أديب صعب في «حيث ينبع الكلام»: شاعرٌ يَسكن قصائده

أمين ألبرت الريحاني
حجم الخط
0

■ في مجموعته الشعرية الجديدة «حيث ينبع الكلام» (بيروت: الدار العربية للعلوم 2019)، تجد مدى تطابق أديب صعب الإنسان، مع أديب صعب الشاعر. فهو يكتب ذاته شعراً، كما أنّ ذاته تكتشف نفسها عبر القصيدة، أو أنّ الشعر يرتاح إلى قلم شعريّ مثل قلم أديب صعب، فيلجأ إلى أنامله ولغته وخُيَلائه مستعيناً بها جميعاً يبحث عن ذاته، أو يسكب ذاته قصيدة هنا أو نشيداً هناك أو لوحة شعريّة بينهما. وفي كل حال تراه يتنفّس الشعر أو ترى الشعر يتنفّس الشاعر، فيلتحم الاثنان في وحدة كيانيّة يصعب الفصل بين عنصرَيها. فكلامه الشعري ينبع من مسامه، ومسامه تفيض بلغته الشعريّة ببساطة وسلاسة وعفويّة، عن قصد أو غير قصد، وأكاد أقول عن وعي وغير وعي.
وإذا ما ركنت إلى «حيث ينبع الكلام»، يستوقفك هذا الوهج في شعر أديب، وهجٌ في الكون والأشياء المحيطة بك، بدءاً من غلاف الكتاب، فتكاد تقطف معه «عناقيد السماء»، وتبصر معه «خيول الشمس»، إذ لا يتردّد في أن «يعاين الوجود شعراً» كما يقول، ولا يتردّد في أن يلوّن هذا الوجود بـ «دم الورود» أو أن «يتهجّى صوته الطالع من رحم المياه». كلّ ذلك لكي يكتشف وجهاً للكون غيرَ منظور. وحقيقة الأمر أن الشاعر يحاول أن يكتشف وجهَه هو غيرَ المنظور. والشاعر في هذه الطريق، أو في هذه الخريطة الشعريّة التي ولج دروبها، تكبّد مشاقّ ربما غير متوقّعة. غير أنّه ارتضاها لنفسه سبيلاً لتلك الغاية الشعريّة.
فإذا كان الشعر إعادة اكتشاف للذات في سبيل هندسة عالم آخر غير العالم المنظور، فرومانسيّة الشاعر، وحتّى رمزيّته، قد لا تفيان بالغرض المنشود. إسمعه يقول:
وما الشِّعرُ إنْ لم يكن صلَواتٍ،
وما الصلَواتْ
غَيرُ شِعرٍ يَفيضُ من القلبِ،
يَرْسُمُ وَجهَ الحياةْ.

لوحة شعرية متحركة

في رسمه لـ»وجه الحياة» أدرك الشاعر أنّ سبيله يكمن في أن يكشفَ «لَونَ الشمسِ وعُمْقَ الأسرارْ». أدرك أنّه يكتب «تارِكاً لِخُيولِ الفضاءْ/أنْ تُسابِقَ المدى على سَحابهْ». لكن تبقى تجربة الشاعر أو معاناته، ككل تجربة أو معاناة فنية إبداعية، أكبر مما تستوعبه اللغة، لذا تراه يلجأ إلى ضرب آخر من الشعر، هو ما يمكن تسميته باللوحة المتحركة، متجاوزاً النفَس الرومانسيّ والمناخ الرمزي وما يحتويان على صُوَر شعريّة ليبني في قصيدته حراكاً شعريّاً متداخلاً ومكثّفاً حيث نجد أنفسنا:
حامِلينَ البؤسَ، نَمْضي
نَحْوَ أبوابِ الرجاءْ،

غَيرَ أنَّ الشمسَ تَسْوَدُّ،
ولا تَدْمَعُ عَينٌ للسماءْ.
ثُمّ تَنْهالُ علَينا
سُحُبٌ راعدةٌ من غيرِ ماءْ.
فوراً تشاهد ها هنا موكب البؤساء، ليس في أماكنهم قابعين، بل على دروب الرجاء ماضين بلا توقّف، بلا تردّد… حتى تنهال السحب الجوفاء، سحب اليأس والرعد والغضب، سحب الانكسار التي تواجه مواكب البؤساء المصرّة على المضيِّ قُدُماً حتّى القيامة. الأفعال وأسماء الأفعال في هذه اللوحة الشعريّة المتحرّكة، «حاملين، نمضي، تَسوَدّ، تدمع، تنهال، راعدة»، هي بدورها تشكّل موكب الحراك اللامتناهي، ممّا يُغني روح القصيدة ويُثري أبعادها الروحيّة والفكريّة.

البراءة الغاضبة، كما نسمع صداها في هذه القصيدة، أصدق وأخطر وأفعل من الفذلكة الغاضبة خارج مملكة الشعر. في الأولى طهر الملائكة، بل نقاء الأنبياء وصفاؤهم، وفي الثانية عهر الشياطين، بل خبث الأدعياء ومَكرهم.

