تونس-“القدس العربي”: يستعد التونسيون لطي صفحة 2018 بكل ما حملته من اضطرابات وأزمات اجتماعية وسياسية واقتصادية. ولعل السمة الأبرز لهذه السنة كانت الصراع من أجل إسقاط حكومة الشاهد والقطيعة بين حركة النهضة وحزب نداء تونس.
وقد بدأت السنة بحالة من الاحتقان الشديد في بعض المدن ومنها العاصمة، إذ خرج المئات احتجاجا على قانون المالية وما جاء فيه من زيادة في الأسعار. وكانت لهذه الأزمة ارتدادات سياسية كبيرة ما أدى إلى إعلان بعض الأحزاب مثل الحزب الجمهوري وآفاق تونس انسحابها من وثيقة قرطاج التي تأسس بناء عليها الائتلاف الحكومي.
تواصلت الأشهر العجاف مع تصاعد الأزمة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل، وسبب الأزمة هو معارضة اتحاد الشغل لعملية البيع في بعض مؤسسات القطاع العام لصالح القطاع الخاص، وسط اتهامات من قبل الاتحاد للحكومة بالانصياع لإملاءات صندوق النقد الدولي الذي اشترط على تونس لمساعدتها اقتصاديا جملة من الشروط ومنها البيع في المؤسسات العمومية إلى القطاع الخاص. في حين حملت أطراف عديدة الاتحاد العام للشغل مسؤولية الوضع الاقتصادي المتردي بسبب ارتفاع نسق المطلبية وكثرة الاحتجاجات والاضرابات التي عطلت شرايين المؤسسات الاقتصادية الكبرى في البلد.
وعلى مستوى آخر فان المعركة من أجل المساواة على الإرث ألقت بثقلها على المشهد وفرضت نفسها كحدث سياسي رغم أن هذه المسألة فقهية ودينية بحتة، إلا أن الجدل المثار حولها من قبل عديد الأحزاب السياسية، والمعركة من أجل تمرير مشروع قانون المساواة في الإرث في مجلس النواب أدخل البلاد في اتون صراع، بدأ ايديولوجيا فكريا وسرعان ما تحول إلى صراع سياسي.
سياسيا، الحدث الأبرز كان إجراء الانتخابات المحلية أو البلدية في أيار/مايو وسط عزوف انتخابي وعدم إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع. ولئن اتسم هذا الاستحقاق الانتخابي بهجرة الناخبين التونسيين لصناديق الاقتراع بسبب عدم الثقة في الأحزاب السياسية الحاكمة، إلا أن البعض اعتبره هاما في إطار مواصلة تونس مسارها الديمقراطي الصعب رغم كل التحديات. واللافت في تلك الانتخابات كان تراجع نتائج حزبي نداء تونس وحركة النهضة مع تصدر الحراك المدني المستقل الذي نال عديد المقاعد في المجالس المحلية مخترقا الأحزاب السياسية الرئيسية.
وفي خضم الصراع أيضا من أجل التغيير الحكومي تمت إقالة وزير الداخلية لطفي براهم في 6 حزيران/يونيو الماضي، ومثل ذلك مفاجأة للرأي العام في تونس خاصة أن الوزير حقق نجاحات كبيرة في الحرب على الإرهاب، والتبريرات التي ساقها يوسف الشاهد تتمثل في فشل براهم في القبض على وزير الداخلية الأسبق ناجم الغرسلي المتهم في قضايا إرهابية، والذي لم يقبض عليه إلى اليوم رغم مرور مدة طويلة على تسلم وزير الداخلية الجديد مهامه، ومن التبريرات أيضا عدم نجاح براهم في الحيلولة دون منع كارثة غرق مركب يحمل مهاجرين غير شرعيين غادروا الأراضي التونسية نحو الأراضي الايطالية في 3 حزيران/يونيو. وقد ربط البعض بين إقالته وعودة نسق العمليات الإرهابية بشكل متصاعد. فبعد الإقالة حدثت عملية إرهابية في تموز/يوليو استشهد خلالها ستة من عناصر الحرس الوطني على مقربة من حدود الجزائر. ولم تتوقف العمليات الإرهابية بل تواصلت لتستهدف قلب العاصمة التونسية أي شارع الحبيب بورقيبة الرئيسي بكل ما يحمله من رمزية في 29 تشرين الأول/اكتوبر الماضي، هذه العملية أوقعت 20 جريحا في سلك الأمن وبعض المدنيين، كانت بمثابة مؤشر إلى بداية مرحلة جديدة من العمليات الانتحارية والانتقامية والتي باتت تستهدف المدنيين أيضا وليس فقط الأمن والجيش التونسي.
وقد حمّل البعض تصاعد الصراع بين قرطاج والقصبة مسؤولية تردي الوضع الأمني. فالأزمة تواصلت بين رئيسي الحكومة والجمهورية وبين الأطراف المتصارعة داخل حركة نداء تونس ورئيس الحكومة يوسف الشاهد. هذا الصراع شهد مراحل من المد والجزر بين الشاهد ورئيس الجمهورية، ما دفع البعض إلى اعتبار أن رئيس الجمهورية يناور بعديد أوراق الضغط السياسية ويستغل الأزمة بين الحكومة واتحاد الشغل.
حدث آخر أثر في المشهد السياسي التونسي وهو القطيعة بين حزب نداء تونس وحركة النهضة في تشرين الأول/اكتوبر. ومرد الأزمة أن حركة النهضة اصطفت بجانب يوسف الشاهد ولم تقبل بإقالته بل شكلت له سندا منيعا في مجلس نواب الشعب، رغم أن قائد السبسي رغب بإزاحته من خلال “وثيقة قرطاج 2” لكن محاولاته لم يكتب لها النجاح. فحزب نداء تونس بات لا يمتلك النصاب الكافي لتشكيل حكومة جديدة، خاصة بعد موجة الانشقاقات التي شهدها وتمثلت بهجرة نوابه إلى تشكيلات سياسية أخرى. وقد استطاعت حركة النهضة دعم بقاء يوسف الشاهد مع تغيير حكومي أعلن في 13 تشرين الثاني/نوفمبر، واعتبر بمثابة انتصار لها. وقد تزامن ذلك مع تغيرات كبيرة شهدتها الساحة التونسية في إطار استعداد الفرقاء السياسيين ورؤساء الأحزاب للمحطة الانتخابية والتشريعية المقبلة.
لقد تحولت القطيعة بين النداء وحركة النهضة إلى حرب معلنة زادت من الأزمة السياسية، وتجلى ذلك من خلال حرب التصريحات والاتهامات المتبادلة بين الحزبين. ويبدو أن هذه الحرب وصلت إلى مرحلة اللاعودة.
ويحبس التونسيون أنفاسهم في انتظار السنة الجديدة التي يبدو أنها حبلى بالأحداث والأزمات خاصة أن العام شارف على الانتهاء والأزمة بين الحكومة والاتحاد العام التونسي للشغل لم تهدأ بعد.