؛ وهو ليس بالوهم أو السراب، كما قد يقع في الظن، بل إن الشاعر يستطيع في هذه الحال أن يضع الوهم في مرتبة أعلى من حقيقة الشيء، مثل الفيلسوف الذي يضع الفكرة أعلى من الشيء ومن الواقع أو فوقه. ولن ندهش أو نستغرب إذا ما التقيا مصادفة أو ضرورة، على الرغم من أن الفيلسوف يزعم أن بإمكانه أن يشمل في مجال الفكر، دائرة أوسع؛ على حين أن الشاعر ينشد بلوغ مركز محسوسٍ أكثر ما يمكن، رائعٍ ممتع أكثر ما يمكن. وقد يجعلنا الشاعر نستشعر لمْح الصلة بين اللانهائي والنهائي، بيننا وبين العالم؛ وهو موضوع التفكير الفلسفي أساسا. وكل ما في الأمر أن الفلسفة تحاول تفسيره وحسب.
هذا العمق الفلسفي أو الميتافيزيقي أو المعرفي هو الذي يستوقفني في تجربة أديب صعب، وفي هذه القصائد الموزونة كلها؛ وهي التي كتبت في الثمانينيات، بما فيها «شوارع المدينة» التي كتبت إبان الحرب في لبنان، وباستثناء «من دفتر الطفولة» وهو قسم يضم قصائد كتبها الشاعر وهو لم يراهق العشرين: «حين كنا والليالي مقمرهْ/ نقطف الشعرَ كما من شجرهْ/ كانت الأرضُ غناءْ/ وعناقيد السماءْ/ تتدلى زهرةً أو ثمرَهْ.
هذا نص يجري في سياق من معنيين رمزييين: أولهما غناه الروحي وما ينسجه من صلة بالطبيعة قبل أن تفصلنا عنها الثقافة. وثانيهما المعنى الفلسفي أو العقلاني الذي يصلنا من خلال إظهار السمة البارزة في الأشياء (الشجرة ـ الزهرة ـ الثمرة ـ القمر ـ الشمس). والفلسفي يجعل من العقل قوة من أجل معرفة ما يتعذر على المخيلة تمثله؛ أو إدراكه: «وخيول الشمسِ لا تبصرها غير العيون المبصِرهْ». وأما الشعري الذي يحوي المعنيين فمتعته في شرود الخيال، وفي الاحتفاء ببرقشة المعيش وزخرفته بمختلف الألوان، وفي ما هو جائز أو محتمل أو نادر غريب. ويتعزز الزواج بين الانفعالي والعقلاني في أكثر قصائد هذا الكتاب: «ولماذا تكتبُ الشعرَ غريبا/ مُلغزا كالنورِ في عينيْ إلهْ؟» ـ هكذا يأتي… وإني أتهجى صوته الطالعَ من رحْمِ المياهْ/ ربما جاءَ يُرينا/ ذلك الوجهَ من الكونِ الذي لسنا نراه».
وهو زواج تؤديه أكثر من صيغة انفعالية كما في قصيدة «خذني» وهي التي تضيء عنوان الكتاب: «خدني، حيث ينبع الكلام من عيونٍ/ حيث يزهر الكلام في الشجرْ». ولا بد من الإشارة ها هنا إلى أننا نصدر عن التمييز الذي يجريه جيل دولوز بين ثلاثة أنماط من الخطاب، حيث الفلسفي معقود على المفهوم، فيما الفني على فعل الإدراك، والديني على الانفعال.
العلاقة بين الفلاسفة والشعراء لم تكن قط لا مبالاة أو عدم اكتراث، ولا كانت حرية استواء، أي تساوي إمكان في الفعل وعدم الفعل. وقد أطرد أفلاطون الشعراء من المدينة مستندا إلى الخلاف القديم بين الفلسفة وفن القول.
إن العلاقة بين الفلاسفة والشعراء لم تكن قط لا مبالاة أو عدم اكتراث، ولا كانت حرية استواء، أي تساوي إمكان في الفعل وعدم الفعل. وقد أطرد أفلاطون الشعراء من المدينة مستندا إلى الخلاف القديم بين الفلسفة وفن القول. و«أطردهم» القرآن أيضا؛ وإن في سياق مختلف؛ وأنزلهم سهل الأباطح، وشُبهتهم الفصل بين القول والفعل؛ على الرغم من أن الشاعر مطالب بفعل القول، وليس بالمناسبة بين هذين؛ وإن استثنى «الذين آمنوا». ولعله انشقاق قديم بين لغة المفاهيم ولغة الرموز. وقد تأوله هيدجر على أنه خلاف؛ وإن كان أرسطو لم يتردد في القول «إن الشعر أكثر حكمة من التاريخ». ثمة إذن ما يفرقهما، فالعمل الفلسفي يقوم أساسا على التوسل بالعقل، بما أن الفلسفة معرفة مجردة أو هي الفكر الذي يفكر في الكوني والأبدي. وهي لازمنية ولا فردية تستعلي حتى في المثولية أو حالة الكائن الماثل في كائن آخر، على محسوس التجربة أو ما يدرك منها بالحس أو بالعقل، أو ما يتعلق بالمعاني والمبادئ الباطنة أو الذاتية:
«أكتبُ كي أكشف/ لون الشمس وعمقَ الأسرارْ/ أكتبُ كي يبقى ظلي/ تحت الأشجارْ» فبقاء الظل وهو الذي يرسم تقاليب الضوء، ولا يستقر على حال؛ ولا يلبث في المكان نفسه، وإنما هو في تحول أبدا؛ بل يغيض في العتمة كلما أفلت الشمس وأقبل الليل، أمر محال. ولكن عقولنا تتقبله من حيث هو معنى مستقل، فنحن نرى الظل؛ وهو في وعينا شيء واقعي؛ وإذ يتلاقى البعدان الانفعالي والدلالي، نكتشف أننا إزاء مرموز واحد هو الشيء الذي يدوم: الظل/ الكلمة: «الصباحُ وردةٌ وحبنا حديقهْ/ والطيور جدولٌ يرشنا صداحْ/ أيها الزمانُ قل ليَ الحقيقهْ/ هل يشيخُ مثلك الصباحْ؟».
