«أرض النبي» طواف جديد للرواية المصرية حول المُجتمع الجنوبي

الواقع الجنوبي بكل ما يحويه من صراعات ومتناقضات هو ما يشغل الكاتب الروائي خالد إسماعيل، ويُثير دائماً شجونه رغم أنه فارق المُجتمعات الريفية واستوطن القاهرة منذ ما يزيد على ربع قرن.
يستدعي الكاتب تفاصيل ذكرياته القديمة، وينسج على منوال الوجع حكايات أبطاله ويُفسح مساحة واسعة لعرض همومهم ومُشكلاتهم البسيطة والمركبة، فمن الترحال والنزوح والسفر والزواج والطلاق والثأر، تتولد أشكال ورموز ودلالات العالم الروائي المُمتد ما بين سوهاج وطما والمراغه وأسيوط والقرى والنجوع المُحيطة، إلى أحياء القاهرة العتيقة والجديدة والعشوائية، حلوان والمعادي والسيدة زينب والمرج ومدينة أكتوبر، حيث رحلة الشخصيات الطويلة وتنقلهم الدائم بحثاً عن الرزق وطمعاً في الاستقرار.
الأحداث الواقعية في رواية «أرض النبي» التي تقع في 158 صفحة من القطع المتوسط هي محض تسجيل وتوثيق لما جرى ويجري في صعيد مصر، داخل المربع الدرامي الذي اختاره الكاتب الروائي خالد إسماعيل ليكون مسرحاً تتحرك فوقه الشخصيات، وتسرد من آيات الحديث ما يُشجي وما يُحزن، وما يبعث على التفكير والتدبير والتأمل، فلكل شخصية مدار تدور حوله وللزمن الروائي وقع خاص فهو ميقات للعمر والعجز ومقياس لتطور الأحداث وجريان السنين وتتابع الحوادث ومتغيرات العصر إلى آخره.
في تصديره على صفحة الغلاف الخلفي يستعرض الكاتب المُدقق الحصيف بعضاً من تفاصيل روايته، كمفتتح يُثير به شهية القارئ ويدفعه للدخول إلى العالم البيئي المُختلف، فيروي قائلاً: جدي أسمر اللون، تميل قامته إلى القصر، وجدتي سمينة بيضاء طويلة، كان زواجهما في عام 1914 بمثابة تمرد على قوانين الحياة في بلدنا فهو أصغر منها بحوالي خمس سنوات، وهي مُطلقة من ابن عم لها في نجع البلايزة، وكان بين البلايزة عائلة جدتي، والعواجيز عائلة جدي ما صنع الحداد، لأسباب تتعلق بالفروسية والزعامة، وقد أرسل جدي رسوله إلى والد جدتي ولقي قبولاً منه ومنها، ولكن شُبان البلايزة رفضوا الفكرة وقرروا أن يضربوا جدي ـ الشاب العفي ـ وبلغ جدتي أن الشاب الذي اختارها، قد يتعرض للأذى فقررت أن تُدافع عنه وقالت إن من يتصدى له سوف يلقى مني الضرب والإهانة، وكان لها إخوة يصغرونها بأعوام قليلة، اثنان أيداها «حمد الله» و«سرحان» والثالث «حسونة» عارضها وتم الزواج في ظهيرة يوم من أيام العام نفسه، ووضعت جدتي مولودها الذكر أبي الذي انتقل بعد الفطام ليعيش عند أخواله من عائلة «البلايزة» وقضى هناك سبع سنوات من طفولته.
انتهى التصدير أو التلخيص الذي كتبه صاحب الرواية، وعرض فيه الأحداث مُستخدماً ضمير المُتكلم بوصفة الراوي العليم ببواطن الأمور ودقائق الأشياء وبدأت وتيرة الأحداث في تصاعد درامي تراجيدي مؤثر عرج خلاله خالد إسماعيل على ما خفي عن أهل المُدن الذين يسمعون عن الصعيد، من دون أن يروه وهو عنصر الاكتشاف المتوافر بقوة، الذي يُمثل متعة خاصة للمُكتشف الذي يجهل طبيعة وعادات وتقاليد المجتمع الجنوبي، اللهم غير الإحاطة ببعض ما تنقله مُسلسلات الدم والقتل والاستبداد من رؤى ساذجة تكثر فيها المُبالغات، وتضيع في متنها الحقائق المُتصلة بتكوين الشخصية الصعيدية، التي تتسم بالشهامة والرجولة والكرم ورباطة الجأش والقوة والحسم إلى آخر ما يميزها.
ولعل الدال على موضوعية وواقعية رواية «أرض النبي» هو ذلك التصوير الطبيعي والتلقائي من جانب الكاتب للشخصيات والأماكن واستعارته للغة الأبطال، كما هي بالنطق العامي والمحلي، وهو استخدام ذكي للأدوات الإبداعية بلا تكلف أو تقعير، فما يستدعى الحديث بالعربية الفصحى يورده خالد كما هو في سياقه المنطقي، ككتابة شكوى أو محضر نيابة أو شرطة أو رسالة مُرسلة من أحد متعلمي القرية ومثقفيها لقريب له أو صديق، فتلك حتميات يفرضها النمط الإبداعي ولم يغفلها الكاتب الموهوب أو يُسقطها سهواً أو قصداً في غمرة اندماجه مع الحدث المحلي ومُحاكاته للغة الأبطال والشخصيات الثانوية والهامشية.
أهم ما يميز عالم خالد إسماعيل الروائي سواء في «أرض النبي» أو رواياته الأخرى، «أوراق الجارح» و«كحل حجر» و«ورطة الأفندي» و«زهرة البستان» وغيرها، أنها ترصد الواقع بآلياته وظروفه ومُلابساته مع الالتزام بالتنويه عن المراحل التاريخية وما وقع خلالها من أحداث وما شهدته من وقائع، فلم ينفصل الحاضر بالكلية عن الماضي، وإنما يشتبك معه ويتصل به، حسبما تقتضي الحالة ولا مانع لدى الكاتب من اللجوء للرمزية والإسقاط أحياناً، وهي إمكانية تؤكد ثقافته وإلمامه بالقضايا الأساسية، وبالطبع يُمرر رأيه السياسي بنعومة بين السطور، فيُعرب مثلاً عن رفضه لاتفاقية كامب ديفيد والانفتاح الاقتصادي في عصر السادات، أو ينتقد حالة الانبهار الشديد بشخصية الرئيس عبد الناصر والتأييد المُطلق لكل سياساته.
تلك أمارات فقط لما يُمكن أن يضمنه خالد إسماعيل بين السطور ويكشف به عن قناعاته وأفكاره وهو حق مكفول له طالما أنه لم يؤثر على البنية الروائية ولم يُخل بقواعد الكتابة والإبداع.. «أرض النبي» رواية فيها من عناصر الجذب ما يغري بالقراءة والتناول.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية