ذكرتني ملامح الفنان إيمان البحر درويش مريضاً، بهيئة السياسي كمال الشاذلي، الرجل القوي في دولة مبارك، قبل مرحلة نجله جمال وأصدقائه، من حيث اختلاف شكله تماماً.
ولى زمن الشاذلي، وإن احتفظ بموقعه نائباً في البرلمان، ولم يكن هناك من يكتب ضده سواي، لكن تواصل الرجل معي، وحديثه الودي، الذي لم يكن يخلو من الفكاهة، أيقنت به أحد أسرار استمرار حكم مبارك، وابتعاد الكتاب والسياسيين عن الهجوم على الشاذلي، مع أنه كان ظاهرة مستفزة في التعامل المعلن في البرلمان، سواء عندما كان «زعيماً للأغلبية»، أو وزيراً لشؤون البرلمان، فلم يكن الابتعاد عن نقده راجعا فقط لكونه «البعبع»، بحسب وصف أحد الكتاب له، في كتاب أصدره عن نجوم مجلس الشعب!
وإذ نشر أن الشاذلي عاد من الخارج بعد رحلة علاج، فلم يذهب خيالي بعيداً عندما قال لي زميل إن من رأوه من محرري المطار قالوا إن هيئته اختلفت تماماً، لكن بعد أيام نشرت صورته، فإذا به شخص آخر تماماً، ليس فقط للنقص الهائل في وزنه، فالتغيير شمل ملامحه تماماً!
وقد نشرت الصورة ليلاً، فلم أذق طعم النوم حزناً لهذا الاختلاف الواضح في هيئته، فلا أنكر تأثري بما رأيت، وليس هناك مبرر لإنكار أن الصورة تركت في نفسي أثراً إلى الآن، وقد تجدد الأثر بصورة الفنان إيمان البحر درويش، التي نشرتها كريمته «أمنية»، فأثارت الرأي العام، الأمر الذي أربك السلطة وضواحيها، يكاد المريب أن يقول خذوني.
الذين يمثلون الإنسانية المعذبة
في واقعة كمال الشاذلي، لم نطالع ممثلين عن «الإنسانية المعذبة» يستنكرون نشر الصورة، ويسألون عمن سربها، والاستغراق في استدعاء أخلاقيات نشر صور المرضى، من أناس لم تكن هذه القضايا مطروحة على جدول أعمالها، وتدخلهم على هذا النحو، لا شك أنه كرس ما في أذهان الناس، ولا يفصحون عنه!
إن هناك من أهل الفن من اتخذوا قرارهم بالاعتزال والابتعاد عن «الحياة العامة»، لتبقى صورهم في أذهان الناس وهم في مرحلة الشباب والحيوية، وقبل تعرضهم لغدر الزمان؛ ليلى مراد نموذجاً، لكن هؤلاء اعتزلوا طواعية، ولا ينتج قرارهم قاعدة أخلاقية ينبغي أن تعمم، لتؤاخذ ابنة إيمان البحر درويش لنشر صورة والدها لمخالفتها، وتستحق هذا الهجوم عليها، وكأنها جانية وهم أبرياء، ومتهمة وهم المدعون بالحق المدني!
وانتصب المولد في برنامج «يحدث في مصر»، وما جاء فيه من المفارقات كانت مادة مثيرة استخدمتها بعض المحطات التلفزيونية، ومنها «بي بي سي»، ولا ننكر أن شريف عامر، مقدم البرنامج عمل على إدارة الحوار بموضوعية، وفي حدود الممكن والمتاح، لكنه لم يطرح المسكوت عنه من أسئلة، تقف وراء حملة «الأخلاق النبيلة»، وإن كان المخطط أن تكون الحلقة امتداداً للجدل المصنوع، والانكار الكامل!
عندما استيقظت من نومي على الصورة المنشورة، بدا واضحاً أن اللجان الإلكترونية لم يصدر لها الأمر بعد، فتطوعوا وعلقوا وكانت تعليقاتهم كلها تدور حول أن الصورة ليست لإيمان البحر درويش، قبل أن تتم احالتهم إلى مصدر الصورة، وهي ابنته، فبهت الذي أنكر، وفشلت كل محاولاتهم.
فنان الشعب وفنان المرحلة
وتطور الموقف «الخزعبلي» لنقيب الموسيقيين وشاعر المرحلة مصطفى كامل، من إعلان أنه لا يعرف رقم هاتف إيمان البحر درويش، ليطمئن عليه، إلى أن هاتفه مغلق وابنته لا ترد، إلى أنه ليس مطلوباً منه أن يمر على كل زميل ويعرف أين يسكن؟! على النحو الذي ذكره في برنامج «يحدث في مصر»!
وهذا الانتقال بين الدفوع، ومن دفع لدفع، هو أنه كان يواجه بردود تنسف دفعه عندما يبديه، فيتحول إلى مادة للتندر، فكيف لا يوجد في النقابة سجلات فيها بيانات الأعضاء، وإيمان البحر درويش ليس واحداً من عوام الفنانين، فهو فنان كبير، وحفيد لسيد درويش، «فنان الشعب»، هل يعرف المذكور سيد درويش؟!
