السائد أن اسم أديب صعب يحيلنا إلى عالم الفكر وقضايا الأديان والترجمة، إلا أنه وبعد ثلاث مجموعات شعرية، وسلسلة كتب في الفكر وعلم الأديان، اختار أن يطل على قرائه في «مرسى النور»، دار النهار- 2024 ، بثلاث قصائد تختصر ثلاثة موضوعات بنى عليها صعب شخصيته وهويته الثقافية والعقائدية والإنسانية، بعد سلسلة من المتغيرات الاجتماعية والسياسية التي عصفت بالعالم وبلبنان بشكل خاص. يقدم صعب في مرسى النور، ثلاثة بورتريهات تقع في 69 صفحة، تخرج الصوت والمعنى المقموع من اللاوعي إلى الوعي القائم على الكتابة والتوصيف والدلالات.
السؤال والصوت والإيقاع
في قصيدته الأولى «الصوت» يخرج أديب صعب كل أفكاره إلى الحقل المباشر، كأنه يفكر ويستقطب المجموع، أو الجماعات بمختلف مشاربها وطرائقها الفكرية للبحث عن إجابة، أو إجابات حول تساؤلات تعزز الأرق المعرفي لديه «أأنا صديق أم عدو؟ بل أنا هذا وذاك/ أأنا دواء أم وبال؟/ بل أنا هذا وذاك/ أأنا سؤال أم جواب؟/ بل أنا هذا وذاك». على المستوى اللغوي التركيبي ولّد الطباق والتكرار المتنوع، إيقاعا ينضوي تحت عنوان «الموسيقى الداخلية للنص»، دلاليا يحاول صعب العودة إلى الأصل الإنساني، إلى العقل وطريقة احتوائه للمؤثرات، للمفردات وللمكانة الفكرية المترنحة بين الضد وضده، ما يعني أن أديب صعب كسر من خلال السؤال فكرة ارتباط الشعر بالمناجاة والغنائية والعاطفة المطلقة راسما بذلك خريطة نحو التفكر والتساؤل والتشكل الإنساني. يتنصل أديب صعب في الجزء الأخير من قصيدة «الصوت» من معنى الوجود القائم على الفعل والسلوك الإنسانيين، إلى فكرة اللاانتماء «أنا لستُ من جسد، ولكني كيان/ أنا ساكنٌ جسد الأماكن، بل أنا روح المكان». الدخول نحو الجماد من منطق إنساني وتفضيل التشيؤ على الحركة المطلقة يعكس مدى تعلق صعب بالفكرة والمصطلح بقدر تعلقه بالوجود والتمثيل الإنساني السائد.
يربط أديب صعب من خلال قصيدته بين الصوت والسؤال والإيقاع، من خلال جملة من التمردات، التي تبدأ على صعيد الشكل، من خلال الإيقاع الموسيقي، أو الموسيقى الداخلية الممثلة بالتكرار والطباق، ومن خلال الدلالة وتحرير المعنى المقموع من سطوة اللاوعي.
بيروت… عود على بدء
يعود أديب صعب إلى 4 أغسطس/آب 2020، حين نجت بيروت من موت محتم وحماها البحر الأبيض المتوسط من إبادة حقيقية ومؤكدة، عاد إلى تاريخ بيروت وأصلها بلغة مجازية «في أقاصي البحار، حيث قدموس في الحقب الذهبية.. أو حيث أعلى هنيبعل راياتنا المشرقية، ونشرنا على كل يابسة مجد أقلامنا العربية»، هذا التمهيد الذي يبرئ أديب صعب عبره من دموية بيروت وحبها لثقافة الموت والاقتتال والتفجيرات، تبعه تصوير شعري للكارثة «تَرى على كل طريق جثث البيوت/ هنا يدٌ عالقة في باب/ هنا حطام شرفة/ تنتظر الإياب/ وتحت كل حجر حكاية تموت». هذا التوازن في خلق الصورتين السابقة والحالية عن بيروت، شجع صعب على التبحر أكثر في تفاصيل العاصمة مصرا على الإسهاب ببعدها الثقافي «كان هنا جبران والبساتنه، كان تقي الدين… كانت هنا مراكب النازحين/ من جور كل ظالم لعين»، المقابلة بين الفساد والنزاهة، الجهل والثقافة، النور والظلام، تشكل إيعازا بقدر ما تشكل حسرة على ما حصل لبيروت بعد انفجار 4 أغسطس، القصيدة تحولت إلى مانيفستو فكري يذكر الآخرين ما هي بيروت «هل يعرف الأشرار ما بيروت؟ سر بهائها؟ بيروت مدرسة، عظائم، قصة الأجيال، ملحمة، كتاب». اللغة التي شكلت هذه القصيدة لم تكن تقريرية، رغم رتابة التطرق إلى العيش المشترك الذي يميز العاصمة، والتركيز على دورها الثقافي يعكس تعلق صعب بالكتاب وشغفه، بما قدمه باسم العاصمة من فكر وشعر وترجمة.
العلاقة مع الشعر
بخلاف القصيدتين السابقتيْن خرج أديب صعب من بوتقة تعريف الشعر والشعراء والمناخ الشعري، ليشكل نصا يوحي به للمتلقي أنه استئناف للقصيدة الأولى، رغم ظهور بعض علامات سرد السيرة الشخصية «كنتُ صغيرا/ كانت الغابة فوق بيتنا / تومئ بالأسرار»، سيطرة ضمير المتكلم بصياغاته المتعددة تكشف أن علاقة أديب صعب بالشعر تتجاوز العلاقة القائمة على إيجاد تعريف لهذا الجنس الأدبي، نحو الذات وتكوينها «كنت أسمع آلهة وأخاطب آلهة، غير أني لم أكن وثنيا. سمني ما تشاء، ولكن أنا أعرف أن إلهي ليس ترابا ولا صنما حجريا». تختصر علاقة الشعر بالشاعر هنا بإظهار الهوية الفكرية والإنسانية، أديب صعب يتكلم في هذه القصيدة بصفته إنسانا يوجز معاركه الفكرية والزمكانية مع الذات دون المواجهة مع الشعر نفسه كمفهوم.
تشكل القصائد الثلاث في «مرسى النور» نصوصا ملهمة من ناحية التبويب والتعاطي الفكري مع الشعر، هي مراحل ثلاث لتحديد الموقف من القضايا والمحيط والذات والعالم، دون أن يكون هناك أي مفاضلة بين المجاز والفكرة أو بين التركيب والدلالة.
كاتب لبناني