قد لا يكون النظم، بهذا المعنى إلا الخطاب نفسه، بل هو الإيقاع أيضا: فهو ليس مجرد تعليق الكلِم بعضه ببعض، بما يؤدي الغاية من التواصل، وإنما هو حسن التأليف القائم على فكر وروية وعلم بمواقع المعاني المهيأة في النفس، ومواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق ورسم الصورة الأدبية في آن؛ إذ لا يتصور المرء أنه يوجد «معنى عار من لفظ يدل عليه»، حتى في حال الخطاب الصامت. وإذا كان هذا شأن الكلِم عامة، فإنه في الشعر الذي نحن به، كما هو في فن القول، لا ينفك عن الإيقاع الذي يتصل بكل عنصر من عناصر الجملة ويلابسه، فهو جرسه الصائت ومعناه المجرد في آن: يحل حيث تحل اللفظة، ويجري حيث تجري الجملة، ويتوقف حيث تتوقف القافية. ومن هذا الجانب فإن الإيقاع قائم في تآلف الحروف في النغم وفي انتظام الجمل، مثلما هو قائم في الفواصل واطرادها وتغيرها من نسق إلى آخر. وهو، بعبارة مجازية، ولكنها تشجه بأصله»في دومات الماء وليس في جريان النهر».
والنظم إنما هو صورة اللغة وهي تتأدى بطريقة فنية مخصوصة، وتحمل في فعل نشوئها لحظة تكونها أي صمتها. وهذه اللحظة لا تتعلـق بالكلام، وإنما بالكِلم أو بـ«الخطاب» إذا أردنا، وهو يصنع جزءا جزءا؛ فليس ثمة من عنصر حرفا كان أو صوتا أو جرسا أو كلمة، لا ينضوي إلى فضاء النظم الكلي. والنظم – بهذا المعنى- هو فعل الشكل بعينه أي الفعل الذي يتشكـل به وفيه شكل ما، ولذلك يمكن أن نعده الإيقاع نفسه، لأن الإيقاع ليس قاعدة خارجية يخضع لها الشكل الشعري، أو يمكن استنباطها من هذا الشكـل، وإنما هو تكونه أو تولده الذاتي.
في هذا الكتاب الشعري المتميز وأنا أعده وجها من سيرة أديب صعب، نقول إن الإيقاع في النظم والنظم في الإيقاع، وهو يتحرك في خطه الخاص ويتشكـل ويعلق بعضه ببعض، في تحول دائم. وربما توهمنا بسبب من القافية أنْ لا تحول، وإنما عودة الشيء عينه (الهو- هو). وهو فعلا وهم وانطباع خادع، فثمة عودة، ولكنها عودة متحولة تقع في»زواج الزمن» وحركة الكل في الكل، التي لا يقر لها قرار. وكأن قدر الإيقاع أن يترجح بين حدين أو طرفين: فلا هو يسكن أو يهمد ولا هو يتبدد أو يتشتت. بل هو لا يمكن إلا أن يقع في ما وراء الظواهر الفيزيقية وعناصرها المؤسسة. والإيقاع في معناه الدقيق «ميتافيزيقي»، وهذا ما يجعلني أجازف بالقول إن العمق الفلسفي أو الميتافيزيقي قد لا يتأتى إلا للشعراء الذين رزقوا حظا وافرا من الإيقاع، كما هو الشأن عند صاحبنا أديب.
وقد لا يكون إيقاع الشعر سوى تلفظ الزمن بالزمن تلفظا، وضرب من حضور الحاضر، حيث يتزاوج النفسي والمعيش؛ وتجري النغمية الوجدانية التي تتسلـط بها الذات على عالم قصيدتها وهي تتشكل في لحظة صمت. وقد لا يكون هذا الصمت في مستوى القافية المنصوبة إلا إجراء خطابيا مقصودا تمليه طبيعتها نفسها من حيث هي «وقفة» تتيح للمتكلم أن يسترجع النفس الذي هو الكلام بعبارة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي فـ»الصمت نفس عند السكون، والكلام نفس في الحركة. وسيان أن نتكلم عن هذا أو ذاك».
٭ كاتب من تونس