بغداد ـ «القدس العربي»: تعهد رئيس الوزراء العراقي، مصطفى الكاظمي، أمس الإثنين، بـ«التريث» في القرار، «المثير للجدل» الذي اتخذته الحكومة مؤخراً، بشأن «تقاسم أملاك» وزارة الأوقاف والشؤون الدينية «المُنحلّة» بين الوقفين الشيعي والسنّي، فيما يواصل سياسيون ورجال دين سنّة، استهداف رئيس ديوان الوقف السنّي «وكالة» سعد كمبش، ملوحين بإقالته من منصبه وتعيين بديل بـ«الأصالة».
وأعلن «المجمع الفقهي العراقي» أحد المراجع الدينية للسنّة، أنه اجتمع مع الكاظمي بحضور رئيس مجلس النواب العراقي، محمد الحلبوسي، وتلقى وعداً بعدم المضي في اتفاق تقاسم الأملاك الموقع بين رئيسي الوقفين السني والشيعي.
وتألف وفد المجمع برئاسة عضو الهيئة العليا للمجمع عبد الستار عبد الجبار، من مجموعة من علماء أهل السنة يمثلون المؤسسات الشرعية ومن جميع المحافظات العراقية، وتمت في اللقاء الذي حضره إضافة إلى رئيس مجلس النواب، عدد من الوزراء، مناقشة الاتفاق المشترك الموقع بين رئيسي الوقفين السني والشيعي.
الاعتراضات
وتناول الاجتماع أوجه الاعتراضات الشرعية التي وردت في بنود الاتفاق المتعلقة بأملاك الأوقاف، كما بين العلماء في كلماتهم «تداعياته على النسيج الوطني، وعبروا عن ثقتهم أن رئيس الوزراء الذي يعمل على تعزيز دولة المواطنة سيحرص على إنهاء هذه الأزمة بإلغاء هذا الاتفاق وإعادة صياغته على يد فقهاء الشريعة والخبراء المتخصصين».
ونقل بيان صادر عن المجمع الفقهي عن الكاظمي تأكيده أن «العلماء يمثلون عامل استقرار في المجتمع، وأن أمثل طريقة لمعالجة الأزمات هو الحوار المباشر».
وجدد رئيس الوزراء «التعبير عن موقفه الثابت في منع الاعتداء على حقوق أي مواطن عراقي وأنه ينظر بقدسية إلى مسألة الأوقاف لأنها تتعلق بالله تعالى» ووعد الحاضرين أن «هذا الاتفاق لن يمضي».
وقبل ساعات من اللقاء، أعلن ديوان الوقف السني، «التريث» بتنفيذ اتفاق «تقاسم الأوقاف» لحين التوصل إلى صيغة مرضية.
وذكر الديوان، في بيان صحافي، أن «لا يخفى على المهتمين في شؤون الأوقاف الدينية وما جرى بعد عام 2002 من أحداث أن محاضر اجتماعات لجان الفك والعزل بدأ العمل بموجبها منذ 11 تشرين الثاني /نوفمبر 2003 بهدف التوصل إلى اتفاقات وتفاهمات مشتركة لاسترجاع الأملاك الوقفية لكل من ديواني الوقفين السني والشيعي طبقا لما يملكه الطرفان من حجج وقفية أو قرائن».
ملف شائك
وأضاف: «قد تشكلت لإنجاز هذا الملف لجان عديدة ومتعاقبة من الديوانين كانت بالتتابع بأمر رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء استمرت في العمل نحو سبع عشرة سنة ولا زالت تزاول أعمالها لحسم أملاك الوقفين» مبيناً أن «بالنظر لأن هذا الملف الحيوي المهم شائك ويحتاج إلى نقاشات مستفيضة أكثر لإغنائه بالآراء ودراسته في مجلس الأوقاف الأعلى».
وتابع أن «حرصاً منا على رغبة عدد من مراجعنا الفقهية والإفتائية والعلمائية وشيوخنا الكرام، فقد تقرر التريث في محاضر الفك والعزل حتى يتوصل الطرفان من الوقفين السني والشيعي إلى صيغة اتفاق مرضية ومنصفة ومقنعة لا تجحف حق أحد ولا تبخسه ولا تظلمه مع أخذنا بجميع الملاحظات المقدمة أو التي سيقدمها المكلفون لإنجاز هذا الملف».
«القضاء هو الفيصل»
في الأثناء، دعا النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، بشير الحداد، أن يحسم القضاء موضوع تقاسم الأملاك بين الوقفين السني والشيعي.
وطالب، في بيان صحافي، أن «يكون القضاء هو الفيصل في حسم موضوع الأوقاف، حفاظاً على السلم المجتمعي والتعايش السلمي، وضرورة العودة إلى رأي الفقهاء وأهل الاختصاص في الوقفين، والإسراع في تعيين رئيس للوقف السني بالأصالة ليقوم بالبت بالأمر وفق أسس قانونية والحجج الوقفية والأدلة والقرائن الثبوتية».
النجيفي: الاتفاق باطل قانونا ومُحرَّم شرعا ومن شأنه إحداث تداعيات خطيرة جدا
كما دعا الحداد، لـ«تشكيل لجنة مختصة من فقهاء الشريعة والقانون، وخبراء في تاريخ الأوقاف، وأن يترك القول الفصل في هكذا أمر للقضاء» لافتاً إلى أن «القضايا المتنازع عليها ترتبط بالقضاء والمحاكم المختصة، ولا تعالج بالاتفاقات السياسية، وذلك حفاظاً على النسيج الاجتماعي، ومنعاً لتداعيات يمكن أن تخلف أضراراً بالغة بوحدة الشعب».
«مشروع الخزي»
وفي تطورٍ لاحق، وجّه رجل الدين السنّي البارز أحمد الكبيسي، أمس، رسالة إلى رئيس ديوان الوقف السني سعد كمبش بشأن «مشروع تقاسم الأوقاف».
وقال، في رسالة صوتية، «لقد تكلم العلماء عن مشروع تقاسم الأوقاف وقد أسموه مشروع الفتنة وأنا أسميه مشروع الخزي والعار».
وأضاف: «أوجه كلمة إلى رئيس الوقف السني سعد كمبش، وأقول له: الأوقاف السنية ليست ملكا للسنة فقط، وإنما ملك للعالم الإسلامي كله، فالشيخ عبد القادر الكيلاني وأبو حنيفة وغيرهما ملك لكل المسلمين وليست ملك للعراقيين فقط فاتقي الله يا رجل». وتابع: «لقد اتصل بي رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي شخصيا، وعرض عليَّ رئاسة الأوقاف وعرض عليَّ المنصب وترجاني بقبوله، لكنني رفضت وقلت له الأوقاف مليئة بالفساد وأنا لا أستطيع أن اتحمل وزر درهم واحد يسرق من مال الأوقاف».
وزاد في رسالته التي وجهها لرئيس ديوان الوقف السني، قائلا: «إذا كنت تظن أن سبب وجودك في المنصب هو توقيعك على هذه المعاهدة العفنة فأطمئن أن الكاظمي يبحث عن الشخص المناسب ولن يبقى لك غير الخزي والعار وأقول لك مرة ثانية إتق الله يا رجل» حسب قوله.
اتفاق باطل
كذلك، عدّ رئيس جبهة «الإنقاذ والتنمية» زعيم «الجبهة العراقية» أسامة النجيفي، الاتفاق الأخير بين الوقفين السنّي والشيعي بأنه «كارثة وجريمة خطيرة».
وأضاف، خلال لقاء جمعه مع السفير التركي فاتح يلدز في بغداد أمس، حسب بيان لمكتبه، أن «الأزمة الأخيرة التي أثارها الاتفاق بين الوقفين السني والشيعي ومصادقة مجلس الوزراء عليها تعد كارثة وجريمة خطيرة لم يسبق أن ارتكبها مسؤول أو حاكم على مر التاريخ، فالاتفاق باطل قانونا، ومحرم شرعا، وهذا من شأنه أن يحدث تداعيات خطيرة جدا، والسبب هو الفتنة التي أثارها الاتفاق، والمطلوب هو إلغاء القرار حفاظا على الوحدة الوطنية، وحرصا على احترام القانون والتمسك بشرع الله».
وتخشى قوى سياسية سنّية من ذهاب أملاك وأموال تابعة للوقف السنّي، إلى نظيره الشيعي، من خلال اتفاقات «غير معلنة».
ويمتلك الوقفين مجموعة أراضٍ ومؤسسات واستثمارات، تُدر أرباحاً تقدّر بملايين الدولارات، وفقاً لمصادر، الأمر الذي يعدّ واحداً من أبرز أسباب الاعتراضات على إعادة تنظيم تلك الأملاك.
وغالباً ما تقف جهات وشخصيات سياسية نافذة خلف ملف «استثمارات الاوقاف» وقد يؤدي فتح هذا الملف وتنظيمه إلى أضرار مالية بحقها.
وأدى النفوذ السياسي والحكومي منذ عام 2003 إلى التصرف بعقارات وأملاك الدولة العراقية قبل ذلك التاريخ، ورفع إشارات الحجز المثبّتة عليها بصفقاتٍ تحوم حولها شبهات فسات، وفقاً للمصادر.
ويضم نص إقرار محضر الاتفاق المشترك بين ديواني الوقفين الشيعي والسني لحسم أملاك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الملغاة الصادر عن الأمانة العامة لمجلس الوزراء/ دائرة شؤون مجلس الوزراء واللجان، صيغتين لحسم الخلاف القائم منذ عام 2003.
وينص الخيار الأول، على نقل أرشيف وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الملغاة الى وزارة الثقافة/ دائرة الكتب والوثائق وعلى جميع الجهات الحكومية الأخرى تسليم الأرشيف والوثائق والأحكام القضائية والمتعلقات كافة التي كانت عائدة الى الوزارة الملغاة قبل 9 نيسان/ أبريل 2003 إلى وزارة الثقافة/ دائرة الكتب والوثائق خلال مدة أقصاها نهاية عام 2020 كما يشير القرار إلى توزيع الأرشيف لاحقاً على الدواوين المختصة حسب نتائج عمل اللجنة العليا المذكورة في الاتفاق آنفاً.
أما الخيار الثاني فينص على إقرار محضر الاتفاق المشترك بين ديواني الوقفين الشيعي والسني لحسم أملاك وزارة الأوقاف والشؤون الدينية الملغاة المرافق ربط مذكرة مكتب مستشار رئيس مجلس الوزراء للشؤون الاستراتيجية المؤرخة في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2020.
وحسب الاتفاق المشترك، سيتم تشكيل لجنة عليا برئاسة رئيس مجلس الوزراء ووزير العدل ورئيسي ديواني الوقفين الشيعي والسني للإشراف على تنفيذ فرز الأوقاف الإسلامية والأموال التابعة للوزارة الملغاة، إضافة إلى تشكيل لجنة فرعية أخرى لتسجيل الأوقاف والأموال التي تتوافر فيها حجج شرعية صحيحة باسم الوقف المعني، أو الركون إلى النسبة السكانية المعتمدة في كل محافظة في حال عدم وجود سند مصادق عليه، باستثناء كركوك التي يطبق عليها مبدأ النصفية، أما المساجد المشيدة من الأفراد ستكون حسب مذهب الواقف.