إن المرحلة، التي اعتمدت محمد رمضان نجمها، هي ذاتها التي اعتمدت مصطفى كامل شاعرها وفنانها ونقيبا للموسيقيين، الموقع الذي شغله قمم في المجال، مثل حلمي أمين، وصلاح عرام، وأحمد فؤاد حسن، وحسن أبو السعود، وإيمان البحر درويش، وهاني شاكر!
قبل الشروع في كتابة هذه السطور، استمعت إلى جزء من برنامج تلفزيوني قديم، يبدو أن المقطع نقلاً عن قناة «ماسبيرو زمان»، وكان ضيفا البرنامج عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل، صاحب قصيدة «لا تصالح»، وفيه ازدرى «أمل» الشعر السياسي المباشر، الذي يعتمد على عناوين الصحف ويسايرها ويمثل تابعاً لها.
لكن هذه مرحلة تواضعت فيها الكفاءات، فكان مصطفى كامل، أحد العناوين الفرعية للمرحلة، فيتم الدفع به للتغطية على الصورة، فيكون كلاً على مولاه.
لقد استدعى برنامج «يحدث في مصر» من تم تقديمه على أنه محامي إيمان البحر درويش، وقال إن هذه الصورة قديمة وليست حديثة، حسناً قديمة منذ متى؟
لقد ظهر إيمان البحر درويش قبل أقل من سنتين وشن هجوماً على السلطة في موضوع التفريط في مياه النيل، ثم اختفى بعدها تماماً، فهل هذه الصورة كانت بعد هذا الظهور، أم قبله؟
أين التوكيل؟
لقد استضاف البرنامج كريمة إيمان البحر «أمنية»، والتي أعلنت أن والدها ألغى وكالة هذا المحامي، ليعيدنا هذا إلى اتجاه معتمد، يتمثل في استضافة المحامي في الأستوديو، وهي قضية تعرضت لها بالنقاش في هذه الزاوية من قبل، والمحامي دوره في المحاكم وليس في الأستوديوهات، والتوكيل في القضايا، وليس في كل ما يخص الموكل، والدفاع يُبدى أمام القضاة ويقدم لهم وليس في وسائل الإعلام!
وفي حالتنا تجاوز المحامي الدور الوظيفي، وتحول إلى متحدث رسمي باسم موكله، فما علاقة المرض والصحة بالمحامي، الذي قالت «أمنية» أن والدها ألغى توكيله، الأمر الذي كان ينبغي أن يحقق فيه البرنامج بعد هذا الإعلان، ويعلن الحقيقة لمشاهديه، سواء ألغي التوكيل أو لم يلغ!
اللفتة الأكثر ذكاء في هذه الحملة، هي إعلان «الشركة المتحدة» للخدمات الإعلامية التكفل بعلاجه، وليس سراً أنها شركة مملوكة لأهل الحكم، وهذا الإعلان من شأنه أن يظهر السلطة بأنها ليست طرفاً بما يدور في أذهان الناس، وما يدور هو مربط الفرس!
بيد أن هذا الإعلان هو الخطوة الوحيدة، ورغم مرور يومين عليه، إلا أنها لم تتخذ خطوات أخرى، سواء بزيارته، أو بنقله إلى المستشفى، أو بإعلان حالته الصحية، وكيف تعلن الشركة علاجه، بينما المحامي يقول إنها صورة قديمة، وما الذي دفع المحامي للتطوع بالمشاركة في برنامج تلفزيوني يتحدث عن موكله السابق، ولم يثبت إلى الآن أن توكيله سار، وما الذي يدفع نقيب الموسيقيين للتخبط على هذا النحو، فيعلن أنه لا يملك رقم هاتفه، فلما يُسأل عن منطقية هذا والأصل أن إيمان البحر فنان كبير، وكيف توصل برنامج تلفزيوني من الاتصال بابنته وهو لا يعرف رقم الهاتف؟ قال إن هاتفه مغلق وأن ابنته لا ترد عليه، فلما قيل له ولماذا لا تذهب لمنزله، قال إن هذا لا يعقل!
مساحة المناورة بدأت تضيق، لنكون أمام أسئلة تحتاج إلى إجابة؟ لماذا الاندفاع في التغطية على الأمر؟ ولماذا تعلن «الشركة المتحدة» تكفلها بعلاجه، ثم يكون هذا هو الإعلان الوحيد إلى الآن؟ ولماذا لا تسعى وسائل الإعلام للوصول الى طبيبه المعالج؟ ولماذا هذا الغضب من اللجان الإلكترونية؟ وأين كان الفنان الكبير خلال عامين من الاختفاء، بعد هجومه الشهير على السلطة بوضوح؛ هل كان معتقلا، هل تعرض للتعذيب واهدار كرامته؟
ادخلوا في الموضوع مباشرة، دون لف أو دوران!
٭ صحافي من مصر