مثل هذه اللوحة الشعريّة المتحرّكة نصادفها في غير قصيدة من قصائد المجموعة. غير أنّ الشاعر يقدّم أحياناً لوحة ذهنيّة خاطفة في قلب اللوحة المتحرّكة، فيستوقفه كتاب الأنبياء، وحجر الغُزاة، وصفحات التراب ولغاته، كما تستوقفه حُفَرُ الزمان، وفراغ الدماء المحفورة على الأغصان:
هنا تَرَكَ الأنبياءُ كتاباً
يُخَلِّدُهم، والغُزاةُ حَجَرْ.
وفي صفَحاتِ الترابِ لُغاتٌ
قَضتْ ومَمالِكُ صارت أَثَرْ.

ودارَ الزمانُ بنا دَورةً،
فلم يَبْقَ في الدربِ إلّا الحُفَرْ،
ولم يَبْقَ في الدمِ غَيرُ الفراغِ
لِنَحْفِرَهُ في جُذوعِ الشجَرْ.

ويذهب الشاعر بعيداً في تأملاته العميقة بلغة شعريّة متألّقة، محاولاً أن يستخلص من عالمه اللامنظور ما لا يمكن استخلاصه نثراً من العالم المنظور. فإذا ما نزل شوارع المدينة رأى:
هذه الأُلوفُ، وَهْيَ تَمشي
غابةً من الرؤوسِ
في شَوارعِ المدينَهْ،
لا وُجوهَ بَينها ولا ٱسْمَ، ضاعَتْ
في عُبابِ مَوجِها، ولا سَفينهْ
تَحْمِلُ الغريقَ للشواطِئِ الأمينهْ.
تضيع الوجوه في غابة الرؤوس، وتضيع الأسماء في غابة الوجوه، وكذلك تضيع الذات الصغرى في بحر الذات الكبرى… ولا يبقى سوى هويّات ضائعة وسط مراكب بعيدة عن شواطئ الأمان. قد يسأل سائل: وما علاقة الشعر بكلّ ذلك؟ قد يكمن الجواب في معنى الحداثة الشعرية، حيث لم تعد المسألة مقتصرة على البناء الشعري، أو على شكل القصيدة أو بنيتها، إذ إنّ الحداثة خرجت أيضاً، وربما أوّلاً، من المضامين التقليديّة وحتى المدارس الأدبيّة المعاصرة كالرومانسيّة والرمزيّة وفوق الواقعيّة وسواها، إلى العالم الذهني المتخيَّل سبيلاً إلى إعادة هندسة العالم. وهذا ما فعله أديب صعب في «حيث ينبع الكلام».

أبجديّات بديلة

من هنا لا يتردّد الشاعر في رفع سياطه غاضباً ساخطاً على كلّ ما يجري حوله. فهو لا يكتفي بتأمل العالم، ولا بوصفه أو التلميح إليه أو معالجته ببصيرة حادة، بل بات يحمل غضبه اللاذع، غضبه «الساطع»، لينهال به على كل ما حوله ومَن حوله:
يُبْدِعونَ خَطايا،
يَعْبُدونَ خَطايا،
يَدْعونَ الوَغْدَ شَهيداً
والسفّاحَ مَسيحْ.
البراءة الغاضبة، كما نسمع صداها في هذه القصيدة، أصدق وأخطر وأفعل من الفذلكة الغاضبة خارج مملكة الشعر. في الأولى طهر الملائكة، بل نقاء الأنبياء وصفاؤهم، وفي الثانية عهر الشياطين، بل خبث الأدعياء ومَكرهم. هكذا يبدو الشاعر، بغضبه النقيّ، غريباً عن هذا العالم، غريباً عن «متاهات تمتدّ ولا تنتهي».
هذه المعاناة حملت الشاعر على اكتشاف أبجديات بديلة قد تكون أبلغ وأكثر شاعريّة من لغات الأُمم. فأديب صعب يستعين بلغات أُخرى أكثر قدرة على التعبير وأرقى بياناً على خلق لغة شعريّة أرقى وأسمى من اللغات المتداولة، لذا يكتشف أنّ «للصباح لغة، وللصُداح لغة. وللغُيومِ لغةٌ، وللخَريرِ لُغَةٌ، وللعَبيرِ لُغَةٌ، وللنجومِ لغةٌ…». وما هذه اللغات سوى أدوات الشاعر في عمليّة خلقه وإبداعه. هي «معاجم القلوب» كما يقول، بل يمكن أن نضيف: إنّها معاجم العقول والأحاسيس تجتمع لتكون في أمرة الشاعر وهو يبني قصائده.
إن سرّ اللغة الشعريّة عند أديب صعب يكمن في كونها نابعة من عناصر ثلاثة: حبّ الأُمومة، وبراءة الطفولة، وصلابة مستمَدّة من صخور هذه الأرض. وسرّ القصيدة عنده أنه لا يقتنيها، ولا يستعين بها، بل يَلبسها تاجاً وطيباً ويَسكنها قصراً ووطناً وهرَماً من الأهرام.
أخيراً، في «حيث ينبع الكلام» نصادف ظلالَ أديب صعب، ووطنَه، وصولجانَه، وأحلامَه، وخيباتِه، ولغتَه، وقَصْرَه، وهرَمَه، كما نصادف طفولةَ شاعرٍ غاضب، وأحلامَ شاعرٍ متألّم، وفضاءَ شاعرٍ يتلبّس قصائدَه، بل يسكنها، وهو يبحث عن ينابيع الكلام، ينابيع الشعر المتألّق الذي كثيراً ما نفتقده اليوم وسط مَهْمَه المتاه.

٭ أكاديمي لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية